فيلم Night House
0

“يقولون: إن المرض الوحيد الذي يصحو فيه المريض مرهقًا بعد نوم تسع ساعات كاملة هو الاكتئاب”
أحمد خالد توفيق.

بالتأكيد صادفت العديد من الأفلام التي تتناول الاكتئاب بمختلف طرق الطرح والتناول، ما بين أفلام الدراما، الجريمة، الرومانسية وحتى الخيال العلمي. ولكن كيف سيتم مناقشة هذه القضية من خلال فيلم Night House تصنيفه رعب وتشويق وإثارة؟ أمن خلال مفهوم “الرعب النفسي؟” يمكننا مناقشة موضوع مليء بالمشاعر والعواطف مثل الاكتئاب؟

قبل البدء: علم النفس والرعب علاقة وطيدة

تعد العلاقة بين “الرعب” كنوع فني سواء أدبيًا أو سينمائيًا وعلم النفس قوية للغاية، ومتضافرة بشكل كبير. فمن البداية سعت المدارس النفسية المختلفة وبالأخص التحليل النفسي لإيجاد تفسير للحب والشهرة التي حظي بها هذا النوع من المتلقي، حيث كان السؤال البحثي لفترة طويلة هو “لماذا يفضل الجمهور أفلام الرعب بالرغم من القلق والخوف التي تثيره بداخلهم؟” وأتت الإجابة عن هذا السؤال من خلال مفهوم في التحليل النفسي وهو “الإشباع البديل للخوف” ويعني:

“إشباع غريزة الخوف، وهي غريزة متأصلة في الإنسان منذ بدء الخليقة بسبب المخاطر التي كان يواجهها كل يوم، يتم هذا الإشباع من خلال بديل يعلم الفرد داخليًا أنه خطر وتهديد مزيف.”

كذلك ارتبطا معًا من خلال نوع من أنواع الرعب وهو “الرعب النفسي” الذي يقدم من خلال الأعمال الأدبية والسينما أو حتى الألعاب. ويعرف على أنه “تحقيق الإزعاج والقلق والخوف للمتلقي من خلال كشف أكحل النقاط والنقائص في النفس الإنسانية، ويصنف هذا النوع على أنه من أكثر الأنواع إثارة لمشاعر الرعب والقلق والاشمئزاز وذلك يعود ببساطة للواقعية التي يحملها العمل، فـ بسهولة قد يكون المتلقي محاطًا بنفس الشخصيات المريضة الموجودة في الفيلم. ولكن هل ينطبق هذا المفهوم على فيلم night house؟

لا تخف، لا شيء -حرفيًا- يسعى وراءك

الفيلم من إخراج ديفيد بروكنر ومن بطولة ريبيكا هول، سارة غولدبرغ، فوندي كورتيس هول وإيفان جونيكيت. يدور الفيلم حول الزوجة بيث التي انتحر زوجها “أوين” مؤخرًا، تبدأ بيث في محاولة التأقلم مع الوضع الجديد وحزنها على زوجها وموته المفاجئ، بعدها تبدأ الأحداث الغريبة تحدث في منزلها وتكتشف العديد من الأسرار المريبة عن زوجها. مع تطور الأحداث في إطار من الرعب تبدأ بيث نفسها في التغير بالأخص بعد شكوكها أن زوجها قاتل متسلسل وأنها في الحقيقة لا تعرف هوية الشخص التي ظلت زوجته لمدة أربعة عشر عامًا.

“You were right. There is nothing, nothing after you. you’re safe now.
أنتِ على حق، هناك “لا شيء”، “لا شيء” خلفك. أنتِ في آمان الآن.”

تلك هي رسالة الانتحار الأخيرة التي تركها أوين لزوجته، تكتشف بيث في النهاية معنى الرسالة. حيث تعرضت لحادث قبل سبعة عشر عامًا وتوقف قلبها لمدة أربع دقائق وكل ما تتذكره عن هذه الفترة هو “لا شيء”. يتضح في النهاية أن “لا شيء” هي قوة شريرة وقعت في حب بيث وظلت تسعى خلفها كل تلك الأعوام حتى تحصل عليها مرة أخرى، لذلك كان على أوين بعد أن حاولت تلك القوى التحكم فيه لقتل زوجته أن يخدعها من خلال بناء متاهة تشبه العالم الموازي تحاكي منزلهم يقدم به فتيات يشبهن بيث لخداعها. لتحاول مرة أخيرة نفس القوى في نهاية الفيلم التحكم في بيث نفسها من خلال الحضور بشكل زوجها لتحثها هي الأخرى على الانتحار.

مخرج العمل ديفيد بروكنر

بالرغم من أن الفيلم يصنف على أنه “رعب” إلا أن أسلوب المخرج مختلف، فبعد ستة أفلام سابقة له في مجال الرعب يقدم فيلم نايت هاوس يعتمد على الإثارة والتشويق من خلال التلميحات والمشاهد ذات الدلالة أكثر من الأمور المعتاد عليها في أفلام الرعب التي تعتمد على إخافة المشاهد، وكأن المخرج يريد إعمال عقل المتفرج أكثر من إرعابه. حتى في مشهد الحلم الثالث لبيث التي تعرفت فيه على البيت المحاكي لبيتها الذي امتد تقريبًا لقرابة الأربعة دقائق بدون قطع لم يعتمد كليًا على مشاهد مرعبة، بل إنه لم يخلُ من دلالات صغيرة تخدم في حل العقدة في النهاية. وعن بيث / ريبيكا هول نفسها فلا غبار على أدائها الرائع، بداية من السيدة الحزينة على فراق زوجها ثم غضبها بسبب إنهاء حياته بهذا الشكل، ومع الوقت تتحول لمختلة عقليًا تسعى وراء الأوهام -في نظر الآخرين- فتحولت ملامحها من الحزن في النصف الأول من الفيلم لغريبة الأطوار المرعبة في النصف الثاني.

الرعب النفسي: تحقق حرفيًا في فيلم night house

بالرغم من أن الفيلم لم يعتمد على ثيمة الرعب النفسي الذي تحدثنا عنها سابقًا، إلا أنه لا يمكن إغفال الشق النفسي في الفيلم. فيمكنك بكل بساطة تفسير الفيلم على مستوى أولي/ سطحي وهو وجود قوة شر تتحكم فيهم وتحاول أخذ بيث. والمستوى الثاني هو الرمزيه في استخدام “ناثينج” للتعبير عن الاكتئاب.
قد يبدو في البداية هذا تحليل مبالغ فيه وإفراط في التأويل، ولكن مع بعض التلميحات التي يوضحها الفيلم عن شخصية بيث نفسها والتي تقال عن لسانها إنها هي دائمًا من كانت الشخص صاحب المزاج الاكتئابي الذي يفكر في الانتحار ولكن أوين هو من يمنعها عنه، كما أنها تساءلت عن هل هي السبب في إصابته بهذه العدوى -الاكتئاب- وجعلته ينتحر؟ وأخيرًا في مشهد النهاية في حوار بيث مع ناثينج نجد جمل الأخير يمكن أن تطبق بشكل مثالي عن الأفكار الانتحارية التي تتحكم في المكتئب وتتلخص في عدم الجدوى من الحياة والراحة الكبيرة التي سيشعر بها الفرد إذا ذهب لـ اللاشيء.

صورة توضح قانون الشكل والأرضية
قانون الشكل والأرضية هو قانون من ضمن عدة قوانين وضعتها المدرسة المعرفية لتفسير عملية الإدراك التي تتم في المخ، ويتلخص في أنه في وجود مثيرين في نفس الوقت فالعقل يقرر بناء على الأهمية اختيار واحد منهم ليكون هو “الشكل” أو الواضح أي أنه المثير الأهم، والمثير الآخر يكون “الأرضية” ويعني أنه المثير الأقل أهمية. وقد استخدم هذا القانون في كثير من الأعمال الفنية البصرية لخداع عقل المتلقي، كما تم استخدامه بشكل أساسي في الفيلم لإظهار “ناثينج” الذي يكون -وبالأخص مع افتراض أنه يرمز للاكتئاب- هو الشكل أو المثير الأهم الذي تدركه بيث.

مشهد من فيلم night house
ليكون في النهاية لدينا شخص -بيث- تعاني من تاريخ طبي مشكوك به بسبب الحادثة، تاريخ نفسي يتخلله الاكتئاب وأفكار الانتحار، صدمة نفسية بسبب انتحار زوجها تؤدي إلى حزن دائم ونوبات غضب متكررة، كلها أمور قد تؤدي إلي نتيجة مقبولة منطقيًا وهي أنها مصابة بالاكتئاب الذهاني وتعاني من هلاوس شديدة. التفسيران متاحان للمتلقي وكل يختار ما يجده منطقيًا.
وعلى ذكر المنطقية، فنهاية الفيلم افتقدت للمنطقية بشكل كبير مما جعل تجربة الفيلم غير مكتملة، مبدئيًا هناك فجوة زمنية بين آخر مشهد في المساء قبل القطع وأول مشهد فى الصباح عند وصول صديقتها كلير للمنزل، ماذا حدث في ذلك الوقت؟ كما أن السبب الأساسي الذي جعلها لا تنصاع لكلمات ناثينج التي تحفزها على الانتحار غير واضح بالمرة وكأنها من العدم حظيت بالقوة التي جعلتها تتغلب على قوة شيطانية تتحكم بها وبعقلها وهو أمر غير منطقي بالمرة!

0

شاركنا رأيك حول "فيلم Night House: عمل يمكنك قراءته على العديد من المستويات"