فيلم Requiem For a Dream .. عندما تتحول الحياة إلى سلسلة من المسكّنات

4

أن تحلم، أي أن تخطو الخطوة الأولى في رسم مستقبل أفضل لنفسك، حيث تتصوّر نفسك الشخص الذي تريد، جالساً خلف المكتب في الوظيفة التي تريد، مُزيناً مقدمة ذلك المكتب بصور من تود البقاء بجانبهم طوال الحياة .. فالأحلام تطمئنا إلى أن الأمور ستؤول في النهاية إلى الأفضل، إذاً فالأحلام تضمن لنا الشعور بالأمان.

ولكن أليست القدرة على الحلم والرغبة في الوصول إلى الأفضل هما القاسمان المشتركان بين كل هؤلاء البشر؟ إذاً لماذا لا يستطيع الجميع الوصول إلى تلك الأحلام؟ يدفعنا هذا التساؤل إلى سؤال أخر تعطي إجابته سبباً لعدم قدرة أغلب البشر على تحقيق أحلامهم.

السؤال هو: لماذا نحلم؟

فيلم Requiem For a Dream - الحلم

يعطي دارين أرونوفسكي فرضيته حول هذا الموضوع من خلال قصة رباعية الأطراف عبر “هاري”، الذي لعب دوره ببراعة النجم جاريد ليتو، و”سارة جولدفارب” والدة هاري التي لمعت في هذه الشخصية النجمة إيلين بورستين، و “ماريون سيلفر” حبيبة هاري التي قامت بدورها النجمة جينيفر كونلى، و”تايرون” صديق هاري.

على الرغم من اختلاف طبيعة و نوع العلاقة بين هؤلاء الأشخاص إلا أنهم اتفقوا فيما بينهم على شيء واحد و هو الإدمان.

قد أعطى “أرونوفسكي” لمفهوم “الإدمان” في فيلم Requiem For a Dream صياغة مختلفة، فلم يقتصر فقط على المواد الشائع إدمانها كالسجائر والخمور و المخدرات، لكنه قصد بالإدمان الزيادة عن الحد في استخدام أو التعلّق بشيء لدرجة تفقدك السيطرة على الواقع وتهرب بك إلى عالم آخر مع الإسراف في الذهاب إليه، ليصبح الواقع بالنسبة لك شيء مكروه ، وتتحول إلى شخص مُسيطر عليه مسلوب الإرادة.

فيلم Requiem For a Dream - صورة شهيرة

نلاحظ إذاً أن الشخصيات تعاني من حالة فقدان الإرادة وعدم الجرأة على تنفيذ ما تحلم به، فهم لديهم الجرأة على الحلم فهو دائماً الجزء الأسهل من أي خطة و ليس لديهم الجرأة على التنفيذ، فكل شخصية فضّلت أن تركن إلى الحل الأسهل والأسرع، عند هذه النقطة حاول أرونوفسكي إبراز الضعف الإنساني من خلال دوافع  وظروف كل شخصية من بناء حلم معين تسعى إليه، من الممكن أن نعددها في بضع نقاط:

أولها: النزعة الإستهلاكية

فيلم Requiem For a Dream من إنتاج عام 2000 أي بداية قرن ونهاية قرن آخر، لكن تلك السنة ليست كأي بداية أو أي نهاية معتادة لقرون الزمن، حيث تتوسط قرن نهايته بداية لمفهوم جديد يُطلق عليه “العولمة” وبداية قرن توسّعت فيه تطبيقات و أعراض وثقافة هذا المفهوم، وأكثر هذه الأعراض ظهوراً استشراء الرغبة الشرائية والرغبة في التملك والحصول على المزيد كنوع من الاعتقاد أن ذلك هو الطريق لبلوغ “الكمال” أو “الأمان”.

ثانياً: عقدة النقص

التخلص من العيوب للوصول إلى “الأفضل” هو المغزى من الحلم، إذاً من الممكن أن نحلم بواقع مغاير نعيش فيه بدون الصفات والأفعال التي نعتقد أنها تشيننا، أو الرغبة في أن تكون شخص محبوب معروف بين الناس بعد أن جعلتك الحياة تتنحى إلى جانب الطريق، أو الرغبة في الشعور بكيانك الخاص و الاستقلال، و ما إلى ذلك من رغبات.

فيلم Requiem For a Dream - ثنائي

إذاً ساعدت الظروف المحيطة بالشخصيات وما يشعرون به من “عيوب” على دفعهم إلى تغيير واقعهم بالحلم، ولكنهم كانوا أضعف من مواصلة طريق الحلم، فصاغوا مفهوم مغير وسلبي لفكرة الحلم على أنه كالمسكنات.

صاغ “أرونوفسكي” حالة هؤلاء الشخصيات في ثلاثة فصول و هي:

أولاً: الصيف

يرمز هذا الفصل إلى النشاط والحركة، أي إلى بداية أي فكرة أو حلم أو بداية الشعور بالنجاح.

ثانياً: الخريف

فصل يرمز إلى بداية السقوط، فكلمة “فصل الخريف” في اللغة العربية ترادفها في اللغة الإنجليزية كلمة”Fall”.

ثالثاً: الشتاء

فصل يرمز إلى نهاية السنة

نلاحظ عند هذه النقطة أن فصول العام أربعة وليست ثلاثة، اذاً يتبقى فصل الربيع، ولكن كالمعتاد لم نعهد في أي من أفلام أرونوفسكي على أي إشارة لجماليات الربيع، كما أنه يرى أن هذه الشخصيات الهشة لا تستحق جماليات الربيع، فجعل برودة فصل الشتاء شاهداً على برودة جسد الحلم كما هو الحال مع برودة الجسد المتوفي، ليكون الشتاء هو الوقت المناسب “لنهاية الحلم”.

كان فيلم Requiem For a Dream بشكل عام جريئ وقويّ، مؤثّر إلى أبعد الحدود، ومُصاغ باحترافية عاليّة جداً مدموجة بالأداء الرائع لرباعيّ البطولة وخاصةً إيلين بورستين التي كان أدائها مفاجئة سارّة مُذهلة في هذا الفيلم، رشّحها لنيل جائزة الأوسكار، وأخيراً الموسيقى التصويريّة الفريدة التي يعتبرها البعض واحدة من الأفضل على مرّ العصور السينمائية.

ما هو رأيك حول فيلم Requiem For a Dream .. يستحق المشاهدة دون شك؟ شاركونا بآرائكم وتعليقاتكم..

4

شاركنا رأيك حول "فيلم Requiem For a Dream .. عندما تتحول الحياة إلى سلسلة من المسكّنات"