أهم مدارس السينما العالمية: السينما السوفيتية الثورية

السينما السوفيتية الثورية Battelship Potemkin 1925 فيلم المدرعة بوتمكين
1

كما قامت روسيا بالثورة البلشفية عام 1917 على حكم القياصرة، حدثت في ذات الوقت تقريبًا ثورة في السينما الروسية، والتي أثرت بالتأكيد على صناعة السينما في العالم كله، ربما لم يكن هذا التأثير متمثلًا فقط في استخدام فن المونتاج بصورة جديدة للغاية، ولكن كذلك استخدام السينما لأول مرة كبوق دعاية، أو وسيلة فعّالة لترويج الأفكار الثورية لصُنّاعها في ذلك الوقت، وربما هنا لأول مرة عرف العالم الأهمية الحقيقية لفن السينما، كوسيلة لإيصال الأفكار والتأثير على الجمهور، بل تغيير وجه العالم لو تم استخدامه بصورة صحيحة.

تأثير الثورة البلشفية على السينما الروسية

“السينما هي الأكثر أهمية بالنسبة لنا بين جميع الفنون”

لينين

هكذا قال لينين على السينما بعد الثورة البلشفية، وهذا لا يعني فقط أنّه للمرة الأولى يتم اعتبار السينما فن يستحق التقدير في وقت كانت لازالت تعتبر وسيلة ترفيه رخيصة، ولكن كذلك اعتراف بتأثيرها الكبير.

رواد الثورة البلشفية وأصحاب فكرها الثوري كان أمامهم تحدي كبير، وهو حكمهم لأمة كبيرة متعددة الأعراق، غارقةً في الجهل والفقر لعقود طويلة، وكانوا بحاجة إلى نشر فكرهم الاشتراكي، وتفسير الثورة وأهميتها. لذلك، كانت السينما حلًا سحريًا لهم.

فاكتشفوا الإمكانيات اللانهائية للسينما كوسيلة للدعاية والتعليم، وبدأ برنامج سينمائي بالتعاون مع وزارة التعليم المسؤولة عن السينما في ذلك الوقت؛ لصنع أفلام مسلية ولكن مفيدة للتوجه الجديد للدولة، ويتم عرضها في الأماكن النائية والقرى.

وتحمس مجموعة من المخرجين الروس الشباب المتشبعين بالأفكار الاشتراكية والمحبين لهذا الفن، وعلى رأسهم سيرجي إيزنشتين، ودزيجا فيرتوف، وبدوفكين، وألكسندر دوفجينكو، وبالطبع سبقهم إلى ذلك كولشوف.

هؤلاء الرواد حولوا وسيط السينما إلى أفضل طريقة لنشر الاشتراكية، واستلهموا الكثير من النظرية الماركسية في صناعة أفلامهم، ولكن كل منهم قام بذلك بصورة مختلفة، واستخدم في ذلك أدواته الفنية المستحدثة مثل: زوايا الكاميرا، وعملية المونتاج، والحركة داخل الإطار، ولاحقًا الموسيقى و الصوت.

السينما السوفيتية وإعادة اختراع المونتاج

سيرجي إيزنشتين المونتاج

 

بعد الثورة البلشفية وقعت سوق الأفلام في أزمة اقتصادية، ما دفع الكثير من صُنّاع الأفلام لإعادة استغلال الأفلام الموجودة لديهم بالفعل، وعلى رأسهم المدرّس الشاب في مدرسة موسكو للأفلام بذلك الوقت ليف كولشوف.

وذلك بتقطيع الأفلام وإعادة ترتيب الكادرات مرة أخرى، واكتشف كولشوف أنّ معنى المشهد يتغير بصورة تامة بناءً على ترتيب اللقطات، ليقوم بتجربته الشهيرة التي جمعت بين لقطة لوجه ممثل، ثم طبق من الحساء، ثم جثة طفلة في تابوت، وهكذا.

وقد أثنى المشاهدون على أداء الممثل، لكن في الحقيقة هو لم يؤدي سوى لقطة واحدة، ولكن الصلة بين صورتين هي التي وضعت معنى جديد كل مرة في ذهن المشاهدين، وقد أسمى السينمائيون هذه الظاهرة بـ “تأثير كولشوف”.

ليأتي بعدها تلميذه الأهم سيرجي إيزنشتين الذي أخذ المونتاج لبعد أكثر ثورية، حيث رأى أنّه أكثر من مجرد جمع بين اللقطات لتقديم مشهد مستقل، بل وسيلةً لنقل الأفكار الثورية عن طريق الجمع بين النقائض المختلفة لخلق صدمة للمشاهد وإيصال الفكرة.

وأهم مثال لعمل إيزنشتين في المونتاج وواحد من أعظم المشاهد في تاريخ السينما هو مشهد خطوات الأدويسة، من فيلم المدرعة بوتمكين، عندما انقضَّ جنود الدولة القيصرية على المرحبين بالمدرعة بوتمكين في مدينة الأوديسة.

كما يتضح من هذا المشهد فهو دعاية مضادة للحكم القيصري بوضوح، فلا يمكن مشاهدته دون الإحساس أنّ هؤلاء الجنود ليسوا سوى قتلة، خاصةً بالتركيز على الطفل الذي تدهسه الأقدام وأمه التي تحاول إنقاذ جثته، ومشهد عربة الطفل التي تنحدر سريعًا على الدرج.

وفي كتاباته عن السينما قام إيزنشتين بتفرقة خمسة أنواع مختلفة من المونتاج أهمها من وجهة نظره هو المونتاج الفكري، وهو طريقة وضع الصور معًا لغرس مفهوم فكري في ذهن صانع الفيلم.

انبهر إيزنشتين بقدرة اليابانيين والصينيين على تقديم فكرة جديدة عن طريق الجمع بين صور توضيحية. على سبيل المثال، رمز الشجرة الياباني 木 عند جمعه مع رمز الحائط 囗 يظهر معنى جديد. هو المشكلة困، لأنّ وجود شجرة في حائط منزلك بالتأكيد مصيبة كبيرة.

ويظهر هذا المثال فكرته عن المونتاج الفكري بالجمع بين لقطتين مختلفتين عندما يصبحان معًا معبرين عن فكرة معينة.

وقام إيزنشتين بتقديم المونتاج الفكري بصورة واضحة للغاية في فيلمه أكتوبر، ففي مشهد شهير قام إيزنشتين بعقد مقارنة بين الجنرال الروسي ألكنسدر كيرنسكي وطائر الطاووس، ثم تمثال نابوليون، وهي المقارنة التي أربكت المشاهدين وجعلتهم يفكرون طويلًا سواءً في الماضي أو حاليًا.

السينما الروسية والخلق الجغرافي

أيضًا أثبت كوليشوف من خلال تجاربه أنّ المسافات المكانية في السينما تتأُثر بعملية المونتاج، فعندما يقوم المخرج بتوصيل السيولويد يخلق مسافات أخرى مختلفة عن تلك الموجودة في الواقع، فهو يقوم بعملية جمع لمشاهد ولقطات من أماكن مختلفة ليوحي للمشاهد أنّها كلها في مكان واحد، وهو ما يطلق عليه الخلق الجغرافي.

نقد رواد السينما السوفيتية الثورية للسينما الكلاسيكية خاصةً جريفث، ونقد بازان لرواد السينما السوفيتية الثورية

على الرغم من اكتشاف المخرج الأمريكي جريفث للمونتاج، واعتباره عنصر قوي هام لإبراز القصص، فقد انتقد المخرجون السوفيت جريفث؛ لأنّهم اعتبروا المونتاج ليس فقط عنصرًا بل هو الأساس الجوهري للعملية السينمائية، واعتبروه قادرًا على تقديم أفكارهم ومبادئهم الواقعية، على عكس قصص جريفث التي تميل للعاطفية والمثالية.

وقد قال إيزنشتين على جريفث أنّه قام فقط بإعادة اكتشاف المرادفات الموجودة في الأساس في الأساليب الأدبية، ولكنه بقى عند مستوى العرض والموضوعية، ولم يحاول أن يقابل اللقطات ببعضها البعض ليكون لها معنى واضح.

على الجانب الآخر انتقد الناقد الشهير بازان النظرية السينمائية السوفيتية، حيث قال أنّ المونتاج طبقًا للنموذج الروسي كان معدًا لإظهار مغزى خاص بالإبداع الشخصي للمخرج، وخلق معنى لا تتضمنه الصور بموضوعية، وينشأ عن علاقتها ببعضها البعض، ما قلل من أهمية وصف الواقع، وأنّ الواقع غامضٌ وينبغي أن تحترم الأفلام هذا الغموض، ومدرسة المونتاج الروسية طمست المعاني المتعددة للقطة السينمائية؛ لكي تفرض رأيًا واحدًا عن واقع غير متبلور، وكأنّ المشاهد مطالبٌ بأن يثق في المعنى الملصق بحادثة، ويمنع من اكتشاف أي معنى آخر غير الذي أملاه عليه المونتاج.

تأثير السينما السوفيتية على السينما العالمية

يمكن رؤية تأثير السينما السوفيتية الثورية وتقنياتها المستحدثة بوضوح في السينما الكلاسيكية الهوليودية، نأخذ على ذلك كمثال فيلم “المواطن كين” لأورسن ويلز، واستخدامه لزوايا الكاميرا، وتأطير الكادرات، والمونتاج بصورة لم يكن ليكتشفها بدون رواد السينما الروسية العظماء.

أيضًا الموجة الواقعية الجديدة الإيطالية اعتمدت على السينما الروسية، ومخرجين مثل: روسلليني وفيتوريو دي سيكا، ولوتشيني فيسكونتي درسوا الطريقة التي استطاع بها المخرجون السوفيت تقديم الحياة على الشاشة بصورة واقعية أدهشت العالم بعد الطريقة شبه المسرحية التي استمرت عليها السينما قبل ذلك لسنوات.

وأيضًا نرى تأثير السينما الروسية على مخرجين عظام مثل: بيلي وايلدر، وتشارلي شابلن، وألفريد هيتشكوك، وجون فورد، ووليام وايلر.

فالتقنيات السينمائية السوفيتية هي التي قادت فن السينما في بدايات القرن العشرين، وذلك طبقًا لرأي “أنيت مايكلسون” أستاذة دراسات السينما في جامعة نيويورك، حيث أشارت في محاضرة ألقتها عام 2003 إلى أنّ المهاجرين الروس مثل: مصمم الرقصات جورج بالانشين والممثل مايكل تشيخوف، بالإضافة إلى تأثيرها في عالم الرقص والمسارح كانوا يعملون في هوليود، وينقلون الكثير من خبراتهم السابقة لها.

وقد شاهد الكثير من صُنّاع الأفلام الأمريكية في حقبتي العشرينيات والثلاثينيات أفلام إيزنشتين وأعجبوا بها، وأشار المخرج فرانسيس فورد كوبولا لاستلهامه من فيلمي إيزنشتين الشهيرين “أكتوبر” و “إيفان الرهيب”.

وأيضًا كانت لتقنيات السينما السوفيتية في المونتاج تأثيرًا كبيرًا على السينما المستقلة، خاصةً بعد الحرب العالمية الثانية، مثل: أفلام مايا دارين، وأيضًا يمكن رؤية ذلك في أفلام الممثلة والمنتجة الروسية آلا نازيموفا، مثل: فيلم “سالومي” الذي عكس التقاليد الروسية في المونتاج.

أهم الأفلام التي أوضحت سمات السينما السوفيتية الثورية

Battelship Potemkin 1925

Battelship Potemkin 1925 فيلم المدرعة بوتمكين

لا يمكن الحديث عن السينما السوفيتية دون ذكر فيلم المدرعة بوتمكين تحفة أيزنشتين التي أوشكت على إكمال قرن كامل، وهو فيلم صامت وواحد من أهم الأفلام في التاريخ، وتدور أحداثه حول حالة التمرد على المدرعة بوتمكين من الجنود؛ بسبب سوء الأحوال التي يتعرضون لها، ويمتلئ هذا الفيلم بالمشاهد العنيفة والحساسة في آن واحد التي استخدمها المخرج في توضيح قضيته، ومنها كما ذكرت سابقًا مشهد الأم التي يقتل طفلها أمام عينيها، وهو واحد من أشهر المشاهد وأكثرها رعبًا في تاريخ السينما، ويستخدم هذا الفيلم حتى الآن كمثال على السينما السوفيتية وتقنيات المونتاج بها.

Man with a Movie camera 1929

بوستر فيلم Man with a Movie camera 1929

فيلم من إخراج ديزجا فيرتوف عام 1929، وهو بدون نص تقريبًا ولم يمثل به ممثلون معرفون وحتى القصة غير واضحة المعالم، ولكن تنبع أهمية هذا الفيلم من  تقنيات الكاميرا والتصوير المستخدمة فيه، والتي كانت تجريبية في هذه الحقبة.

وهو فيلم وثائقي عن 24 ساعة في حياة كل مدينة روسية، وقد استطاعت عين فيرتوف الواعية للتفاصيل ملاحظة المدن السوفيتية في أوقات العمل واللهو، وتقديمها عبر عدسته.

October 1927

October 1927 فيلم

الجزء الثالث من ثلاثية إيزنشتين الثورية، التي بدأها بفيلم Strike ثم المدرعة بوتمكين، وقد قال إيزنشتين عن الثورة أنّها أهدته أهم شيء وهو أنّها جعلته فنانًا، وتدور أحداث فيلم أكتوبر بدءًا من إسقاط النصب التذكاري للإمبراطور نيكولاس الثاني، وحتى خطاب إعلان انتصار الثورة الذي ألقاه لينين، وأهم مشاهد الفيلم عندما اقتحم البحَّارة قصر الشتاء، واحتوى الفيلم على العديد من اللقطات الوثائقية من أحداث عام 1917.

1

شاركنا رأيك حول "أهم مدارس السينما العالمية: السينما السوفيتية الثورية"