فيلم Silence .. فلسفية الحياة في مواجهة “النفس”

مراجعة فيلم Silence
3

فيلم Silence، هو أحد الأفلام التي تتحدث عن الصراع، الصراع المجرد في مواجهة الحياة، والمعتقدات، إنه الصراع الذي ولدنا ونموت فيه ولكننا نظل طوال الوقت في مواجهة مع أنفسنا، فهي الوحش الأكبر الذي يجرنا لأسفل ولكننا لا نعلم، أو نتجاهل ذلك.

هو فيلم جيد من حيث القصة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إنه جيد لدرجة تجعلك مجبرًا أن تتابعه، تتأثر تارة، وتشرد بخيالك بعيدًا أخرى لتتذكر أنك مازالت تعيش نفس الصراع، إنه المواجهة الحتمية، أما أن نفوذ أو نموت فأختر لنفسك ما تريد، وعش أما بأس، أو يأس.

القصة

فيلم Silence

الفيلم لم يرشح ضمن جوائز الأوسكار لأفضل سيناريو، على الرغم من كونه العمل الأفضل من حيث القصة، وتجسيد الصراع، سأحاول جاهدًا ألا أتطرق لتفاصيل العمل، حتى تشاهدوه، ولكن مؤمن بأنه سيجذب شريحة كبيرة من المشاهدين.

العمل في ظاهرة يتحدث عن الصراع الذي دار في القرون الوسطى، أثناء انتشار الديانة المسيحية، والمواجهة التي تعرضت لها في اليابان، ليظل اليابانيون على معتقداتهم “البوذية”، والتعذيب الذي تعرض له المؤمنين بالديانة المسيحية، وكيف يمكن للمرء أن يتخلى عن معتقداته في مواجهة الصعاب، هذه ليست رسالة العمل الحقيقة، بل الرسالة تكمن في المواجهة بين المعتقدات، وصراع الحياة، مواجهة مع النفس والتي يتعرض كل منها يوميًا، أحيانًا ينتصر، وأحيانًا ينهزم، ولكن هناك هزيمة تقتل النفس، هذه كانت الفكرة المجردة التي انتصر لها الكاتب في النهاية.

استطاع العمل أن يكون نقطة مضيئة، ومصباح ينير الحياة بصعابها، وانهزامتها، فقد مثل الواقعية بحرفي شديدة، ولكن أهم ما أثر في ضمن أحداث العمل هو أنه حافظ على الأمل، وبثها في النفوس، لم يكن عملًا سوداويًا، يمثل صراع الحياة فقط، بل جعل هناك نقاط مضيئة، يتشبث بها المشاهد، وهو ما يجعل الفيلم يقترب من الكمال.

التصوير

فيلم Silence

إحدى العلامات المضيئة في العمل هي تصويره فقد تم ترشيح العمل لأوسكار أحسن تصوير، فسلاسة اللقطات وتنوعها، واستطاعتها أن تجعل من العمل الدرامي شيق، أمر ليس بالهين.

هناك مشاهد أثبت أن المخرج والمصور استطاعا أن يحلقا بعيدًا بالعمل في تلك النقاط، وإحدى الأمثلة المشهد الذي اجتمع فيها ما يزيد عن 20 شخصًا في كوخ لا يتعدى الثلاث أمتار، كيف لك أن تبدع في وسط هذا الزخم، وتنقل تعابير ومشاعر متباينة، هو أمر يحتاج لمخرج، ومصور يعرفان كيف يكون العمل جيد، دون حديث.

في قواعد السينما الرئيسية أنها فن الصورة، أي أن العمل دون حديث نستطع أن نفهمه، ونشعر به، وهذا ما استطاعت أن تنقله الصورة في العمل، مشاهد يصعب إبرازها، إلا أن الصورة سطعت، ونقلت العمل، وأشعرتنا به، بل كانت الجزء النطق باسم ” Silence” فالعمل يتحدث عن الصمت رغمًا عنك، إلا أن الصورة تحدثت.

الإخراج

صورة فيلم Silence

إن المخرج ” Martin Scorsese” استطاع أن يجعل من “الصمت” العظة المرادة من العمل، فجسد الصمت في العمل الذي عبرت فيه الصورة عن مجريات ما يدور فيه دون حديث، وهي بالنسبة لي السينما المثالية، هي التي تجعلك تشاهد وتشعر دون أن تستمتع.

وبالطبع فإن الأعمال الدرامية، إن لم تستطع أن تجذب المشاهد وتصرف عنه روتين اللقطات، وتجعله ينصهر مع الأحداث، فقد فشلت فشلًا ذريعًا، ولكن ذلك لم يحدث في العمل، بل استطاع المخرج أن يتلاعب بالإضاءة، وينوع في المشاهد، وأحجام اللقطات، ويجعل العمل بالكامل كتلة فنية متوازنة.

الأبطال

ليام نيسون في فيلم Silence

العمل كان به مساحة تمثيل كبيرة شارك فيها مجموعة كبيرة من الفنانين، وإن كان العمل مقسم على ثلاثة أجزاء بالنسبة لي، في البداية رحلة القسيسين، والثانية المعاناة التي يتعرضون لها، وفي النهاية ضعف النفس، كل جزء منها احتاج إلى طابع تمثيلي فيه.

رحلة القسيسين.. كانت تُعرف المشاهد على طابع المجتمع الياباني، وظهر ذلك من رسم الشخصية الذي أبرزه العمل عن الشعب الياباني آنذاك، وتعامل القادة لمواجهة المسيحية، ومن خلالها استطاع الأبطال أن يضبطوا الإيقاع الدرامي للأشخاص.

المعاناة.. كان الجزء الأكثر سوداوية وأمل داخل الأحداث، وهنا احتاج الأبطال أن يبرزوا جانب من معانتهم وجهادهم مع النفس، وهنا بدأت تتضح ما بداخل الأشخاص من قوة وضعف، وانهيار.

ضعف النفس.. وهو الجزء الذي تنهار فيه النفس، وتقع في الخطيئة، وكلها مراحل تمثيلية مختلفة، صعبة ولكن كانت سلسة الإيقاع والتنقل.

بوستر فيلم Silence ليام نيسون

في النهاية.. كن قويًا أو ضعيفًا، فقط اختار ما تجعله فيك الحياة، ولكن لا تلوم الظروف، لا تلوم من يواجهك، فقط ألقي اللوم على نفسك لأنك لم  تمتلك القوة المطلوبة، هذه رسالة العمل.

3

شاركنا رأيك حول "فيلم Silence .. فلسفية الحياة في مواجهة “النفس”"