دراسات سينمائية: الصوت ومحاولات جعل السينما تتكلم

الصوت في السينما
1

التعريف البسيط للفيلم السينمائي هو عملية تكوين الصورة ومن ثم بدرجة أقل تركيب الصوت علي الصورة، هكذا يظهر الفيلم بهيئته البسيطة بدون الخوض في تفاصيله الكبيرة كالإخراج والسيناريو والتمثيل وما إلي ذلك من أساسيات التكوين السينمائي، لذلك ستظهر أهمية الصوت وتركيبه كنسبٍة مهمة جدًا في عملية تكوين الفيلم وبشكل كبير جدًا حين الحديث عن أفلام ما بعد إكتشاف الصوت في السينما، بدايًة من تسجيلِ الصوت وحتي عملية المكساج، يتم الوصول للشكل النهائي علي شكل خطوات تمتاز جميعها بالأهمية .

منذ إكتشاف السينما أو بالأحري إختراعها عن طريق الأخوين “لوميير” وحتي عام 1927 كانت السينما صامتة ولا يُسمع لها حديثًا، وعلي مدار السنوات الطوال، تطورت السينما وخصوصًا عملية تركيب الصوت وتسجيله بشكل كبير جدًا حتي وصلنا إلي القدرة علي تحليل كل مقطوعٍة موسيقية تُعزف وكُل حديٍث يُدار بين شخصياتِ أي عمل، وما سنسعي إليه في هذه الدراسة البسيطة، هو تقديٌم بسيط لكل ما يتعلق بالصوت والموسيقي التصويرية إستنادًا لأهميتهما القصوي في التأثير علي المشاهد خلال مشاهدته للفيلم .

محاولات تركيب الصوت مع الصورة 

في عام 1888 حاول العالم “توماس إدسون”، مخترع الفونوجراف أو الجرامافون كما نسميه الآن وهو ما كان إختراعًا مذهلًا في ذلك الوقت، التواصل مع العالم “إدوارد موبريدج”، والذي كان قد إخترع جهاز بدائي لعرض الصور المتحركة وهو الزوبراسكوب، وكان هدف هذا التواصل التوصل لطريقة لوضع الصوت مع الصور المتحركة، ولكن تلك المحاولات قد فشلت، ومع مرور الوقت، نسي “موبريدج” الفكرة كلها، اما “إيدسون” فلم يهدأ له بال؛ لذلك إستمر في محاولاته حتي نجح وبمساعدة العالم “وليام ديكسون” في صنع جهاز الكينتوسكوب، وإستطاع بالفعل أن يسجل الصوت مع الصورة عن طريق دمج الكينتوسكوب بالجرامافون بتكوين الكينتوفون، وتم تسجيل العديد من الأفلام القصيرة، لكن للأسف لم ينج إلا فيلٌم وحيدٌ مُدته بضع ثواٍن وهو عبارة عن عازف كمان يعزف وأمامه رجلين يرقصان علي عزفه .

لم تكُن السينما قد إكتُشفت بعد لأن كاميرا الأخوين “لوميير” لم تكُن قد صُنعت بعد، فكان بإمكان الجماهير مشاهدة الفيلم عن طريق النظر من خلال فتحة صغيرة إلي المشهد المرأي مع سماع الصوت في الخلفية مقابل المال .
فيما بعد وبعد إختراع السينما وحدوث الطفرة علي يدي الأخوين “لوميير”، كانت هناك عديد المحاولات لصنع أجهزة أخري لتسجيل الصوت مع الصورة علي الشاشة الكبيرة، ولكن فشلت جميعها في المزامنة بين الصوت والصورة، ومن هنا بدأت رحلٌة كبيرة من الأفلام الصامتة، لم يكن هُناك أي شخص يتكلم في الأفلام ولكن كانت هناك المؤثرات الصوتية والموسيقي، فكان صانع الفيلم يستأجر أحد المسارح الكبيرة لعزف الموسيقي والمؤثرات الصوتية أو أحد المسارح الصغيرة لعزف البيانو فقط، ولكن في الحالتين كان ذلك مكلفًا جدًا، ولذلك إحتاجت شركات الإنتاج وبشدة لإيجادِ حلٍ ما لمزامنة الصوت مع شريط الفيلم .
هُنا يأتي دور ثلاثة رجال ألمان وهم “جوزيف آنجل” و”جوزيف ماسلول” و”هانس فوغت” حيث قاموا بحل مشكلة مزامنة الصوت مع الصورة عن طريق إبتكار عملية تراي إربجون، ولكن ظلت مشكلة تضخيم الصوت واضحًة وبشدة. هنا يأتي دور مخترعُ الميكروفون “لي دي فورست” حيث قام بإختراع الأوديون تيوب في 1906، وكان يقوم بإلتقاط الإشارات ثم يُضخمها، وبدأت تجاربه علي الصور المتحركة في 1919، وبحلول عام 1922 أصبح لديه نظامه الخاص في العمل وبدأ في إنتاج الأفلام القصيرة بالصوت والصورة معًا، وفي وقتٍ قصير، أصبح إنتاج الشركة غزيرًا من مسرحياٍت وخطٍب هامة والأفلام .

في هوليوود لم يكن قد وصَل هذا الإختراع بعد،  ولم يأخذ إهتمامَ الناس وخصوصًا المنتجين لخوفهم من المخاطرة، وفي عام 1925 اخترعت شركة “ويسترن إليكتريك” جهاز الفايتافون وهو جهاز له نظامه الخاص أيضًا في تركيب الصوت علي الصورة وصُنع الأفلام، وذهبوا به إلي هوليوود ولكن لم يُعيرهم أحدًا إنتباهه بإستثناء شركة واحدة كانت في ذلك الوقت مؤسسة حديثًا، وهي “وارنر برازرز” وقد قررت المخاطرة والإعتماد علي هذا الأختراع، فقامت بإستئجار إختراع الفايتافون في 1926 .

وارنر برازر

ومن هنا إنطلقت المحاولات العديدة للإنتقال بهوليوود للنقطة التالية، وبدأت “وارنر برازرز” عرضها الأول في مسرح بوردواي بدعاية رائعة وخطاب إفتتاحي رائع من رئيس الصور المتحركة، ونجح ذلك نجاحًا ساحقًا، وإنطلقت الشركة بهذا الإنجاز في كل أنحاءِ أمريكا بإختراعها الجديد، وهنا بدأ التحول وأصبحت ضرورة أن تتغير صناعة السينما كلها وفورًا، ولذلك إجتمعت خمس شركات سينمائية كبري -عُرفت فيما بعد بالشركات الخمسة الكبري- لإعتماد نظام صوتي واحد، وفي إبريل من عام 1927 بُني أول أستديو صوتي في العالم، وفي مايو من نفس السنة، أُنتج أول فيلم سينمائي طويل وناطق بشكٍل كامل وهو مُغني الجاز .

                                              “مُغني الجاز”

صورة فيلم مغني الجاز

يُعتبر فيلم “مغني الجاز” من ألأفلام الموسيقية، وكان سيُصبح في الأصل بدون حوار، أي تدور أحداث الفيلم ومن خلفها تُعزف الموسيقي المتزامنة مع الأحداث فقط، ولكن “إلجولسون” إرتجل كلماًت وظل يُزيدُها حتي أخرجَ حوارًا كاملًا، وتركته شركة “وارنر برازرز”، وأخرجَ لنا مشهدين مُتكلمين وأصبحت باقي المشاهد بالعناوين الموضحة بعدها كما عادة الأفلام الصامتة، ويتحدثُ الفيلم عن شاٍب مُغرٍم بموسيقى الجاز، وقد حققَ الفيلم نجاحًا كبيرًا وأرباحًا بَلغت من 3 إلي 5 مليون دولار للشركة المنتجة، وبه انتهى عهد السينما العظيمة الصامتة وبدأت مرحلة جديدة، مرحلةُ السينما الناطقة.

أنواع الصوت:

أنواع الصوت في السينما

  • الصوت الداخلي : هو الذي يوجد داخل موقع التصوير، مثل : صوت الأقدام والحوار والضوضاء، وفي عملية المكساج يتم تنقيتها ليتم أخذ ما يتم إحتياجه لكل مشهد فقط وتُستبعد باقي الأصوات .
  • الصوت الخارجي : هي الأصوات من خارج موقع التصوير، مثل : الموسيقي التصويرية والتعليق الصوتي/الفويس أوفر و المؤثرات الصوتية الخارجية .

تسجيل الصوت:

تسجيل الصوت في السينما

يُمكن تسجيل هذه الأصوات بالمايك الذي يأتي مع الكاميرا ولكن يتم الحصول علي جوده سيئة في النهايه، لذلك يتجهُ المُعظم للطريقه الاخري وهي الاكثر انتشارًا ألا وهي التسجيل بالميكرفون الخارجي، وأكثرُ أنواعِ الميكرفونات شهرًة :

  • الميكرفون الخطي : ميكرفون يُسجل حسب اتجاه شريحته، للأمام فقط،  وأي صوٍت يخرجُ عن زاويته لا يُسجلُه .
  • الميكرفون الحيوي : له شريحٌة ضيقة حيث يُسجلُ أقرب الأصوات له، والأصوات البعيدة يحجبها تمامًا .
  • الميكرفون المكثف : يُسجل كل الأصوات المحيطة به بشكٍل مُتساوي ويكثُر استخدامُه في المشاهدِ التي توجد بها تجمعات .

المكساج:

المكساج في السينما

المكساج في السينما هو مرحلة تحدُث فيما بعد الإنتاج، أي بعد تصوير مشاهد الفيلم او أثناء تصوير الفيلم نفسه احيانًا، وهو دمج وخلط عدة أصوات في شريط صوتي واحد، وقد بدأ المكساج في الأصل مع الموسيقي في القرن ال 19، لكن وصلَ الى السينما مع دخول الصوت اليها في نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات، ويكون المخرج دائمًا موجود أثناء عملية المكساج ليُشرف عليها، وبعد أن تنتهي تبدأ عملية المونتاج .

أول الأفلام المصرية الناطقة:

                                              “أنشودة الفؤاد”

وانشوده الفؤاد بطوله الشيخ “زكريا أحمد”، والذي قام بتلحين أغلب أغاني “أم كلثوم” في فترتها الاولي، والمطربة “نادره ودي”  وقد ظهَرت لفترٍة قصير واختفت، ورائد المسرح المصري “جورج ابيض”، وإخراج الإيطالي “ماريو فولبي” .

                                             “أولاد الذوات”

اولاد الذوات بطولة “أمينة رزق” و”يوسف وهبي”، إخراج “محمد كريم” إحدي أعمدة الإخراج السينمائي في مصر ومن الرواد .

يوجد عدم معرفة كاملة بأي الفيلمين تم إنتاجه أولًا، لذلك حين تُذكر سيرة أول الأفلام المصرية الناطقة يُذكر إسم الفيلمين سويًا، ولكن “يوسف وهبي” وفي إحدي المقابلات ذكر أن “أولاد الذوات” هو أول فيلم مصري ناطق، ولكن أيضًا لا يتم إعتماد ذلك كدليٍل قاطع، وللأسف لم تصِل هذه الأفلام لأيدينا كاملٌة وإنما فقط بعض المقاطع القصيرة .

شاركنا برأيك في التعليقات، هل أولاد الذوات نُطقَ أولًا أم أنشودة الفؤاد؟ هل السينما الصامتة تركَت أفلامًا خالدَة وما زالت تُذكَر حتي الآن رغم مرورِ الوقت وسيطرت السينما الناطقة بنسبة مئة بالمئة ؟ 

1

شاركنا رأيك حول "دراسات سينمائية: الصوت ومحاولات جعل السينما تتكلم"

أضف تعليقًا