مراجعة أنمي «Steins;Gate»: جنون العلم بين العدمية والواقع

أنمي Steins;Gate
أحمد سامي
أحمد سامي

6 د

تقييم الأنمي

العلم هو الذي جعلنا ما نحن عليه الآن، فبدونه نعود للنظر إلى السماء والتعجب من النجوم، نرجع مجددًا للارتعاب من النيران المستطيرة بفعل البرق، ونأتي مرةً أخرى لعصور كان فيها الإنسان أجهل المخلوقات. أجل إنّ العلم يستطيع فعل المعجزات، لكن هل بالضرورة أن تكون تلك المعجزات ذات منفعة على جنسه؟ سؤال كهذا ليس له إجابة، فالعلم لا يعترف بإجابات محددة، وليس لديه نمط ثابت أو توقع محدد لما ستؤول إليه الأمور، وهذا محور أنمي اليوم. أنمي Steins;Gate برهن أنّ مبدأ الاحتمالات التي تُبنى عليه كل العلوم. هو الذي يُبنى عليه الكون، لكن تلك الاحتمالات قابلة للتقييد! قابلة للتقويض! وقابلة للتحريك! كيف هذا؟ هذه هي عبقرية Steins;Gate يا سادة. الأنمي العلمي من الطراز الأول، والذي سيُذاع منه الموسم الثاني هذا العام تحت عنوان “Steins;Gate”، والموسم الأول هذا كان في 2011.




القصة:

أنمي Steins;Gate - أوكابي رينتارو وماكسي كريس

العالم الشاب «أوكابي رينتارو»، أو الذي يُسمي نفسه العالم المجنون – Mad scientist «هويين كيوما» يصطحب صديقته الصغيرة «مايوري» لندوة تناقش السفر عبر الزمن لشخصٍ يدّعي أنّه وصل إلى آلة الألفية الجديدة، آلة السفر عبر الزمن.

ذو صلة

لكنه يرى أنّها مسروقة من «جون تايتر» القادم من المستقبل، وبينما قد تبدو الأحداث روتينيةً ومُتوقعةً بشدة، يُفاجَأ أوكابي بجثة فتاة تعترش بركةً من سائل الحياة القاني بإحدى غرف المبنى، فتلك هي «ماكسي كريس» العالمة الشابة التي تستطيع بتر بأس تلك النظريات حول السفر بالزمن.

يستفيق رينتارو ويهرب من المبنى بصحبة صديقته، وهناك يبعث لصديقه برسالة أنّ ماكسي مُتوفاة، لكن بعدها مباشرةً يهتز العالم من حوله وينتاب عقله التشويش اللحظي، ثم يعود إلى نقطة الصفر! لقد عاد بالزمن! الآن كيف عاد وما علاقة كل ما حدث بماكسي والمنظمة الخفية (سيرين) التي تسعى خلفهما؟! وكيف لماكسي كريس أن تعود للحياة وتشاركه الحرب ضد تلك المنظمة؟ هذا ما ستعلمه عند متابعة الأنمي.




لماذا هذا الأنمي مميز؟

أنمي Steins;Gate - أوكابي رينتارو - ماكسي كريس - مايوري

حسنًا … هناك الكثير ليُقال في هذه النقطة فعلًا …

الكاتب لم يخلق عالمًا مثل عالمنا، وتحدث فيه نظريات مؤامرة معهودة مع قوى خفيفة وشديدة البطش فقط، بل جعل كل ذلك مقرونًا بالعلم. وليس أي علم، العلم الجنوني الذي طرحه أينشتاين قديمًا وعليه برع كُتّاب الخيال العلمي في أعمالهم الفنية، لكن الأنمي أخذنا إلى مُنحنى أكثر جنونًا وعبثيةً. العالم عبارة عن خيوط كل خيط إذا حدث فيه اضطراب ينقسم إلى خيطين، خيط حدث به الاضطراب، وخيط لم يمسسه شيء. لكن ليس هذا فحسب، فالتغيير الذي حدث لن يؤثر على الشخص أو الموقف الذي تم عمل التغيير من أجله فقط، بل سيحيد عنه قليلًا ليشمل سلسلةً من التغيرات الطفيفة، والتي سرعان ما ستتجمع لتخلق تغيرات كبيرة لم تكن لتتوقعها من الأساس، وهذا ما يُعرف في العلم بتأثير الفراشة، فإذا رفرفت فراشة في منطقة أقصى الشمال، ستحدث بعدها عاصفة في أقصى الجنوب، تغيير طفيف يخلق تغييرات أعظم، هذه أكثر نظريات العلم جنونًا وعبثيةً حقًا.

وليس فقط جنون الحبكة يعتمد على جنون العلم البحت، لكن أيضًا على جنون الشخصيات الواقعية بالأحداث، فالبشر متلونون ولا يمكن توقعهم على الإطلاق. كل شخصية تحمل قصة، كل شخصية تريك جانبًا مظلمًا من العالم، وكل شخصية تسعى لإسعاد الآخرين بشكلٍ أو بآخر. حتى مايوري التي هي الأنقى بينهم، أرى فيها جانبًا سوداويًّا حالكًا أبرزه الكاتب باستتار على مدار الحلقات، لكنه أعمق من ذلك بكثير، فللنقاء كُدرة مستترة بالضحكات بين طيات الضياء.

وأيضًا كان للتشابك عامل هام في ارتقاء الحبكة في نظري، فالشخصيات لم تتقاطع مصائرها فحسب، بل تشابكت وتعقدت في أكثر من بعد وخط زمني ليصير الوضع أكثر تشتيتًا، مما جعل البطل على شفا البكاء الذي يتبعه نحيب يقطع نياط القلوب، فأصبح أوكابي – وإن كان لا يُظهر ذلك – لا يعلم الواقع من الخيال. في الحقيقة كل الخيوط الزمنية لواقع مُتجسد لا نكران له، لكن يُعتبر بُعدًا خياليًّا بالنسبة للبطل، ففور أن يتركه لا يعلم إذا كان تركه بجسده فعلًا، أو كانت له نسخة هناك تستمر في العيش لتخدم المنظومة الكُبرى من الأحداث المقدر لها أن تتواجد. الآن عدنا لمبدأ الاحتمالات مرةً أخرى أليس كذلك؟

قلت في بداية المراجعة أنّه يمكن تقويض الاحتمالات، وهذا ما حاول البطل طيلة الأحداث لجعله واقعًا، وبالفعل أتممه في النهاية عبر تضحيات مهولة. لكن مهلًا، هل هذا حقًا كان تقويضًا لخيوط الزمان؟ فمن التلميحات التي أعطاها لنا الكاتب نرى أنّ العوالم تسير بجانب بعضها البعض دون تماس، لكن الكاتب لم يخرج أكثر من تلك الصورة. ماذا إذا كانت تلك الخطوط (بكل تغيّراتها الحادثة) تتصل ببعضها البعض في مكعب هائل؟ وكل خيط يتصل بالآخر ليُكمل نفس الأحداث؟! هذا ما أرجحه نظرًا لنهاية الأنمي التي برهنت لي ذلك بشدة.

الآن أستطيع تفسير سبب اختياري لهذا العنوان، العلم بين العدمية والواقع. في حقيقة الأمر الواقع السابق بالنسبة للواقع الحاضر يُعتبر العدم ذاته، فأنت لا تعلم ماذا حل بنفسك السابقة هناك، وأيضًا لا تستطيع التيقن أنّ حاضرك الآن قد يصبح عدمًا بعد قليل، أو قد يصيبك هاجس بأن كل شيء سيذهب إلى الفناء بالنهاية، وهنا تصيبك العدمية، وهي إحدى اتجاهات الفلسفة التي تعتمد على أنّ الكل سيذهب إلى العدم، فلماذا نرهق أنفسنا في لعبة خاسرة؟! بجانب أنّ العلم نفسه يذهب إلى غاية مجهولة ونهاية مُشوشة، لكن الشيء الذي يتيقن منه العلم تمام اليقين أنّ لكل شيء نهاية، وهذا ما دفعني لانتقاء هذا العنوان الغريب.




الشخصيات:

أنمي Steins;Gate - أوكابي رينتارو - ماكسي كريس - مايوري - روكاكو

الشخصيات هنا عنصر محبوك بكفاءة عالية جدًا، فحتى الشخصيات الثانوية لها ماضٍ وتاريخ جيد ورصين.

والمميز في الشخصيات أيضًا أنّ طريقة عرض الكاتب لها ليست تقليديةً، فمزجها بالإطارات الزمنية التي تعتمد عليها في قصته بالمقام الأول، ففي كل بُعد أو عالم جديد، تظهر لمحة عن شخصية معينة مما يأخذنا بالتدريج إلى أحداث كبرى جديدة وتصاعدية بشدة، وإذا أردت الإفصاح عن أفضل الشخصيات من وجهة نظري بناءً على عوامل كثيرة، فسأقول أنّها شخصية (مايوري). قد تعتقدون أنّها هامشية، وأنّ ماضيها لم يكن على قدرٍ كافٍ من الرصانة ودقة البناء.

لكن من وجهة نظري أرى أنّ عمق الشخصية هنا أتى من خلال الأحزان التي تعتمل في صدرها، وكيف لها أن تكون بتلك النقاوة تجاه الجميع، وفي داخلها يستقر الحزن رابضًا على قلبها. شخصية أعجبتني بكل تأكيد، وحركت مشاعري بشكلٍ لم أقوى على ردعه فانتحبت كثيرًا.




الرسم والتحريك:

أنمي Steins;Gate - مايوري

الأنمي من إنتاج استوديو «White Fox»، وترخيص شركة «Funimation». قام الاستوديو بعمل الكثير من الأعمال البارزة مثل: Akame ga Kill! ،Re:Zero، و Katanagatari، ويقوم بالعمل على صناعة الموسم الثاني من الأنمي هذا العام أيضًا. تميز الرسم هنا بالواقعية، فأغلب الأحداث تمت في أماكن مغلقة ومساحات محدودة، مما أعطى للاستوديو فرصة إتقان الرسم والمؤثرات لإعطاء أكبر رونق واقعي ممكن، وأيضًا كان له أسلوب مميز في رسم الشخصيات خصوصًا عيونها، فعمومًا أسلوب الرسم كان مختلفًا ومناسبًا للأجواء الغريبة للأنمي ذاته. بجانب أنّ التحريك كان جيدًا، وليست عندي بالنسبة إليه أدنى ملاحظة.




الموسيقى:

فيديو يوتيوب

كم أعشق هذه الفقرة؛ لأنّ موسيقى هذا الأنمي تستحق فعلًا. لا أستطيع وصفها إلّا بالـ«مُؤججة»، فكل مقطوعة موسيقية تؤجج بداخلك مشاعرًا مختلطةً كثيرةً ومتضاربةً. تلك، المقطوعات تخلق آلاف الحالات النفسية لديك، وتخلطها دفعةً واحدةً لتقودك للنحيب تارةً، وللضحك أخرى، ومن أفضل المقطوعات من وجهة نظري هي مقطوعة «GATE OF STEINER»، ويمكنكم سماعها عند الضغط على الفيديو بأعلى هذه الفقرة.




رأي شخصي

أنمي من الروائع وأعتبره تحفةً فنيةً خالصةً، وجعلته بلا أدنى شك ضمن قائمة أفضل 10 أعمال أنمي لدي حصرًا. أنصحكم جميعًا به، فهناك الكثير من النظريات، الأحداث، والملابسات في انتظاركم لتُكتشف، ويتم سبر أغوارها بمزيج من الدهشة والجنون. أتمنى لكم رحلةً ممتعةً في رحاب تلك المعضلة الزمنية العنيفة!

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us
ساندي ليلى
ساندي ليلى

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.