يترك الإنسان حيوانيته وغرائزه حين يتفوّق على عدائيته ومشاعره الطبيعية العنيفة، يلبس معطفًا لطالما حلم به أكاكي أكاكيفتش بطل رواية المعطف لنيكولاي غوغول، وهي رواية بُعِثت منها الروايات فيما بعد، فيغطّي فطرته وجيناته الشرسة وحبه للظهور وللسلطة، بيد أن هذا المعطف قد يهترئ بمرور الوقت حتى يصير مجرد قماش مثقوب يفضح عيوبنا ويمررها إلى العالم.  يتحدث فيلم "The power of the dog" عن هذه المشاعر الطبيعية التي تطفو على السطح وعن ثقافة الانتقام التي ما زالت تشتعل داخلنا رغم محاولة تجاوزنا لها ولكل ما يتبعها من كره وبطش.
لكن ما علاقة هذا العنوان الغريب  بهذه الأحاسيس الإنسانية؟ وهل سنشهد انتقامًا أم أننا سننتظر نزول العدالة الإلهية علينا وعلى أبطال هذا الفيلم؟ 

أداء بيندكت كامبرباتش يسمو بهذا العمل 

بدأت حكاية تصوير هذا العمل حين قررت المخرجة والمنتجة الأسترالية جين كامبيون صاحبة فيلم The piano سنة 1993 وthe portrait of a lady سنة 1996 أن تصور عملًا مستوحى من رواية تحمل نفس العنوان، لصاحبها الكاتب الأمريكي "Thomas savage".

جمع هذا الفيلم الذي صور في نيوزيلاندا تحديدًا ثلة من الممثلين، الذين كان أداؤهم ركيزة أساسية للعمل وإحدى مقومات نجاحه ومن بين هؤلاء الممثلين، نذكر بيندكت كامبرباتش وكيرستين دانست. تألق هذا الثنائي في لعب أدوار رئيسية هما دور فيل، الأخ الكبير والمتعجرف الذي يخدم مزرعة تعتبر إرثًا عائليًا ويعيش حياة يظل يسعى فيها إلى الظهور في صورة الذكر القوي والمتسلط والعظيم والناجح، وروز الأرملة الرقيقة التي مثّل قدومها إلى هذه العائلة وتزوجها من الأخ جورج الحدث القادح في الفيلم والقطرة التي أفاضت الكأس وقلبت علاقة الأخوين فيل وجورج رأسًا على عقب.

إضافة إلى بيندكت كامبرباتش وجيس بليمونز، ظهر كودي سميث ماكفي في دور بيتر، ابن روز الذي كان شابًا بريئًا تأثر كثيرًا بطفولته القاسية وبحياته الصعبة مع والدته في المطعم. ولئن ظننت، أيها المشاهد، أن دور بيتر سيكون دورًا ثانويًا، فإنه على العكس تمامًا، عبارة عن ذاك الهدوء الذي يسبق العاصفة. 

عرض هذا الفيلم لأول مرة في مهرجان البندقية السينيمائي الدولي يوم 2 سبتمبر هذا العام، وقد نالت فيه المخرجة جين كامبيون جائزة الأسد الفضي silver lion لأحسن مخرجة كما ظفر بإعجاب المشاهدين فحصل على 7 نجوم من أصل 10 على منصة imdb و8.5 من أصل 10 على منصة Rotten tomatoes. 

حكاية كاتب مثلي وأخوين متناقضين تتحول إلى فيلم هادئ وعنيف 

نقاط التشابه بين الرواية والفيلم تتجاوز حدّ العنوان والإطار المكاني المتمثل في غرب أمريكا. ففي هذا الكتاب الذي نشر سنة 1967، نجد قطعًا وأجزاءً من روح كاتبه توماس سافاج الذي كان مثليًا، ومن حياته في الريف تمامًا كما نجدها متجسدة في شخصية فيل وفي حياته في مزرعة والديه.

بالرغم من أن هذا الكتاب لم يعرف نجاحًا باهرًا، غطّت هذه النسخة السينيمائية المصورة هذا الفشل ونجحت في التعريف بالقصة وبكاتبها، مصورة حكاية أخوين متناقضين في طباعهما وميولاتهما وعباراتهما. إذ بينما كان جورج مثالًا للهدوء واللين والأناقة، ظلّ فيل عنوانًا للاندفاع والقسوة والشراسة والقبح وتجسيدًا للذكورية المتسلطة والمغرورة. ظهر هذا التناقض منذ اللحظات الأولى من الفيلم منبئًا المشاهد بقدوم أحداث سيجهل، مرغمًا، الكثير من تفاصيلها، لكنه كان تناقضًا ضروريًا يحرك هذا العمل ويزيد من تقريبه من الواقع ومن إبعاده عن أفلام رعاة البقر المعتادة.

ذكورية سامة وهشّة تعريها أفلام الغرب الأمريكي

تعج أفلام الويسترن أو الغرب الأمريكي بالرجال الأقوياء وبالنساء الخاضعات والفاتنات، اللاتي نجدهن إما في الحانات أو في غرف النوم، وتعكس منذ ظهورها الأول ذكورية لا تكسر ولا تنقد ولا تصد.

هذا ما لم نجده في فيلم The power of the dog الذي كان في ظاهره فيلمًا من هذا النوع لكنه حمل في باطنه وبين شخصياته قصصًا وصورًا مختلفة عن الرجل والمرأة. فبالرغم من أننا نجد فيه سعيًا متواصلًا للرجل، فيل، نحو القوة والسخرية والكِبر والفوز، نرى في داخله هشاشة تعكسها ألحان قيثارته ونظراته وخوفه من سيطرة روز على أخيه. ولئن كرهنا أفعاله وكلماته غالبًا، نتعاطف معه في محطات أخرى، فكيف ستكون نهايته ونهاية هذا الفيلم عامة يا ترى؟ 

نهاية غامضة قد تحتاج إلى توضيح:

تمر الأحداث تحت وقع موسيقى تصويرية تحاكي السيناريو لحظة بلحظة وضمن صور وكادرات فائقة الجمال وتصل بنا إلى آخر المحطات رويدًا رويدًا لنتفاجأ بنهاية غامضة نكاد نقول إنها تفتقر إلى الوضوح وتنقصها التفاصيل.

لا ندري إن كانت هذه المخرجة قد عمدت بتدخلها على النص أن تترك لنا إمكانية تأويل النهاية أو أنه علينا مشاهدة هذا العمل الآسر مرة أخرى حتى تتكون في أذهاننا اللوحة كاملة. كل ما نعلمه هو أن الانتقام يظلّ دائمًا واردًا وطبيعيًا في هذه النهاية وغيرها، وأننا على اختلافنا قد نلجأ إليه يومًا إن ألحق شخص ما الضرر بنا كما لجأ إليه المحقق ديفيد ميلز بطل فيلم Seven الشهير.

نعيش في  فيلم "The power of the dog" تجارب شعورية عديدة ومتباينة. نخاف على روز من الإدمان ونخاف على بيتر من فيل ثم نتعاطف مع فيل الذي ظل يدافع ضمنيًا على حبه لأخيه جورج ولإرثهم العائلي. نعيش فيه تناقضات الإنسان الكثيرة ونفكر فيه بتمهل وتأنٍّ في فيلم جميل رغم نسقه البطيء.

اقرأ أيضا: The Power of one: هل يمكن أن نسامح فيلمًا قلل من قدر الآخر بانتظار المخلص الأبيض الرائع