الأعمال المسرحية التي تحولت إلى أفلام عالمية
1

يمارس المسرح غوايته فتزيد السينما من سحرها، هذان الصديقان العدوان ما انفكا يوماً عن إثارة الدهشة والمتعة وتحريض المخيلة ومحاولة إرضاء الروح والنفس والعقل والعاطفة.

وفي هذا المقال نتحدث عن تلك العلاقة السحرية بين المسرح والسينما وكيف اقتبست الأخيرة من الأولى في قائمة من الأعمال المميزة.

جدلية العلاقة بين المسرح والسينما

إن العلاقة بين المسرح والسينما رغم حميميتها إلا أنها جدلية. أبو الفنون الذي جمع على خشبته الشعر والتمثيل والرسم والنحت والغناء والرقص، لم يشأ أن يقدم تنازلاً لفن لُقب بالسادس واتسم بأنّه شامل لجميع الفنون التي أوجدها الإنسان. فقد أصرّ المسرح على أهمية دوره، وكان الممثل نقطة قوته فالجمهور يواجه ممثلاً من لحم ودم يشم رائحة عرقه على الخشبة وربما يسمع ضربات قلبه عند طيرانه في فضائها. في حين أن السينما اعتمدت على تغذية خيال المشاهد بخيالات شخوصها، وصنعت عوالم لم يكن ليعرفها المتلقي من قبل، عوالم ملؤها السحر والدهشة والمتعة.

الكتابة للمسرح وأهمية نقلها إلى السينما

تختلف الكتابة للمسرح عن القصة والرواية بأنّها كتابة للفعل المسرحي وليست كتابة سردية، إذاً هي كتابة للتمثيل، كتابة الفعل المسرحي لكي يجسد ويمثل، أي أنّها (تمثيلية). الخشبة كانت الموطن الأصلي لتجسيد هذه الكتابات المسرحية حيث فرضت قواعدها وأعرافها، وبعد عهد من الزمن ومع وجود السينما أصبح هناك منبر جديد لتمثيل هده المسرحيات، لكن بقواعد وأعراف مختلفة. ولكون الكتابة المسرحية تتطرق لمواضيع إنسانية ووجدانية، ولكونها غاصت في عمق الشخصيات واستحضرت مواقف وأفعال عميقة وأحداث ملهمة، كان نقل هده الأعمال إلى الشاشة بالمفهوم السينمائي أمراً مهماً من ناحية الاستفادة درامياً من القيم الأدبية في هذه المسرحيات ومن ناحية إمتاع المشاهد بما هو جيد، إضافة إلى قدرة السينما على زيادة المعرفة بهذه الأعمال والحفاظ عليها بذاكرة الشعوب.

أقرأ أيضًا: أبطال مسلسل Game of Thrones قبل وبعد المسلسل

مسرحيات وليام شكسبير

عند التطرق للحديث عن المسرح يغدو اسم شكسبير حاضراً وكأنَه التوءم الشقيق لهذا الفن، فقد كان لأعماله المسرحية أثرٌ عظيمٌ لدى شعوب الأرض قاطبةَ لما فيها من غوص في أعماق النفس البشرية، وليس غريباً أن تكون أعماله مقصداً لكثير من السينمائيين. ومن أعماله التي تحولت إلى أفلام عالمية:

شكسبير

عطيل

قائد عسكري مغربي الأصل يحقق نجاحات كبيرة في المعارك مما يحقق له مكانة كبيرة، تحبه فتاة جميلة اسمها ديدمونة وتتزوجه رغم رفض هذه الزواج من قبل الأهل، يحرك أحداث القصة “ياجو” القائد العسكري الذي يشعر بالغيرة من مكانة عطيل وزواجه من ديدمونة فيزرع الشك في نفس عطيل تجاه حبيبته فيقتلها. قدمت هذه المسرحية في السينما عام 1995 إخراج أليفر باركر.

ماكبث

يلتقي بطل المسرحية بثلاث ساحرات يتنبأون له أنَه سيصبح ملك اسكتلندا، تسيطر الفكرة عليه ويخبرها لزوجته التي تلعب دوراً خطيراً بتحريضه على قتل الملك للاستيلاء على عرشه، الأمر الذي يتم، لكن دون أن يسير كما يريده. قدمت للشاشة بأكثر من نسخة ربما أشهرها نسخة 1971 بتوقيع المخرج رومان بولانسكي.

روميو وجولييت

الحب في مواجهة الصراع العائلي. في إحدى المناطق في إيطاليا حيث تجمع بين البطلين قصة حب عاصفة في حين تجمع بين عائلتيهما عداوةٌ تاريخيةٌ، ينتهي بهما المآل إلى الموت حباً. أنتجت هذه المسرحية للسينما عام 1996 بتوقيع المخرج باز لهورمان وقد أدى دور روميو صاحب الأوسكار والأدوار الممتعة دي كابريو. كما أنّ المخرج فرانكو زيفيرلي قدمها للسينما سنة 1968. إضافةً إلى نسخة أخرجت عام 2013.

هاملت

أمير الدنمارك المتردد والمسكون بالانتقام لوالده بعد أن يأتيه الأخير في حلمه ويحمله على الانتقام له. أنتج الفلم عام 1990 بطولة الكبير ميل غيبسون وإخراج فرانكو زيفيرلي.

الملك لير

إنتاج 2018 إخراج ريتشارد آير بطولة أنطوني هوبكينز، الفيلم قدم إسقاطاً معاصراً على النص المسرحي، وقد كان النص المسرحي طرح قصة الملك الذي قرر التخلي عن ملكه لصالح بناته الثلاث، إلّا أنّ الصغيرة وبسبب عدم انسياقها لطريقة شقيقتيها في مدالسة الوالد، وبسبب التزامها الصدق في تعبيرها عن حبها له، بسبب ذلك تحرم من حصتها ظناً من والدها أنّ مشاعرها ليست جياشةً تجاهه. بعد ذلك تتخلى الشقيقتان عن الملك ما يدفعه إلى الجنون، ويدفع الشقيقة الصغيرة المنفية إلى مساعدة والدها. يذكر أنّ المخرج المسرحي البريطاني بيتر بروك قدمه للسينما سنة 1971.

تاجر البندقية

أنتج عام 2004 وأدى شخصية شايلوك المبدع آل باتشينو، شايلوك المرابي اليهودي الذي يضطر أنطونيو وهو تاجر شاب إلى الاستدانة منه مبلغاً من المال ريثما تصل سفنه المحملة بتجارته إلى الشواطئ، يشترط شايلوك على أنطونيو أن يعطيه رطلاً من لحمه إذا تأخر عن الدفع، ولسبب ما تتأخر السفن ويعجز أنطونيو عن تسديد المبلغ، فيرفع شايلوك شكواه إلى المحكمة لتنفيذ الشرط واقتطاع رطلٍ من لحمه، لكن إحدى شخصيات المسرحية “بورشيا” تتدخل بالأحداث متنكرة بزي محام وترافع عن أنطونيو وتنقذه.

ريتشارد الثالث

ترصد المسرحية فترة وصول الملك ريتشارد الثالث إلى السلطة في إنكلترا وحكمه القصير لها. حولت المسرحية إلى السينما عام 1995 بإخراج من ريتشارد لونكرين، وعام 1955 إخراج لورانس أوليفر.

وهناك أعمال شكسبيرية أخرى تحولت إلى أفلام مثل حلم ليلة منتصف صيف التي أخرجها في السينما بيتر هول عام 1968، وترويض النمرة أخرجه فرانكو زيفيرلي عام 1967، والليلة الثانية عشرة 1996 إخراج تريفور نان.

مسرحيات تينسي ويليامز

تينسي ويليامز كاتب مسرحي أمريكي من الكتّاب الذين ذاع صيتهم في النصف الثاني من القرن العشرين، تميزت أعماله بتناوله مجتمع الجنوب الأمريكي ونجاحه بسبر أغوار هذا المجتمع، وقد تحولت الكثير من أعماله إلى السينما منها:

تينسي ويليامز

لعبة الحيوانات الزجاجية

تتحدث عن عائلة مكونة من أم وابن وابنة، حيث تعيش الأم على ذكريات الماضي والألم الذي سببه ترك زوجها لها، أمّا الابن فيعيش على أمل تحقيق أمر ما يتمناه ويصرف لهذا جل وقته، أمّا الابنة فتدفن نفسها في عالم خاص تهرب فيه من واقعها فتقوم باقتناء الحيوانات الزجاجية حتى تصبح كأنّها قطعةٌ من تلك القطع، إنّها قصة عائلة مهمشة متعفنة. حُوِّلت هذه المسرحية إلى فيلم عام 1950 بإدارة المخرج هارفي رابر.

عربة اسمها الرغبة

أشهر مسرحيات ويليامز يجسد فيها الرغبة الكامنة المنتظرة لحظة الوثوب بشكل لافت، حيث تنتقل شخصية العمل الأساسية “بلانش” من مدينتها إلى مدينة أخرى للعيش لدى شقيقتها وزوجها وذلك بعد أن خسرت بيت عائلتها. وجودها في المنزل الجديد لا يريح صهرها الذي يحاول جاهداً نبش ماضيها ومعرفة الأسباب التي دعتها لترك مدينتها، وبنفس الوقت تنشأ مشاعر بين بلانش وصديق صهرها فيقرر طلب يدها، الأمر الذي يزعج الصهر فيخبر صديقه بما عرفه من ماضيها محرضاً إياه ضدها، ما يؤدي إلى فشل العلاقة وتدهور حالة بلانش النفسية واغتصابها من قبل صهرها والانتهاء بها في مشفى الأمراض العقلية، دافعةً بذلك ثمن أمراض اجتماعية لا علاقة لها بها. أخرج هذا النص للسينما ايليا كازان وقد أعد السيناريو وليامز وأوسكار سول عام 1951 وأدى شخصية الصهر “ستانلي” العظيم مارلون براندو.

ومن مسرحيات تينسي ويليامز التي تحولت إلى الشاشة “قطة على سطح صفيح ساخن” إخراج ريتشارد بروكسل عام 1958 ومثلت فيه اليزابيث تايلور، إضافة إلى أفلام مقتبسة من مسرحياته مثل “وشم الوردة – النوع الهارب – طير الشباب الحلو – ليلة الأرجوانا”.

أسباب رواج أعمال ويليامز في السينما

استمدت هذه الأعمال قوتها من قوة النص لدى كاتبها، إضافةً أنّ ويليامز من أهم الكتاب المسرحيين في القرن العشرين، فقد عالجت أعماله المشاكل الإنسانية بشكل عميق إضافةً إلى تناوله مجتمع الجنوب الأمريكي ورصد مشاكله بشكل عميق، فكانت الأفلام المقتبسة عن مسرحياته من كلاسيكيات السينما العالمية.

الموت والعذراء عمل خُلد في المسرح والسينما

آرييل دورفمان

مسرحية الموت والعذراء للكاتب التشيلي “آرييل دورفمان” أخرجها للسينما رومان بولانسكي عام 1994. كتب دورفمان هذه المسرحية عن أحداث التعذيب في معتقلات بينوشيه في التشيلي، بطلتها “باولينا” التي تعرضت عندما كانت طالبةً في كلية الطب للتعذيب اغتصاباً قبل خمسة عشر عاماً من الزمن الحالي للمسرحية، باولينا المتزوجة من محامٍ معروف ومطّلع بمسائل حقوق الإنسان وملفات التعذيب في العهد السابق، تسوق إليها الصدفة الطبيب الذي كان يشرف على اغتصابها على وقع رباعية شوبرت الوترية والتي تحمل اسم الموت والعذراء، يتصاعد الخط الدرامي بسبب هذه الصدفة حيث تحتجز باولينا مغتصبها السابق أمام أعين زوجها، وتنتزع منه الاعتراف بما اقترفه بحقها.

إنّ المسرحيات التي كُتبت عبر التاريخ كثيرة، والسينما تناولت عدداً لا بأس به منها، وربما الإحاطة بكل ما نُقل من أعمال مسرحية إلى السينما أمرٌ عسيرٌ لذلك كان الحديث عن أعمال شكسبير لما لها من أثرٍ لدى الشعوب، وعن أعمال ويليامز لما فيها من قوة إضافةً إلى احتفاء السينمائيين بالكثير من أعماله، أما الموت والعذراء فهو وإن كان في السينما أو المسرح عمل غني جداً من الناحية الدرامية، وخلاصة القول فإن انتقال أي عمل مسرحي إلى شاشة السينما لم يكن حدثاً عادياً بالنسبة لصانعيه بل كان متعةً تستحق الاحتفاء.

أقرأ أيضًا:وفاة محمود ياسين عن عمر يناهز 79 عامًا

1

شاركنا رأيك حول "الأعمال المسرحية التي تحولت إلى أفلام عالمية"