كيف أصبح التريلر يؤثر سلباً على تجربة مشاهدة الأفلام السينمائية

التريلر والتسويق للأفلام
1

قبل مدة معقولة من الانتهاء من إنتاج فيلم معين، تبدأ الشركة الموزعة للفيلم بالترويج له عبر مختلف الطرق الممكنة وبكل الوسائل المتاحة، أحد أهم هذه الوسائل هو التريلر أو إعلان الفيلم الترويجي، الذي يعتبر بمثابة “وعد” للمشاهد بما ينتظره عند صدور العمل السينمائي.

المفروض أن الهدف من التريلر هو جذب الجمهور من خلال عرض مجموعة من المشاهد واللقطات المختارة بعناية، دون “إفساد” حبكة الفيلم أو إفشاء سر من أسراره، بل في العديد من الأفلام، تم اللجوء إلى تصوير لقطات خاصة فقط من أجل التريلر، أي دون تواجدها في الفيلم، والهدف، هو جعل المشاهدين يتحرقون شوقاً إلى مشاهدة العمل، منتظرين على أحر من الجمر تاريخ صدوره وربما وقوفهم في طوابير طويلة لولوج قاعة السينما متلهفين للمتعة التي وعدهم بها التريلر، لكن للأسف، في أيامنا هذه، لا تكون النتيجة سارة في أغلب الأحيان.

  • ما السبب يا ترى؟

هل تذكرون “دون لافونتين” صاحب العبارة الشهيرة “in a world” أو “في عالم”؟

لقد كبرنا وترعرعنا على سماع صوته الذي كان كافياً ليجرنا إلى صالة السينما، كانت الفكرة حينها بسيطة: إعطاء المشاهد فكرة عن الجو العام الذي تدور فيه الأحداث، ثم الانتقال إلى “عقدة” القصة، ومن ثم ترك المشاهدين في حالة ترقب لمعرفة ماالذي سيحدث بالضبط.

  • ما الذي تغير الآن؟

بعد رحيل لافونتين الذي أعطى صوته لأكثر من 5000 تريلر، لم تجد شركات الإنتاج بديلاً له، فلجأت لحل آخر، وهو جعل التريلر كفيلم مصغر يحتوي غالباً على مجموعة من أفضل اللقطات في الفيلم، والهدف طبعاً يبقى هو جذب أكبر عدد من المشاهدين، حتى وإن كان ذلك على حساب الفيلم نفسه. إذاً هل يمكننا استنتاج أن شركات الإنتاج والتوزيع تعتبر المال أهم من النجاح الفني والصدى الإيجابي لأفلامها؟

طبعاً! لنكن واقعيين، هذه الشركات أصبحت تستثمر في عمل واحد ما يعادل ميزانية دولة بأكملها، إلى جانب الموارد البشرية الهائلة وأحدث الوسائل التكنولوجية التي تستخدم من أجل إخراج الفيلم إلى حيز الوجود، فمن الطبيعي جداً أن تستخدم هذه الشركات كل الطرق الممكنة من أجل الترويج لهذا “المنتج” بغاية بيعه، وتحصيل إيرادات تغطي كلفة الإنتاج وتفوقها إلى تحقيق أرباح تستثمرها الشركة مرة أخرى في عمل لاحق، وهكذا تضمن استمرار وجودها.

لذلك سيكون من الغباء اعتبار أن المنتجين يهتمون بما نظن أكثر من المال نفسه، وهو الأمر الذي يفسر استمرار إنتاج أجزاء متتالية لأفلام في منتهى الرداءة، فقط لأن إيراداتها تفوق الميزانيات المخصصة لإنتاجها، ولن يتوقف ذلك الإنتاج إلا عندما يتوقف تدفق الأموال على صنّاعها، وأفضل مثال على ما سبق هي أفلام Paranormal activity التي تزداد سوأ وتفاهة بعد كل فيلم، لكن لا يهم، مادامت قد عادت على صناعها بعائدات ضخمة فإنهم سيستمرون بإنتاج المزيد والمزيد إلى أن يحصلوا على آخر قرش من جيوبنا، عندها فقط ستتوقف هذه المهزلة (أتمنى من كل قلبي أن يكون هذا قريباً)

كيف أصبحت تؤثر التريلرات على تجربة مشاهدتنا للأفلام؟

معلومات أكثر من اللازم

أصبحت التريلرات تخرق “سرية” الأحداث بإعطائنا أكثر مما نطلب بكثير، وذلك بإظهار مشاهد قد تبدو عشوائية في التريلر، إلا أننا نكتشف بينما نشاهد الفيلم، أنها أحداث مهمة جداً ولها دور أساسي في تغيّر مجرى القصة.

أتحدث هنا عن “عنصر المفاجأة” الذي أصبح غائباً، والذي يكون في أصناف معينة من الأفلام (كأفلام الغموض والإثارة مثلاً) هو العامل الرئيسي في الحكم على روعة الفيلم وعبقرية صياغة أحداثه، فلا شيء يضاهي – حسب رأيي – تجربة مشاهدة فيلم لا يستطيع المشاهد مسايرة أحداثه أو توقع نهايته، عندما تخدعه الحبكة وتوجه تفكيره إلى منحى معيّن ثم يجد بعد ذلك أنه لم يقترب حتى من تخمين “الحدث المفاجأة”. كالتجربة التي قدمها لنا فيلم The Prestige مثلاً.

هناك استثناء لبعض المخرجين الكبار  مثل “كريستوفر نولان“، “ستيفن سبيلبرغ” و” جي جي أبرامز” الذين يعطون أهمية بالغة لما يخص الحفاظ على غموض الأحداث في التريلر وعدم إفساد أي مشهد مهم في الفيلم حرصاً منهم على جودة تجربة مشاهدة أفلامهم التي تأخذنا إلى عوالم لم نكن نتخيلها إلى جانب الحرص الشديد على عنصر المفاجأة الذي تحدثنا عنه سابقاً.

لكن لنكون عادلين، هؤلاء المخرجين لا يحتاجون لبذل أي جهد في الترويج لأفلامهم، لأن أسمائهم وحدها كافية لجرنا إلى صالة السينما حتى وإن لم نكن نملك أدنى فكرة عن أحداث الفيلم، لأننا نعلم مسبقاً كم المتعة التي تنتظرنا، وبالتالي فليس عليهم القلق إزاء تريلرات أفلامهم ما داموا يعلمون بكل تأكيد أن الكل سيهرع لمشاهدتها.

من جهة أخرى، هناك أفلام أهملت تماماً معنى “التريلر” وقدّمت لنا حرفياً أكثر مما نطلب، وربما يكون المثال الصارخ لهذه النوعية هو فيلم Cast Away للنجم توم هانكس.

في هذا الفيلم ليس هناك شيء اسمه “Spoilers” لأن صناع التريلر قد تكلفوا بالأمر. كيف؟ شاهد التريلر لتفهم.

القائمون على هذا الفيلم كانت لديهم الجرأة لعرض كل شيء في التريلر… حرفياً، كل شيء بما فيها نهاية الفيلم!! يعني أننا نشاهد أحداث الفيلم كاملة خلال مدة لا تتجاوز الدقيقتين.

كيف فعلوها و لماذا؟ صراحةً لا أدري!

السؤال الأهم هنا: لماذا سأدفع ثمن التذكرة لمشاهدة فيلم علمت كل تفاصيله بما فيها النهاية فقط باستخدام هاتفي بينما كنت مستلقية على الأريكة؟

خصوصاً أن هذا الفيلم يندرج من خانة “أفلام النجاة”، إذاً مادمت قد عرفت مصير البطل، لماذا سأشاهد الفيلم؟ في رأيي الشخصي الجواب هو: توم هانكس.

فهو السبب الوحيد الذي قد يدفعك لفعل شيء مماثل، لأن الأداء المثالي لهذا النجم الهائل أهم من حبكة الفيلم نفسها، وبالتالي فإنه كفيل بأن يجعل الجماهير تتقاطب فقط لكي تشاهد “توم هانكس” رغم علمها بمختلف تفاصيل الفيلم، وهو ما يفسر النجاح الهائل لهذا الفيلم العظيم.


تضليل المشاهد

أي جعله يتوقع مشاهدة عمل معين تم صدمه بشيء مغاير تماماً عن ما تم عرضه في الفيديو الترويجي. يمكننا اعتبار الفيلم المثالي لشرح هذه الفكرة هو فيلم Drive.

هذا الفيلم يعد من بين الأفلام المفضلة عندي شخصياً، والسبب أنني، لحسن الحظ، لم أشاهد التريلر قبل مشاهدتي للفيلم.

Drive هو فيلم سوداوي جداً يُصنّف ضمن خانة أفلام الإثارة، بأداء مثالي من بطل الفيلم “ريان غوسلينغ” وموسيقى تصويرية رائعة، ويعد من تلك الأفلام التي لم يترك أي حوار أو مشهد فيها للصدفة، بالإضافة إلى قابليته للإعادة عدة مرات دون ملل.

بعد انتهائي من مشاهدة هذا الفيلم انتقلت لقراءة آراء المشاهدين الآخرين فلم أجد سوى السب واللعن والإشارة إلى أن الفيلم “ممل جداً وعنيف أكثر من اللازم”، وهو الأمر الذي أثار استغرابي وحيرتي “ما الذي جعلهم يتوقعون العكس؟”

لكن بمجرد مشاهدتي للتريلر فهمت كل شيء.

يمكننا القول أن التريلر قام بتضليل المشاهدين تماماً وذلك بإعطائهم “ما يريدون”: فيلم أكشن رهيب من نوعية أفلام Fast and Furious، بطل لا يُقهر، إلى جانب لمسة رومانسية من فتى فيلم “The Notebook”، لكن الحقيقة أن كل مشاهد الأكشن والرومانسية في الفيلم تم وضعها في التريلر من أجل الهدف الذي تحدثنا عنه في أول المقال، وهو الأمر الذي يعتبر ظالماً جداً لفيلم رائع كهذا.

تجدر الإشارة إلى أن سيدة أمريكية قامت برفع دعوى قضائية ضد صناع الفيلم بتهمة الدعاية الكاذبة لأنهم “أخلفوا بالوعود التي قاموا بتقديمها عند الترويج للفيلم”، إلا أنها قوبلت بالرفض من طرف المحكمة.

كما يمكننا إضافة مثال آخر وهو فيلم الرسوم المتحركة Frozen والذي ليس له أية علاقة بصداقة رجل ثلج وغزال الرنة كما أقنعنا التريلر.


رفع مستوى التوقعات

كما قلت سابقاً، التريلر هو وعد لما ينتظرنا، ولمحة تعرّفنا بالعمل الذي تم إصداره، سواء تعلق الأمر بقصة الفيلم أو طاقم الممثلين المشاركين به، لكي نقرر إن كان هذا الفيلم يستحق المشاهدة أم لا. لكن عندما يكون صناع فيلم ما على علم أن “منتجهم” غير صالح لجميع الأذواق أو أنه رديء بكل بساطة، فإنهم يعملون على صنع تريلر “كاذب” يعطينا أملاً زائفاً في أننا سنشاهد عملاً رائعاً، لنجد أنفسنا بعد ساعتين من مشاهدة الفيلم خائبي الأمل منزعجين من عمل لا يرقى لأبسط توقعاتنا.

مثال عن هذا الأنر فيلم Annabelle، الذي قدّم لنا فريق تسويقه تريلر أعاد فينا الأمل من جديد في مشاهدة فيلم رعب حقيقي كفيل بجعل الأندرينالين يتدفق في أجسامنا، كيف لا وهو مرتبط بالفيلم الرائع The Conjuring، إضافةً إلى طاقم العمل الذي قدّم لنا The conjuring ،Insidious وInsidious2، بالطبع سيكون الفيلم استثنائياً!

لكنه لم يكن كذلك على الإطلاق، بل على العكس، كان الفيلم خيبة أمل قاسية للجماهير التي تدفقت من كل حدب وصوب لمشاهدته لتجعل منه أحد أنجح أفلام الرعب في التاريخ.

لعل أكثر فيلم خيب آمالنا في الفترة الأخيرة كان Batman v Superman الذي انتظرناه منذ سنين لكننا قوبلنا بكابوس يمكن وصفه على أنه تريلر ضخم، ممل وطويل جداً لأفلام DC comics القادمة.


حيلة رخيصة لجذب المشاهدين

هنا أتطرّق بشكل خاص لتلك الأفلام الرديئة جداً، والتي ليس هناك أي داع لمشاهدتها لأنك ستضيع وقتك لا غير.

كل ما عليك فعله هو مشاهدة التريلر وستجد كل المشاهد المهمة به:

أي أنه إذا كان فيلما كوميدياً فإنك ستجد كل اللقطات الطريفة، النكت والحوارات المضحكة في التريلر، وإذا كان فيلم أكشن فإنك ستجد كل المشاهد المشوقة في التريلر، وهذا ينطبق على مختلف التصنيفات.

نذكر من بين هذه الأفلام:

Fifty shades of black

إذا ضحكت خلال مشاهدتك لهذا التريلر فإنك لن تبتسم حتى عند مشاهدتك للفيلم من فرط رداءته…

The Last Airbender

فيلم المغامرات والفانتازيا الذي جعلنا الفيديو الترويجي له نظن أننا أمام فيلم عظيم سيدخل التاريخ.. لكن النتيجة كانت ما يمكننا اختصاره في كلمة واحدة: كارثة. شخصياً أعتبر هذا العمل ضمن أسوأ الأفلام التي شاهدت طيلة حياتي.


تريلرات سيئة لأفلام جيدة

بشكل عام، إذا كان الفيلم جيداً فإن التريلر يكون كذلك، فقط بضع مشاهد من هنا وهناك كفيلة بإعطائنا الرغبة لمشاهدة الفيلم، لكن صناع هذه النوعية من التريلرات التي سنذكر في هذه الفقرة فعلوا كل ما بوسعهم لصدنا عن مشاهدة هذه الأفلام، وكأنهم أغفلوا معنى التسويق لعمل ما، لا أدري إن كان الهدف هو مفاجئتنا فيما بعد لكن المشكلة هي أن الجماهير لن تذهب أصلاً لمشاهدة فيلم يبدو سيئاً أو مبتذلاً في ما يفترض أنه إعلان تسويقي له.

من بين هذه الأفلام:

Eternal Sunshine of the Spotless Mind

كل من شاهد هذا الفيلم يعرف مدى روعته وعظمته، فهو يعتبر من أفضل أفلام كيري إن لم يكن الأفضل على الإطلاق، إلا أن التريلر قدّم لنا الفيلم على أنه عمل كوميدي بحت كأغلب أفلام “جيم كيري”.

UP

فيلم الرسوم المتحركة الاستثنائي، والكفيل بجعلك تبتسم، تضحك، وتبكي من فرط العواطف التي سثيرها في نفسك. هو بالتأكيد أكثر من مجرد بيت يطير بواسطة مجموعة بالونات، كما أظهر لنا التريلر.


سواء تعلق الأمر بتضليل المشاهد، رفع توقعاته، أو إعطاء صورة سيئة لعمل جيد، أصبح التريلر لعنة حقيقية تفسد علينا متعة مشاهدة الأعمال السينمائية.

ماذا عنكم؟ هل هناك تريلر فيلم ما خدعكم وجعلكم تشاهدون فيلما سيئا؟ وهل سبق لكم مشاهدة إعلان ترويجي ظالم للعمل ولا يفيه حقه؟ شاركونا في التعليقات
1

شاركنا رأيك حول "كيف أصبح التريلر يؤثر سلباً على تجربة مشاهدة الأفلام السينمائية"