فيلم True Story واقعة جديدة تُضاف لمُثلث السينما، الصحافة، والجريمة

2

تقييم فيلم True Story

منذ بدايات السينما وأصحاب تلك الصناعة حريصين -من وقت لآخر- على تقديم بعض القصص التي حدثت بالفِعل، على الشاشة. إما لأنها عظيمة بما يكفي لتستحق الخلود، أو لأنها أثارت الرأي العام في وقتها وظلت بالذاكرة لا تُنسى فكان من المنطقي تحويلها لأفلام سينمائية تُعرَّف الأجيال التي لم تُعاصرها على الحكايات الأصلية لتلك الحوادث.

وعلى الرغم من كثرة تلك الأفلام والتي في أغلبها تحتوي على جرائم غير متوقعة إلا أننا ظللنا طوال طفولتنا ومُراهقتنا مُحتفظين بقُدرتنا على الاندهاش وإنكار حقيقة ما نرى على الشاشة، أو على الأقل اعتبار تلك الجرائم حالات فردية شاذة حدثت وانتهت.

ولأن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفُن، مع مرور السنوات وتحوُّل كوكب الأرض لما يُشبه الغابة إن لم يكن أسوأ، لم يعد غريبًا أن تُطالعنا الصحف وصفحات التواصل الاجتماعي يوميًا بأخبار حوادث مازلنا نعجز عن استيعاب الاشتراك مع مُرتكبيها في حَمل صفة الإنسانية!

جرائم تُرتكب بوحشية يصعُب تَصَوُّر أن يحملها شخص بقلبه! لكننا كبرنا بما يكفي لنُصدق، ويُصيب قلوبنا الهلع فلا نملك إلا الدعاء لله كُلما قرأنا عن حادث ما أو شاهدنا فيلمًا يوثق جريمة نكراء عسى الدائرة لا تضيق فإذا بنا داخلها نُلاقي نفس المصائر التي خشيناها مُسبقًا.

فيلم True Story الأمريكي من إنتاج عام 2015، إخراج روبرت غولد، وبطولة كل من: جيمس فرانكو/كريستيان لونغو، جونا هيل/مايكل فينكل، وفيليستى جونز/جيل.

وهو كما يتضح من عنوانه يحكي عن قصة حقيقية حدثت بين 2001 – 2002 ويستند إلى القصة التي جاءت بالكتاب الذي وثّق فيه الصحفي مايكل فينكل (أحد أطراف الحكاية) القصة الأصلية، وقد صَدَر هذا الكتاب عام 2005 ويحمل نفس عنوان الفيلم والذي فيما يبدو كانت أحداثه مُستفزة للبعض حَد تحويله فيلمًا سينمائيًا بالعام الحالي.

وتحكي القصة عن الصحفي مايكل فينكل الذي يكتب لصالح نيويورك تايمز، وفي مُحاولة منه لجذب الانتباه لقضية ما قام بتغطيتها يتخلى عن ميثاق الشرف والمصداقية ويقوم بتقديم المعلومات التي لديه بشكل غير حقيقي لإثارة الرأي العام وهو ما يؤدي إلى فَصله من عمله.

 وفي خِضم شعوره بالفَشَل ومُحاولاته الهزيلة لإنقاذ مُستقبله المهني تأتيه مُكالمة تقلب حياته رأسًا على عقب حين يُخبره المُتصل أن كريستيان لونغو أحد أكثر الأشخاص المطلوبين من الـ FBI والمُتهم بقتل زوجته وأطفاله الثلاثة تم القبض عليه واكتشاف أنه كان ينتحل اسم وشخصية الصحفي نفسه أثناء هروبه واختباءه بالمكسيك، وهو ما يجده مايكل مُثيرًا ومُحيرًا للدرجة التي تدفعه لطلب لقاء ذلك المُتهم ومعرفة الأسباب وراء ما فعل.

وبشكل ما رُبما هو نتيجة الرابط الذي قد يحدث بين الصحفي بحس الكاتب بداخله وبين جريمة ساخنة حديث الرأي العام تنشأ علاقة بين الكاتب والمُتهم، علاقة ينظر كل طرف فيها للآخر على أنه الطرف الأكثر إلهامًا بالعلاقة، لتصبح النتيجة مُحاولة كل منهم أن يتعلم من الآخر ما يبرع فيه، ويحدث اتفاق بين الاثنين على أن يصبح لمايكل الحقوق الحصرية لنشر قصة  كريستيان في كتاب على أن يقوم فينكل بتعليم لونغو  أصول وقواعد الكتابة الصحفية. لتتوالى الأحداث والمُحاكمات من أجل معرفة حقيقة ما حدث فعلًا وإذا ما كان كريستيان مُذنبًا أم بريئًا.

على الصعيد الفني فالفيلم هو الإخراج السينمائي الأول للمُخرج المسرحي روبرت غولد، والذي بدا اختياره للإخراج صائبًا خاصًة وأن مُعظم المشاهد عبارة عن حوارات ثُنائية بين مايكل وكريستيان، غير أنه وإن أجاد تصوير تلك المشاهد إلا أنه عَجَز عن خَلق حالة من الرُعب أو الإثارة التي يتطلبها هذا النوع من الأفلام.

وعلى الرغم من أن القصة في ذاتها ثرية إلا أن فيلم True Story جاء مُخيبًا للآمال رُبما لأنه عجز عن إجابة الكثير من الأسئلة التي كان من البديهي أن يطرحها المُشاهد ثم ينتظر من صُناعها أن يمنحوه الإجابات عليها. أهم تلك الأسئلة هو كيف تحول الزوج والأب المُحب لأسرته لقاتل بدمٍ بارد؟ وما هي الدوافع وراء ارتكاب جريمة بتلك البشاعة؟ وبالطبع كُنا نحتاج كذلك لمعرفة ما آلت إليه الشخصيات بالنهاية.

كل ذلك لم نعرفه أو نجد إجابات شافية له، ليُصيبنا الإحباط بالنهاية دون أن نعرف إذا كان ذلك خطأ صُناع الفيلم والسيناريو أم أن العيب بسبب الكتاب الذي تم الاستناد إليه في الأساس ما جعل القصة تخرج لنا تنقصها المصداقية وتبدو كما لو أنها مبتورة!

ولعل أحد أسباب الحُكم على فيلم True Story بأنه أقل من المتوقع مُقارنته بنفس النوعية من الأفلام التي تم تقديمها من قبل وحازت على إعجاب وإشادة الجميع جمهورًا ونُقادًا، أشهرها فيلم In Cold Blood  عام 1966 والذي استند إلي كتاب أيضًا يحكي فيه الكاتب الأمريكي ترومان كابوت جريمة بشعة حدثت عام 1959 وراح ضحيتها أحدى الأُسر الثرية.

ذلك الكتاب الذي استغرق إعداده 6 سنوات كاملة حتى يستطيع الكاتب أن يصبح مُلمًا بكل الجوانب والدوافع النفسية لمُرتكبي الجريمة بعد قيامه بالعديد من اللقاءات سواء مع المُجرمين أو أُسر الضحايا. وقد تم إعادة إنتاج الفيلم مرة أخرى عام 2005 تحت عنوان Capote  من بطولة الرائع الراحل فيليب سيمور هوفمان.

فيلم True Story - جيمش فرانكو

أما فيما يخُصّ التمثيل فقد أجاد الأبطال لعب الشخصيات ولكن دون القُدرة على إصباغ فيلم True Story بالحالة العاطفية التي حاول صُنَّاعه خلقها بالغصب دون مُقدمات، ففشلوا في مسعاهم، لنجد:

جيمس فرانكو.. كما يليق بفنان مُتنوع تحفل مسيرته الفنية بالكثير مما فعله -باعتباره شاعرًا، ممثلًا، مؤلفًا لفيلم وثائقي، مُخرجًا، ومُضيفًا للأوسكار- قرر بهذا الدور التخفي وراء لحية صغيرة مُتخليًا عن وسامته المعهودة، مُركزًا جهوده على الدور الذي يُقدمه، وقد برع في لعب دور القاتل البارد والغامض، الذي لا يستطيع المُشاهد الحُكم عليه إذا ما كان يكذب أو يقول الحقيقة، أو إذا ما كان مُتأثرًا حقًا بما فعل/حدث أم لا، وهو ما جعل شخصيته مُثيرة للاهتمام قبل أن تأتي النهاية غير مُرضية إذ أخفت أكثر مما أظهرت.

وبشكل عام فإن آداء جيمس فرانكو على قوته كان مُتوقعًا بسبب اهتمامه المُستمر بتقديم كل ما هو مُختلف وجديد فلا نراه يُكرر نفسه رغم نجاحه فيما يُقدمه، إذ يبدو أنه يُحب فكرة مُفاجأة جمهوره باختياراته لما يُقدمه بمشواره.

فيلم True Story - فليسيتي وجونا

كذلك لعب  جونا هيل دوره بشكل مثالي للغاية، وعلى الرغم من أن ذلك يُعد التعاون الثاني بينه وبين جيمس بعد فيلم This Is the End عام 2013 إلا أنه لم يكن هناك أي كيمياء بين البطلين، ما جعل العلاقة بين جيمس وجونا -على الشاشة- تفتقر ما يُشعر المُتفرج العادي بالتأثير القوي لكل منهما على الآخر وهو ما يتضح نظريًا من سرد الأحداث. وبالتالي فشل صُناع الفيلم في خَلق حالة الحميمية التي يبحث عنها المُشاهد، وهو ما تسبب في أن يخسر فيلم True Story الكثير ليبدو سطحيًا رغم دسامة قصته.

أما فيليستي جونز والتي بدورها بفيلم The Theory of Everything استطاعت أن تصنع لنفسها جماهيرية وثقة بينها وبين الجمهور، لعبت دورها رغم مشاهده القليلة بشكل مُلفت ومؤثر، ولعل أهم مشاهدها بالفيلم هو المشهد الذي قابلت فيه كريستيان لونغو، حتى أن الحديث الذي دار بينهما يكاد يكون الأفضل بالفيلم وأحد أهم الرسائل التي يُمكن تقديمها واستنباطها من جريمة كتلك. وعلى ذلك جاء المشهد مثاليًا وعبقريًا للدرجة التي تجعل من الصعب تصديق أن هذا هو ما تم بالحقيقة!

ولعل أحد النقاط السلبية بالفيلم عدم وجود أي تطور يُذكر بالشخصيات على مدار فيلم True Story في الوقت نفسه جاءت الموسيقى التصويرية كأحد العوامل الإيجابية بالعمل إذ لائمت الحالة التي تُقدمها القصة فاستطاعت خلق بعض الإثارة والتشكيك وهو ما لم ينجح صُناع العمل أنفسهم في تقديمه.

فيلم True Story - مقارنة

وبالبحث عما حدث للشخصيات الأصلية بالنهاية وما لم يطرحه علينا فيلم True Story فسنجد أن في 2009 صَرَّح كريستيان لونغو أنه لم يعُد قادر على العيش بالذنب أكثر من ذلك، فقرر الاعتراف أخيرًا بارتكابه للجرائم بالفِعل موضحًا تفاصيل قتله لزوجته وأطفاله.

كما أعرَب عن استعداده للموت مُتمنيًا أن يتم التبرع بأعضائه للمرضى الذين يحتاجونها، غير أن مايكل فينكل اكتشف أن المادة التي سيتم حقن لونغو بها لإعدامه تتسبب في جعل الأعضاء لا فائدة منها وبالتالي لا يمكن التبرع بها.

وهو ما دفع لونغو لإنشاء منظمة بعنوان (GAVE (Gifts of Anatomical Value from the Executed، والتي تهدف لتغيير طُرق الإعدام بما يُمكِّن المحكوم عليهم من التبرع بأعضائهم وفقًا لرغباتهم، حتى أنه تم نشر مقالات له بنيويورك تايمز عن هذا الموضوع، ليصبح أخيرًا هناك عامل مُشترك على أرض الواقع بين فينكل ولونغو.

السينما، الصحافة، وعالم الجريمة مُثلث ليس بجديد، ولطالما قام بتغطية أحداث وجرائم مازلنا نتذكرها حتى الآن على الرغم من عدم مُعاصرتنا لها، نجاح تلك النوعية من الأفلام بالنهاية لا يتطلب سوى صُناع يتمتعون بعيون ثاقبة وقُدرة على وضع الأدوار والمهام بأيد من يُلائمونها ليستطيعوا التعبير عنها بحرفية.

ولأن لكُل شخص قصة ما تستحق التوثيق نتيجة امتلاكها ما يؤهلها للعرض وجَذب الانتباه، يصبح حينها الفيصل الوحيد لعرض تلك القصة على الشاشة هو إيجاد من يهتم بها من أصحاب الخبرة ليستطيع معرفة كيف يُسلط الضوء عليها كاشفًا مواطن ثرائها ونقاط التماس الذي قد تحمله مع حياة ملايين المُشاهدين.

2

شاركنا رأيك حول "فيلم True Story واقعة جديدة تُضاف لمُثلث السينما، الصحافة، والجريمة"