أحمد برعي الراقص الصوفي
0

دفوف وناي وأنوار خافتة وأصوات منشدين يرددون الأغاني الصوفية.. وبالرغم من تلك الأصوات فالهدوء يعم نفوس الحاضرين، أما العيون فمتعلقة بتلك المجموعة التي تدور حول نفسها مرتدية الطربوش البني، والتنورة البيضاء، يبدون منفصلين عن العالم، رافعين أيديهم إلى السماء، وكأنهم طيور مُحلقة.. نعم نحن نعرف أن تلك المجموعة هم راقصو المولوية«الرقص الصوفي»، الموجودون دائمًا في أي عرض صوفي، وحركاتهم تلك تُعرف باسم «الدوران الصوفي»، لكن ما الذي دفعهم لسلوك هذا الطريق؟..هل دورانهم هذا مجرد عمل أم هواية أم معتقد أم وراثة أم شيء أخر؟، وأثناء هذا الدوران ما الذي يشغل عقولهم؟، بل كيف يسيطرون على أنفسهم فلا يشعرون بالدوار؟، وهل يمكن لأي شخص القيام بذلك أم لابد من شروط معينة لتصبح أحد أفراد المولوية والدوران الصوفي؟.

كل تلك الأسئلة تدفعنا للاقتراب أكثر من أحد القائمين بهذا الرقص الصوفي، لذلك تحدث أحمد برعي، راقص و مدرب الرقص الصوفي، إلى «أراجيك»، ليكون هو البوابة التي نَعبُر من خلالها إلى داخل مؤدي المولوية أو الرقص الصوفي.

شعر بالتحليق وهو يشاهد المولوية فقرر أن يتعلمها

اصطحبنا «أحمد برعي» في جولة عبر الزمن وعاد بنا إلى عام 2010، لنتعرف على مشواره مع الرقص الصوفي الذي أصبح مدربًا له برغم عدم انتماءه للصوفيين، فقال:” كنت مشارك كمخرج في فريق مسرح كلية التجارة جامعة القاهرة، وذات مرة ذهبت لحضور حفلة لفرقة المولوية المصرية، وبالرغم من مشاهدتي للتنورة قبل ذلك، إلا أن الدوران الصوفي مع الإنشاد الديني جعلني أشعر بطاقة وشعور مختلف، فشعرت حينها كأني محلق، وكنت سعيد جدًا، لذلك بعد انتهاء الحفلة تعرفت على المنشد عامر التوني، وتعرفت أيضًا على باقي أعضاء الفرقة، وحينها اكتشفت أن أحدهم زميلي في الجامعة، ويدعى مختار، فطلبت منه أن يشارك معنا في عرض من إخراجي في الكلية، وأثناء مشاركته معنا، بدأت في التركيز معه وبدأت أيضًا في التعرف أكثر على الدوران الصوفي أو الرقص المولوي، ليصبح منذ ذلك الوقت حتى الآن جزء مني”.

كل ما سبق كان تمهيدًا للطريق الذي سلكه أحمد برعي في الرقص الصوفي، أما البداية الحقيقة فكانت عام 2017، حين بدأ التدرُب في ورشة مع مدرب تركي لمدة أسبوعين، وخلالها تعلم تقنيات الدوران وتدريب الأخرين أيضًا، وقد أحدثت تلك الورشة تغيير كبير له في هذا المجال، فيقول: “بعد تلك الورشة أصبحت أكثر تمكنًا من الرقص الصوفي، وأصبحت أيضًا قادر على عمل عروض مضاف إليها الرقص الصوفي بشكل أقوى وأوضح، وفي عام 2018 بدأت في عمل ورش الدوران الصوفي، لأصبح بذلك مدرب لهذا النوع المميز من الفن”.

الراقص الصوفي

الرقص الصوفي وراثة أم عمل؟

تحدث«برعي» في البداية عن الرقص الصوفي بالنسبة له، فقال أنه راقص معاصر ومصمم رقص معاصر وصوفي، وممثل بانتومايم، وأن التدريب والرقص الصوفي جزء من عمله.

أما الرقص الصوفي بالنسبة لراقصي المولوية، فهم يجمعون بين الرقص الصوفي وبين التنورة والرقص الاستعراضي، ومعظم هؤلاء يمارسون هذا الرقص بالوراثة، من خلال التعلم منذ الصغر، بسبب قلة الورش في هذا المجال.

أقرأ أيضًا: رقص رقص رقص: رحلة غريبة داخل عوالم الرأسمالية والعصابات

الرقص الصوفي شيء روحاني وليس انعكاس ديني

وعن علاقة الرقص الصوفي بالدين، قال «برعي»:” بالرغم من أنني بدأت الرقص الصوفي كرقص، بعيدًا عن الصوفية نفسها، إلا أنه قربني أكثر لفكرة الإنشاد الديني والمدح، وتعرفت أيضًا على تاريخ من الشعراء وكتابتهم مثل ابن الفارض والحلاج، لذلك أعتقد أن الرقص الصوفي شيء روحاني أكثر من كونه ديني، ولهذا لا يُشترط أن يكون للإنسان انتماءات دينية معينة، ليمارس الدوران الصوفي”راقص صوفي

للدوران الصوفي مميزات يتمتع بها الراقص

ولأن المميزات هي التي تجذب الشخص لشيء دون غير، تحدث«برعي» عن مميزات الرقص الصوفي، والتي يتمتع بها راقص المولوية، فقال أن الرقص الصوفي يفرغ المشاعر السلبية ويجدد الدورة الدموية، ويُمكن راقصه من إيجاد اتصال قوي بينه وبين جسمه، فيكون قادر على التحكم فيه بشكل أكبر، كما يشجعه على مواجهة خوفه، فأي راقص في البداية يخاف من السقوط والدوار، لكنه في النهاية يتعلم الانتصار على هذا الخوف ويتعلم كيف يواجهه ويتخطاه.

مشاعر المولوي..من الوعي إلى اللاوعي والتحليق

وفيما يخص سلسلة المشاعر التي يمر بها الراقص الصوفي، قال«برعي»:” أن الشعور الذي يشعر به القائم بالدوران الصوفي يختلف حسب نوع الرقص، إذا كان مجرد استعراض، فإن الراقص يكون واعي دائمًا ومنتبه مع الموسيقى والأجواء حوله، أما إن كان الدوران مولوي، فهنا الراقص يمر بمرحلتين: الأولى هي مرحلة الوعي، حيث الشعور بالمكان والأبعاد والحركة والنفس، حتى يعتاد جسمه على الحركة، ويبدأ في التفاعل مع الأجواء والطاقة الموجودة في المكان، ثم بعد ذلك يدخل الراقص في مرحلة اللاوعي، فيشعر أن روحه تسمو وربما يرى بعض الخيالات والأحلام، ويشعر أنه يحلق وأن جسده حر، فتنعكس طاقته وشعوره على كل من يراه.

الدوران الصوفي يُسقط أعباء الحياة

وعلق «برعي» على إمكانية تأثير أعباء الحياة على شعور الراقص الصوفي أثناء الرقص، فقال:”لا يخلو أحد من أعباء الحياة، لكن تلك الأعباء لا تؤثر على شعور الراقص، بل الذي يحدث هو العكس، فكثيرًا ما أذهب لممارسة الدوران الصوفي وأنا مشغول بمهام أخرى وعقلي يفكر في أشياء عديدة، لكن بمجرد ارتداء الملابس الصوفية، وبدء الدوران، أنتقل إلى عالم أخر، فتسقط الهموم وأشعر بالتجرد، والخفة والإرتقاء، وكما أن هناك تأمل في الثبات، فالرقص الصوفي تأمل في الحركة، يطرد كل المشاعر السلبية، وينقلك لعالم أهدى”.

لغز عدم الشعور بالدوار

وتحدث مدرب الرقص الصوفي عن لغز الحفاظ على الثبات وعن مدى الشعور بالدوار خلال الرقص، فقال:” بالفعل نحن نشعر بالدوار أثناء الرقص، لكن بعد التدريب على ذلك نصبح قادرين على إدارة أنفسنا، وعلى التحكم في أجسادنا أثناء الدوران، فلا نسمح للدوار بالسيطرة علينا”.

ولنتعرف أكثر على كيفية سيطرة الراقص الصوفي على ثباته أثناء الرقص، شرح «برعي» معنى الدوار، وكيفية حدوثه، وكيفية سيطرتهم عليه، قائلًا: أنه يوجد في جسم الإنسان مجسات لها علاقة بالتوازن، وهما العيون والأقدام و جهاز أخر في الأذن الداخلية، وتلك الأشياء الـ3 هم المسؤولين عن التوازن، وبمجرد الدوران تبدأ تلك المجسات بإرسال إشارات مختلفة عن الحركة والثبات والاتجاهات من حولنا، ومن هنا يحدث الدوار، لكن الراقص يتعلم كيفية السيطرة على تلك المجسات أثناء الرقص الصوفي، فيقوم بإقناع نفسه أن شعوره بعدم الاتزان هو شعور غير حقيقي، ثم يحاول التركيز على الإحساس بالجاذبية أكثر وعلى ثبات قدمه على الأرض، كما أنه يركز أكثر مع جسده ومع ما يحدث في عقوله، وكأن الراقص يدور في بُعد أخر، وبذلك لا يشعر بالدوار.

رقص صوفي

ورش قليلة وفن حقه مسلوب

وفيما يخص الصعوبات التي تواجه راقص المولوية، قال«برعي»:” من الصعوبات التي واجهتها، أنه لم يكن هناك ورش ولا مدربين لهذا النوع من الفنون، والعروض محدودة، والمعلومات المتوافرة حول ذلك على الإنترنت قليلة أيضًا، لذلك حين قومت بعمل أول مورشة، كنت متردد وخائف، من رد فعل الناس، ومن قدرتي على توصيل هذا الفن وتدريبهم عليه، لكن رد فعلهم كان مشجع وأصبحوا يسألون عن مواعيد أخرى لورش جديدة، وكأنهم كانوا في احتياج شديد للتعرف على هذا الفن وممارسته، فأصبحت أنظم تلك الورشة كل شهر تقريبًا”.

“لا تحكموا دون تجربة”..رسالة أخيرة لكل من لا يدرك قيمة الرقص الصوفي

وفي النهاية عبر مدرب الدوران الصوفي عن أمنياته قائلًا: “أتمنى أن يتضح مفهوم الفن الصوفي أكثر وألا يعتبره الناس مجرد استعراض، وأن يكون هناك ورش وعروض أكثر، وأتمنى أيضًا أن أتمكن من تصميم عروض رقص تجمع بين الرقص المعاصر والصوفي، كنوع من أنواع الفولكلور العربي والمصري”.

ولأن هناك من يعتقد أن الرقص الصوفي خاص فقط بالدراويش والزهاد قال «برعي» في رسالة أخيرة: “من حقكم تجربوا لذلك لا تحكموا على شيء بدون تجربة، وتجربة الدوران الصوفي مؤثرة وممتعة ومهمة”.

أقرأ أيضًا: أفلام بها مشاهد رقص مثل فيلم Another Round المرشح للأوسكار

0

شاركنا رأيك حول "من الخطوة الأولى إلى التحليق في السماء .. جولة في عالم راقص المولوية والدوران الصوفي"