فيلم Wild Tales .. حكايات إنسانيّة مُثيرة للأعصاب يجب مُشاهدتها

0

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

“إذا تجاوزك شخص بسرعة فائقة فإنك قد ترغب في قتله، تسمح السينما لك بذلك دون أن تُلاحق.”

داميان سزيفرون

“الغضب حماقة” الكثيرون منا يقتنعون بتلك المقولة حَد الاعتناق، فهذا هو ما نقوله بيننا وبين أنفسنا، أو للآخرين إذا ما كانوا في موقف غضب، لكن ماذا لو لعبت معنا الحياة أحد ألعابها الدنيئة فوضعتنا بموقف لا نُحسد عليه ثم قامت باستنزافنا واستفزازنا للدرجة التي جعلتنا نرى أننا بموضع إما الحياة أو الموت، نكون أو لا نكون!

هل سنتمسك وقتها بنفس المبدأ أم سنغضب غضباً هائلاً يظهر على أثره وجهنا البري حين تتساقط الأقنعة وتترائى الحقيقة في شكلها البدائي الأول؟ غضبٌ يليق بكل المشاعر التي ظللنا نكبتها يوماً بعد يوم، والظُلم الذي لطالما وقع علينا فتجاهلناه من أجل الحفاظ على مظهرنا الاجتماعي المُتحضر أو بسبب تصديقنا وإيماننا بمبادئ آمنا نحن بها لكنها لم تؤمن بنا في المُقابل!؟

فيلم Wild Tales - الشخصيات

هذا ما يفتح فيلم Wild Tales أعيننا عليه بمنتهى الوضوح والقوة، من خلال عرض 6 قصص قصيرة تتصف جميعها بالجموح الذي يُثير الرُعب بالنفس، ويجعل الأعصاب على حافة الانهيار. وعلى الرغم من أن القصص الستة لا يجمعها أي خط درامي، زمني، أو مكاني إلا أنها تحمل داخلها فكرة واحدة تُغلِّفها نفس الانفعالات من خلال تفاصيل يُمكن وصفها بالغرابة، الجنون، والبشاعة.

فكل الحكايات تدور في إطار واحد، عن أشخاص عاديين جداً –يُشبهوننا- تقودهم الظروف أو الصُدَف لمواقف مصيرية تُهدد مُستقبلهم، فتُشعرهم بالخطر. ما يضعهم تحت ضغط ليصبحوا أمام اختبار حول إذا ما كانوا سينهارون فيندفعون نحو الهاوية أم سيستطيعون السيطرة على غضبهم  موليين ظهورهم للذة الانتقام والعُنف.

فيلم Wild Tales - ملصق أرجنتيني

فيلم Wild Tales أرجنتيني الإنتاج من عام 2014، اسمه الأصلي Relatos salvajes. وهو تأليف وإخراج داميان سزيفرون، وبطولة ريكاردو دارين، أوسكار مارتينز، داريو غراندينتي، ريتا كورتيسه، وجوليتا زيلبربيرغ.

اُختير فيلم Wild Tales  كأحد أفضل أفلام 2014، وأحد أكثر الأفلام الصادمة على مدار تاريخ السينما بأكمله، وعلى الرغم من أن مُخرجه لم يُقدم سوى فيلمين فقط ب 2003 و2005 إلا أن هذا لم يمنع فيلمه Wild Tales من المُنافسة على أهم الجوائز العالمية بمجال السينما، حيث ترشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي، ونافس كذلك بمهرجان كان على السعفة الذهبية.

بالرغم من عدم فُوز فيلم Wild Tales بأي من الجائزتين إلا أن القائمين على مهرجان كان وصفوه بأحد أفضل الأفلام التي عُرضت بتلك الدورة ووصفوع بـ “اكتشاف العام”، بالإضافة للاحتفاء الذي تم به حيث وقف الحضور -بعد انتهاء عرضه بالمهرجان- مصفقين لمدة تصل إلى 10 دقائق امتناناً لصناع الفيلم.

فيلم Wild Tales - ملصق

أما عن تقييم النُقاد فالجميع أشادوا بالفيلم، والخط الذي تسلكه السينما اللاتينية عامةً والأرجنتينية خصوصاً في السنوات الأخيرة. كذلك نجح الفيلم في إبهار الجمهور حتى أنه حظى بتقييمات عالية على المواقع الفنية، بل وصُنف على موقع IMDb  الفيلم رقم 193 في قائمة أفضل 250 فيلم بتاريخ السينما.

وإن كُنت لا أستطيع الحديث عن الحكايات الموجودة بالفيلم منعاً لحرق الأحداث وللحفاظ على مستوى التشويق والإثارة، إلا أنني بالطبع أستطيع سرد صفحات كاملة للنقد الفني، خاصةً وأنه أحد الأفلام القليلة التي تضافرت وتجمعت فيه كل مُسببات النجاح بشكل يستحق تسليط الضوء عليه.

التتر

فيلم Wild Tales - التتر

تبدأ العبقرية في التجلي بالفيلم منذ الوهلة الأولى، حيث استخدم المُخرج بالتتر -مع كل اسم يظهر على الشاشة- صور للحيوانات البرية بالحياة الطبيعية بمواقف مُختلفة (هجوم، استسلام، استعداد، فرار..إلخ) لتُعبر بشكل أو بآخر عن طبيعة شخصية صاحب الاسم بالفيلم.

فعلى سبيل المثال: اختار المُخرج لنفسه صورة ثعلب، مُبرراً ذلك بأن والده اعتاد مشاهدة الأفلام التسجيلية الخاصة بالثعالب، بالإضافة لأنه يرى أن المُخرج يشترك مع الثعلب في امتلاك النظرة الثاقبة تجاه كل من حوله.

واستخدام الحيوانات بالتتر يتماهى بشدة مع عنوان الفيلم والحالة العامة المُشتركة بين كل الحكايات، التي تُفيد أنه بعد حدٍ ما من التحمل يأتي الغضب ومن ثَم الانفجار الذي يعود على أثره الأفراد لطبائعهم الحيوانية/البدائية في مُحاولة أخيرة منهم لاستعادة السيطرة على الأمور وإلا الموت/الهزيمة.

القصة

فيلم Wild Tales من تأليف داميان سزيفرون، يعرض 6 حكايات قصيرة مُنفصلة لا يتخطى زمن كل منها 20 دقيقة. وللأسف يعجز البعض عن تصديق أنه ليس من السهل كتابة 6 أفلام قصيرة خاصةً وأن الحكايات بسيطة للغاية.

غير أن وجه الصعوبة يكمُن في أن تُعالِج القصص نفس الموضوع وبالوقت نفسه تبقى الحكايات مُختلفة عن بعضها شكلاً ومضموناً ومُعالجةً، فقط تحمل نفس الانفعالات. الانفعالات التي عليها أن تأتي بشكل تصاعدي يزداد مع كل قصة فلا يُصاب المُشاهد بالملل، ويظل مُندهشاً ومشدوداً طوال الفيلم، دون أن يُكرر الكاتب نفسه ولو للحظة.

“الحكايات لم تُرتب بشكلٍ معيّن إلا بالتقلُّب العاطفي الذي كنا نمر به كصناعٍ للفيلم.”

داميان سزيفرون

التسلسل

فيلم Wild Tales - التسلسل

بعد القصة الثانية سيستوعب المُشاهد ما يحدث أمامه على الشاشة، وهو ما سيجعله صعب الإرضاء حيث ينتظر مع كل قصة مستوى أعلى فنياً ودرامياً، وهو ما نجح بالفعل المؤلف/المخرج في تقديمه على الرغم من التصريح بأن ترتيب القصص بالفيلم لم يكُن مُحدداً مُسبقاً، إلا أنه جاء بالنهاية موفقاً حيث تسلسلت القصص  من البسيطة للمُعقدة ثم الأكثر تعقيداً.

الحكاية الأولى تكاد تكون واحدة من أكثر بدايات الأفلام جذباً على الإطلاق، إذ تمتعت بسحر خاص يجمع بين الكوميديا السوداء، المُتعة، والأهم عنصر المُفاجأة. ثم تأتي الحكاية الثانية التي تضع المُشاهد بالطريق الصحيح فتجعله مُستعداً لما سيأتي.

بعدها تبدأ الحكاية الثالثة التي تنجح في حبس الأنفاس حتى النهاية، ثم الرابعة التي تتمتع بملامح ثورية مُعاصرة فهي لا تُعالج العلاقة بين شخصين بل بين الفرد والدولة التي تدفع المواطنين بغبائها وتسلُّطها لأن يكونوا عدائيين، وساخطين، وهي واحدة من أفضل الحكايات التي قُدمت خاصةً مع مشهد النهاية العبقري.

أما الحكاية الخامسة فهي الأهدأ والأكثر ابتعاداً عن الحالة العامة بالفيلم، نعم تتناول نفس الثيمة ولكن من منظور مختلف نسبياً ما يجعلها تُبطء من حالة فوران المُشاهد. لينتهي الفيلم بالقصة السادسة والأفضل على الإطلاق، بكل ما تحمله من جنون وعبث، عنف وكوميديا، بموسيقاها ونهايتها، تلك النهاية التي يُمكن تأويلها بأكثر من طريقة أحدها أن الحياة ستستمر مهما بلغ بنا المدى.

 “على الأغلب كنت سأدخل السجن لو لم أصبح مخرجاً.”

داميان سزيفرون

السيناريو والحوار

فيلم Wild Tales - السيناريو والحوار

السيناريو والحوار -أيضاً لداميان سزيفرون- أحد أهم نقاط ارتكاز العمل، تَجَلَّت عبقريته من خلال التكثيف المثالي –غير الهَش- المُتماشي مع قصر زمن الحكايات، في الوقت الذي يظل مالكاً للقُدرة على عرض تطور الأحداث والشخصيات المُتطرِّف دون أن يشعر المُتفرج بأن هُناك خللاً ما، أو استعجال.

الإخراج

حصيلة الأعمال الإخراجية السابقة للمُخرج داميان سزيفرون هي فقط موسمين من مسلسل “Los Simuladores”.، وفيلمان، رُبما لذلك وجود اسمه على أهم قوائم الجوائز العالمية أثار التعجب قبل مُشاهدة الفيلم. إلا أنه جاء ليُثبت أن العبقرية لا علاقة لها بالانتشار وكثرة التواجد، أو حتى بالأعمال السابقة، كل ما في الأمر أن هناك منطقة ذهبية داخل كل فنان إذا ما تم الوصول إليها جاءت النتائج تفوق كل التوقعات.

جاء إخراج فيلم Wild Tales جيداً جداً حيث تعامل داميان مع كل قصة باعتبارها فيلم قصير، فلجأ للتكثيف والاختزال، مع إثارة الغموض والمفاجأة من أجل المزيد من التشويق وجذب الانتباه، وتوصيل المحتوى الكبير في زمنٍ قصير. ومما لا شك فيه أن كَون المُخرج والمؤلف هو نفس الشخص خدم العمل وساعد على الوصول بالفكرة لحالة قُصوى من الوضوح دون أي احتمالات للخطأ.

وقد تنوعت بيئات القصص وهو ما كان مُجازفة من المُخرج إن لم يُحسن التعامل معها لأن ذلك كان يُمكن أن يفصِل المُشاهد عن العمل ويُصيبه بالغُربة من حكاية لأخرى. إلا أن داميان استطاع تَخَطي ذلك وخَلْق حالة من التوازن بين الحكايات، ساعده في ذلك أن أماكن تصوير الحكايات جاءت مُحددة نسبياً مثل “الطائرة، المطعم، الطريق، مكتب دفع الغرامات، المنزل ، قاعة الأفراح”، بالإضافه لنجاحه في توصيل المُشاهد لإدراك أنه يُشاهد قصصاً قصيرة تتوحد في الانفعالات، وأي شيء آخر هو محض تفاصيل.

التصوير

فيلم Wild Tales - التصوير

تصوير العمل لـ خافيير جوليا الذي نجح في خلق حالة من التجانس بين الحكايات على اختلاف تفاصيلها، فجاءت الصورة مُتناسقة بصرياً. في الوقت نفسه برع في صبغ كل قصة بما يتناسب مع روحها الفريدة عن باق الحكايات.

فهناك القصص التي تم تصويرها بعين الرائي من الخارج، وهناك حكايات أخرى صورت بعين راويها، ليخدم هذا التنوع الفيلم، ويُضيف المزيد من المُتعة للمُشاهد بكل قصة منذ الوهلة الأولى وحتى آخر لحظة فيها حيث مشهد النهاية الذي دائماً ما كان يأتي مُفاجئاً، لاذعاً، وعبثياً بشكل صادم يجعل المُشاهد يحتاج بعض الوقت لالتقاط أنفاسه من قوة الصدمة والاستمتاع الفني.

المونتاج

للأسف البعض يستهينون بدور المونتاج، فلا يُدركون قوته الخُرافية وقُدرته على تغيير الأمور بشكل جذري للأفضل أو الأسوأ، لذا وجود مونتير جيد بالعمل الفني أمر مُهم وحَتمي للنجاح. وفي هذا الفيلم اشترك مُخرجه مع المونتير بابلو بربيري في عمل المونتاج، وهو أمرٌ ذكيٌ فوجود المُخرج في المونتاج يُضيف لعيون المونتير لأنه  أكثر من يعرف كيف سارت الحكاية كُلها بمخيلته وكيف يُريد أن تظهر على الشاشة.

وقد اعتمد العمل على المونتاج الحاد والمُفاجئ خاصةً بنهاية كل قصة، من أجل التمهيد للمُشاهد ببداية الحكاية الجديدة، والمونتاج القاطع والسريع كان أحد أسباب عدم شعور المُتفرج بالملل والحفاظ على إيقاع الفيلم مُتوازن ومُثير للأعصاب طوال الوقت.

التمثيل

فيلم Wild Tales - السائق

التمثيل واحد من عناصر كثيرة خلابة نجحت في الارتقاء بالفيلم لحالة من المُتعة الفنية الخالصة، حيث نجح كل طاقم التمثيل في تجسيد أدوارهم بحرفية وبساطة، وعلى الرغم من قصر زمن الحكايات إلا أنهم أجادوا التعبير عن التصاعد الداخلي بالانفعالات وصولاً للحظة الانفجار دون أن يبدو عليهم الافتعال أو الانتقاص من قَدر المشاعر المُحتدمة.

أما أكثر من تميزوا بالآداء فهُم:

ريكاردو ديرن (بطل القصة الرابعة): الذي تنقلب حياته رأساً على عقب حين يصطدم ببيروقراطية الدولة وفسادها الحكومي فيتحول بظرف أيام من رجل شديد الانضباط إلى مجرم ساخط لم يعد لديه ما يخاف عليه من الخسارة.

إيريكا ريفاس (بطلة القصة السادسة): والتي لعبت دور (رومينا) المرأة الأكثر جنوناً بالعمل، والتي يقودها شعورها بالخذلان إلى حالة من الغضب تجعلها على أتم استعداد لهدم كل ما تمنته يوماً على العلن.

نجحت إيريكا في تجسيد الدور للحَد الذي يجعل المُشاهد يعتقد أنها تخطت حتى ما كان مكتوباً على الورق لتخلق بنفسها ولنفسها حالة حية لا تُنسَ، يجعلها تتربع عرش الآداء بالفيلم.

 الموسيقى

فيلم Wild Tales - الموسيقى

نجح المؤلف الموسيقي جوستافو سانتا أولالا في توظيف الموسيقى بشكل مثالي مَنَح انفعالات وتفاصيل كل قصةٍ -على حدى- الروح اللازمة لغَمس المُشاهد بين الأحداث منذ الدقيقة الأولى، فجاءت الموسيقى هادئة في البدايات ومن ثَم تصاعدية في المشاهد التي تشتعل فيها الأحداث.

ولعل أحد العلامات الواضحة على براعة جوستافو قُدرته على نحت كل قطعة موسيقية بشكل فريد ومُميز يختلف عن موسيقى باق القصص، لتتحول الموسيقى التصويرية لسلاح نجح أصحابه في استخدامه من أجل زيادة عناصر الجَذب بالعمل.

فيلم Wild Tales لوحة درامية مُتميزة بكل عناصرها وتفاصيلها، اعتمد الفيلم على الكوميديا السوداء لتوصيل الفكرة التي تجعلنا نتساءل -طوال الفيلم وبعد انتهاءه- تُرى ماذا سنفعل إذا وجدنا أنفسنا مكان أبطاله!؟ خاصةً وأن العمل قُدِّم بطريقة تجعلنا نحمل نفس القدر من التعاطف تجاه الجاني والمجنى عليه بكل القصص دون استثناء.

ليصبح السؤال الذي يطرح نفسه..

 هل يُمكن حقاً أن تؤدي بنا الظروف/الظُلم إلى خيار وحيد يجعلنا نتسبب في إيذاء الآخر؟ وإذا حدث ذلك  من سنكون وقتها الضحية أم الجاني!؟

 تريلر فيلم Wild Tales

0

شاركنا رأيك حول "فيلم Wild Tales .. حكايات إنسانيّة مُثيرة للأعصاب يجب مُشاهدتها"

أضف تعليقًا