بلا جنس ودون الحاجة إلى السائل المنوي الذكري…عن التوالد العذري وأثره على البشر

التوالد العذري
ميس عدره
ميس عدره

7 د


يمكن للمجتمع أن يعيش برجلٍ واحدٍ فقط، لكن لا يمكن لمجتمعٍ أن ينجو في حال نَقُص تعداد النساء

تصدّرت تلك المقولة الأسطورية لجيرمين جرير، الأكاديمية الأسترالية والصحفية والمؤلفة لكتاب "The Female Eunuch" عناوين الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، تحت عناوين تندرج في خانة تساؤلٍ واحد لا ثاني له "من يحتاج الرجال بعد الآن؟".

مع انتشار تقنية الحقن المجهري للحيوانات المنوية داخل البويضة (ICSI)، وتوضيح حقيقة أنّ كلّ عملية قذف يقوم بها الرجل تكفي لإنتاج 40 مليون حيوانٍ منوي، ربّما يتوجّب على الرجال أن يدركوا أنّ جميعهم باستثناء واحد أو اثنين فائضون عن المتطلبات اللازمة للتكاثر.

بالنسبة لبعض الحيوانات، لقد تمّ التغلّب على تلك الحاجة الملّحة للذكر، فوجوده أو عدمه لن يوقف مسيرة تطوّرها أو يلحق بها الفناء الأبديّ. خير دليل على ذلك ما قامت به بعض الحيوانات من اختراقٍ للقاعدة الطبيعة للتزاوج وإعلان نبأ الولادة العذرية في البيئة الطبيعية بدون تلقيح خارجي، لتصبح تلك الظاهرة الغريبة والمثيرة للتساؤلات موضع اهتمام العلماء وحديث المواقع العلميّة.


الإخصاب الذاتي يفتح الطريق للتوالد العذري

يحدث التكاثر اللاجنسي في الكائنات الحية الدقيقة بدائية النواة كالبكتيريا والعتائق، وفي العديد من الكائنات حقيقية النواة، وكذلك في صفوف وحيدات وعديدات الخلايا. هناك عدّة طرق تتكاثر بها الحيوانات لاجنسيًّا، وتختلف تفاصيلها باختلاف الأنواع الفردية. إحدى هذه الطرق تتمثّل بعملية التوالد العذري التي تندرج تحت خانة التكاثر اللاجنسي عن طريق الإخصاب الذاتي.

ذو صلة

مصطلح التوالد العذري هو كلمة يونانية تعني "الخلق البكر" أو "خلق العذراء" ولكنها تشير تحديدًا إلى التكاثر اللاجنسي الأنثوي. في حين أنّ العديد من الناس قد يفترضون أنّ هذا السلوك يندرج تحت خانة الخيال العلمي أو النصوص الدينية، لكنّ الدراسات تشير إلى شيوع انتشار التوالد العذري بشكلٍ مدهش في جميع فروع شجرة الحياة عن طريق مجموعة متنوّعة من الكائنات الحية. حيث تتطوّر فيه الأمشاج الأنثوية إلى نسلٍ دون أن يتمّ تخصيبها بواسطة مشيج ذكري، أي أنّ خلايا معينة تابعة لبيضة الأنثى تحاكي عمل الحيوانات المنوية وتحلّ مكانها أثناء حدوث الاندماج مع البويضة.


كائنات قادرة على التوالد العذري لكن بشروط


كائنات قادرة على التوالد العذري

Asexual Reproduction

يحدث التوالد العذري في كل من الحيوانات والنباتات، وضمن أنواع متعدّدة من اللافقاريات بما في ذلك العقارب والديدان الخيطية وحشرات العث وبراغيث الماء والدبابير وبعض أنواع النحل وغيرها من الحشرات. وعلى الرغم من ندرة التوالد العذري في الفقاريات، تمّ تسجيل بعض الحالات بين صفوف أسماك القرش والسحالي، وفي أنواع قليلة من الطيور مثل الديوك الرومية والدجاج والسمان الصيني، عندما يتم إيواء الإناث دون وجود ذكر. نظرًا لتطلّب الثدييات، بما في ذلك البشر، لجينات معينة تأتي من الحيوانات المنوية، فإنّها غير قادرة على القيام بالتوالد العذري.

يتضمّن التوالد العذري حدوث سلسلةٍ من الأحداث الخلوية. أولًا، يجب أن تكون الإناث قادرة على تكوين خلايا البويضات دون تحفيز من الحيوانات المنوية أو الزوج. ثانيًا، يجب أن تبدأ البويضات التي تنتجها الإناث بالنمو من تلقاء نفسها، لتشكّل الجنين في مرحلة باكرة. أخيرًا، يجب أن يفقس البيض بنجاح.


ولادة سمك المنشار دون تزاوج


سمك المنشار

أثناء استطلاع على حياة مجتمعات سمكة المنشار في مياه جنوب غرب فلوريدا، رُصدت سبع سمكات منشار كأوّل حيوان يخلق من ولادة عذرية في بيئته الطبيعية وبدون مساعدة البشر.

بالنسبة لحيوان يتكاثر من خلال التزاوج (التكاثر الجنسي)، فإن الولادة العذرية في البيئة الطبيعية بدون تلقيح خارجي تعتبر حدثًا صادمًا لم يكن بالحسبان، فمن أين أتت تلك الأسماك الصغيرة؟

من بين 190 سمكة خضعت لفحوص الباحثين، عثر على 7 أسماك أظهر حمضها النووي أنّ ولادتها تمّت بدون آباء، وكان لديها نسخ متطابقة لـ 14 جينًا من حوالي 16 جينًا فحصها العلماء لمعرفة ما إذا كانت تلك الأسماك جاءت من تكاثر جنسي طبيعي. توصّل الباحثون إلى أنّ احتمال وجود تطابق لهذه الجينات في سمك المنشار أقلّ من واحد لكلّ 100 مليار. فالسمكات السبع جميعًا إناث منها خمس سمكات شقيقات كنّ قد خرجن من بيوض مخصّبة ذاتيًّا بدون تلقيح خارجي.

من الممكن أن يكون التحوّل من التكاثر الجنسي إلى التكاثر اللاجنسي أمرًا معتادًا ومألوفًا في الطبيعة لكنّ العلماء لم يدركوا من قبل طريقةً للبحث عنه واستكشافه.


كيفيّة تحديد جنس النسل الناتج

يتم تحديد جنس النسل الناتج عن عملية التوالد العذري بنفس الطريقة التي يتم من خلاله تحديد الجنس في النوع نفسه. بالنسبة للكائنات الحية حيث يتم تحديد الجنس عن طريق الكروموسومات (الصبغيات)، مثل الصبغي XX للإناث والصبغي XY للذكور.

في بعض الحشرات والأسماك والزواحف يمكن للأنثى القادرة على التوالد العذري أن تنتج نسلًا واحدًا فقط تبعًا للصبغيات الجنسية التي تمتلكها، ممّا يعني أنّها ستنتج دائمًا النمط XX أي نسلًا مؤنّثًا فقط. لكن بالنسبة للكائنات الحية التي تمتلك فيها الإناث نوعين من الكروموسومات الجنسية ZW (مثل الثعابين والطيور)، فإنّ جميع النسل الحيّ الذي يتم إنتاجه سيكون إمّا ZZ وبالتالي ذكر، أو WW أي أنثى.


فوائد التوالد العذري

على الرغم من ندرة حصول عمليّة التوالد العذري، إلاّ أنّها توفّر بعض الفوائد للإناث التي يمكنها القيام بالإخصاب الذاتيّ. في بعض الحالات، سيسمح للإناث بتكوين شركائها في التزاوج، أي إذا تزاوجت أنثى مع ابنها المولود بالتوالد العذري، فسيكون ذلك زواجًا داخليًّا.

وفقًا لعلماء الأحياء، من الممكن أن يؤدّي زواج الأقارب إلى مجموعة من المشاكل الجينية، إلا أنّه من منظور تطوريّ يبقى أفضل من عدم وجود ذريّة على الإطلاق. ربّما تكون طرق التكاثر من هذا النوع بمثابة ردّ فعلٍ طبيعي لتراجع أعداد بعض الكائنات واقترابها من شبح الانقراض.


هل يمكن أن يكون التوالد العذري إستراتيجية تطوريّة؟

إنّ الأحداث التي تؤدي إلى التوالد العذري ليست مفهومة تمامًا، ولكن يبدو أنّها تخضع للتغيرات البيئية. فقد لاحظ علماء الأحياء، على مدى فترات طويلة من الزمن، أنّ الأنواع التي تخلق بطريقة التوالد العذري معرّضة بشكل أكبر لخطر الموت بفعل المرض أو التطفل أو التغيرات في الموطن.

كما أشارت بعض الأبحاث إلى أنّ زواج الأقارب المرافق للتوالد العذري قد ينتهي بقصر الخط الزمني التطوّري للنسل الناتج عنه، بالتالي لا يمثّل استراتيجية للبقاء على قيد الحياة لأجيال عديدة لأنّه سيقلّل التنوّع الجينيّ والقدرة على التكيف. ما زالت أسماك المنشار وغيرها من الكائنات المعرّضة لخطر الانقراض بحاجة لمساعدة البشر لإنقاذ مصيرها المجهول.


هل ستنجب العذارى دون النفخ في أرحامهنّ؟

فرضت الطبيعة قوانينها الكونيّة في جعل النساء بحاجة إلى الرجال لإكمال مهمّة التكاثر والإنجاب ضمن قالب محدّد لا يمكن الاستغناء عن أحد أعمدته الرئيسيّة.

مع انتشار عملية التوالد العذري في البريّة خلال الآونة الأخيرة بتواترٍ أكبر ممّا قد تصوّره العلماء، أطلقت عدّة تكهنات وفرضيات تحاول إسقاط تلك العملية على الجنس البشري. فماذا لو تمكّنت النساء من القيام بالإنجاب بمفردهن بكل بساطةٍ؟ هل يمكن أن يتعلّم البشر تلك الحيلة البيولوجيّة التي ستسمح للنساء بالحمل وفقاً لجدولهنّ الزمني دون أن يعيق الرجال طريقهنّ؟

من المسلّم به أنّ المرأة بحاجةٍ إلى الحيوانات المنوية إذا رغبت في الحمل، لكن لا يوجد سببٌ يجعل من الرجل المصدرَ الوحيد لتلك الحيوانات المنوية.

بحسب الدكتور ألان باسي، عالم الأحياء التناسلية بجامعة شيفيلد: "يمكننا صنع شيء يشبه خلية الحيوانات المنوية أسفل المجهر عن طريق تحفيز الخلايا الجذعية من متبرعة على النمو في خلايا الحيوانات المنوية، هذا الأمر قد لا ينجح وفقاً لقوانين البرمجة الوراثيّة المتعارف عليها، فليس هناك طريقة للتحقّق من ذلك إلاّ بزرع تلك الخلايا المعدّلة ومعرفة فيما إذا كان الأطفال يتطوّرون بشكلٍ طبيعي. قد نتمكّن من تطبيق ذلك على الجرذان والفئران، لكن ستكون مغامرة كبيرة في حال تجريبها على الإنسان".


مخاطر تطبيق الإخصاب الذاتي على البشر

مثلما يقلّل زواج الأقارب من التنوّع الجيني للسكان، يمكن أن يقلل التوالد العذري من التنوع الجيني للنسل البشري. إذا اختارت الأنثى التكاثر بمفردها بالكامل، فسيكون لطفلها والدٌ واحد فقط، وبالتالي نصف التنوّع الجيني المتاح للطفل العادي. إذ سيستمر كلّ جيل لاحق بالتكاثر لوالد واحد في نفس الاتجاه، مع تزايد خطر ظهور مزيد من العيوب الخلقية التي لم نشهدها بعد. ما يعني أن التوالد العذري لن يكون طريقاً جيّداً للمضي فيه. ربّما قد ترغب القيام بذلك لجيلٍ واحد أو جيلين، لكن ليس أكثر من ذلك.

لسوء الحظ، إنّ عملية التحايل المزعومة لن تكون قفزةً نوعيّة يتباهى بها، بل مصيرها محفوفٌ بإحباط لا مفرّ منه. فأين الإنجاز أو المتعة بأن يكون أطفالك مجرّد صدى متلاشٍ عنك؟

اقرأ أيضًا: كارثة كبيرة قادمة إن لم نتحرك… عن نتائج الإفراط في أخذ المضادات الحيوية ومقاومة البكتيريا

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة