يتمتع الشخص الحماسي بقدرة فائقة على التسجيل في جميع أنواع الدورات التي تقابله، سواء كان يحتاجها أو لا. وفي بدايتها، يُحضر قلمًا ودفترًا خاصًا، ويبدأ في متابعة الدروس بترقب وحماس البدايات الذي نعرفه كلنا. وما إن تنتهي الدورة، يجد نفسه حائرًا، فقط شهادة جديدة حصل عليها، ولكن المضمون ليس مفيدًا بالمرة. هل يصمت؟ لا، بل يذهب لترشيحها لزملائه، مستعرضًا شهادته غير المفيدة هذه، وبعقلية القطيع، ينجرف البقية نحو تلك الدورة غير المفيدة، والنهاية حائط -البطولات الوهمي- مملوء بالشهادات غير المجدية؛ الآتية من دورات رديئة.. دورات لا ينبغي عليك أن تحضرها!

احذر الإعلان فيه فخ قاتل! 

أعرف أنّ كلمة قاتل مبالغ فيها بعض الشيء، ولكنها مجازية. لنذهب إلى موضوعنا. سأضعك في موقف ربما حدث لك، بينما كنت تتصفح إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت شخصًا من المؤثرين، يروي قصة نجاحه، وراتبه الشهري الذي يتكون من 5 أو 6 أرقام بالدولار، فيُغريك المبلغ ويُكشف الستار عن حب الأموال الموجود داخل أغلبنا، ويخبرك أنه استطاع تحقيق هذا، فقط لأنه حصل على هذه الدورة التدريبية، ويضع لك رابطها، ويدعوك للنقر عليه. فتدخل وتضع بياناتك كلها الخاصة ببطاقة الائتمان، وتفرح. 

سأخبرك بشيء، الشخص الذي حدثك عن قصة نجاحه، ووضع لك رابطًا، هو في الحقيقة ممول من الجهة المُقدمة للدورة، والرابط الذي وضعه لك، هو رابط خاص به، يمكن إعداده من أي أداة خاصة ببناء روابط الحملات التسويقية مثل "Analytics UTM Builder"، ومع كل نقرة، يحصل هو على نسبة أرباح من تلك الجهة التعليمية. وفي النهاية، لا تستفيد من هذه الدورة وتجدها غير مشبعة. 

اهرب.. دورات لا ينبغي عليك أن تحضرها!

دورات لا ينبغي عليك أن تحضرها 
 

اعتدنا في أراجيك تعليم ترشيح دورات للجميع، سواء كانوا طلابًا أو عاملين أو حتى عاطلين، تساعدهم على تطوير مهاراتهم، لكن هذه المرة، سنُقدم أنواع الدورات التي لا ينبغي عليك أن تحضرها، ليس لأنها غير مفيدة فقط، بل إنها غير مشبعة وكما نقول بالعامية المصرية "فلوس على الأرض". وسأخبرك بالحل البديل للتعامل معها، لكن أول حل هو "اهرب من هذه الدورات"، هل أنت جاهز؟ هيا بنا..

دورات لا ينبغي عليك أن تحضرها.. يقولون ولا يفعلون!

فلنفترض أنك تريد تطوير لغة جديدة، ولتكن اللغة الروسية، وسجلت في دورة تدريبية في أي مكان، قد تكون عبر الإنترنت أو في مركز متخصص. ذهبت وبدأت الدورة وأنت في كامل حماسك، وفي مخيلتك أحلام عن قراءة كتب وروايات "فيودور دوستويفسكي" باللغة الروسية، وستنحل عقدة لسانك وأخيرًا ستقرأ تلك الأسماء الطويلة المعقدة. لكن في أول درس، وجدت المدرس يتحدث عن اللغة الروسية وأهميتها ولماذا ينبغي عليك تعلمها. انتهى الدرس الأول. وذهبت للمرة الثانية، وجدته يلقنك الحروف وبعض المصطلحات المبتدئة ثم يحدثك عن أهمية اللغة الروسية وضرورة تعلمها. وانتهى الدرس، وذهبت في الدرس الثالث والرابع والخامس وهكذا دواليك. 

ربما ينتهي المستوى الأول من الدورة وأنت تتحدث عبارات بسيطة للغاية، لا تتقن مخارج الحروف جيدًا. وعند التركيز، ستجد أنّ الفترة الزمنية التي تحدث خلالها المعلم عن أهمية اللغة الروسية وما هي تشكل نحو 90% من الفترة الزمنية الكلية للدرس، بينما كانت استفادتك وتحصيلك الحقيقي يشكل نحو 10% فقط. (ياللهول!!) 

أعتقد أنّ أفضل تعليق على مثل هذه الحالات، ما قاله ستيفن كينغ: 

"لا تخبرنا عن أي شيء، إلا إذا استطعت إظهاره"

تعتمد كثير من الدورات الإلكترونية على التلقين وليس التعليم، إنهم يجاوبون على سؤال (ماذا أو لماذا)، وأقصد هنا، ما هذه الدورة أو المادة التي ستدرسها؟ ولماذا ينبغي عليك دراستها؟ ومن خبرتي البسيطة في مجال التسويق، هذه مجرد دعاية. والمتعمقون في مجال التسويق الإلكتروني، يعلمون أنها مرحلة نشر الوعي بالمنتج، والمنتج هنا هو الدورة التدريبية التي تقدم اللغة المرغوبة. وفي نهاية الدورة، سيعرض لك المدرب ما ستدرسه في المستوى التالي، ويدعوك للتسجيل فيه. وبلغة التسويق هذا يسمى دعوة لاتخاذ إجراء "Call to action". 

عوضًا عن ذلك، كان لا بد من الإجابة على سؤال (كيف)، أعني كيف يمكنك تعلم اللغة؟ كيف تنطق الحروف بطريقة صحيحة، كيف تبرمج دماغك على فهم اللغة واستيعابها؟ هذا ما حدث معي في إحدى الدورات الخاصة باللغة، شاهدت النموذجين أمامي، أحدهما يعلمني بطريقة "ماذا / لماذا" والآخر استخدم أسلوب "كيف". وحققت النتيجة المرغوبة وأصبح لساني طليقًا في تلك اللغة بفضل المعلم الثاني الذي طبق مقولة "لا تعطني سمكة، لكن علمني كيف أصطاد". 

لذلك، اسعَ للبحث عن الدورة التي تجاوبك على سؤال كيف؟ وليس ماذا أو لماذا. ولا تنسَ الهروب من الأخيرة. 

دورات دون تطبيق

"تلقين لا يساوي تعليم"

ليس بالضرورة أن يؤدي التلقين إلى تعليم، بعبارة أخرى إنها معادلة غير صحيحة، هناك شيء ناقص في أحد طرفي المعادلة. سنعرفه الآن، لكن قبل ذلك، لأحكي لك قصة حدثت بالفعل.

في إحدى المرات حصلت على دورة في التسويق الإلكتروني، ظننت نفسي جاهزة للعمل بعد إنهائها، لقد كانت كلها نظرية، ويتمثل التطبيق في المدرب الذي يشارك شاشته أمامي أثناء إعداده لحملة تسويقية. لكن النتيجة كانت غير مرضية. بعدها بفترة حصلت على دورة أخرى من إحدى المنصات العالمية، وكانت تتضمن تسليم مشاريع حتى أستطيع التخرج والحصول على الشهادة، تلك المشاريع تتم مراجعتها من متخصص في التسويق الإلكتروني ويعطيني ملاحظات أستطيع من خلالها تطوير مشروعي، أي أنني جربت بنفسي بصورة عملية ما يجب علي فعله.

تنتشر العديد من الدورات سواء على الإنترنت أو في قاعات التدريب، لا تتيح فرصة التطبيق، وبالتالي ينتهي المتدرب من الدورة دون استفادة تُذكر. فالتطبيق يُصقل المرء بخبرة ولو بسيطة، وينبهه لأخطاء قد لا يدركها. 

بعد كل هذا، هل عرفت الشيء الناقص في طرفي المعادلة التي طرحتها منذ قليل؟ حسنًا، سأضع المعادلة في صورة أوضح الآن..

"تلقين + تطبيق = تعليم"

معرفة محدودة 

في كثير من الأحيان، تجد الدورات التدريبية عبر الإنترنت غير مشبعة، أي تلقنك مجموعة من المعلومات فقط، لكنها لا تأخذ بيديك إلى أعماق المادة العلمية. نستطيع القول إنها مجرد قشور بسيطة ليس أكثر. لذلك، لا تعلِّ سقف توقعاتك عند التقدم لدورة مهما كان اسم المؤسسة التي ستُقدمها. 

دورات لا تحتاجها 

لست ضد الفضول أو التعلم عمومًا، لكن التعليم يحتاج إلى وقت وجهد وأحيانًا مال، فيجب على المُتعلِم أن يكون أكثر حذرًا في اختياراته، ويتأكد من أنها ستفيده، لكننا في عصر السرعة، وينبغي الحرص على الوقت قدر الإمكان وانتقاء الدورات، والتأكد من أنها ستُفيدك حتمًا. بعبارة أخرى، رتب أولوياتك بعناية.

ربما يوحي عنوان الموضوع إلى أنني سأضيف روابط لدورات معينة لأحذّر الناس منها، لكن هذا ليس المقصود، وإنما أردت وصف الدورات التدريبية التي لا تنفع صاحبها، قد تنفعه في حالة التطبيق الجيد والانتفاع بها حقًا بعد الانتهاء، لكن أغلب الدورات الموجودة عبر الإنترنت ليست فعّالة للدرجة التي تتصورها. ومحتواها ليس قويًا، بعض المعلومات والتعريفات لفهم الأساسيات فقط. لكن إذا أردت التطور فعلًا، عليك بالتطبيق جنبًا إلى جنب مع التدريب. ادرس ثم طبق. 

اقرأ أيضًا: العلم في ميزان الأخلاق.. بين صناعة القنابل الذرية وإنتاج اللقاحات!