التعليم المجاني في الوطن العربي: واقع معاش وحقيقة أم مجرد كذبة أخرى؟

4

توجب المادة الرابعة من اتفاقية اليونسكو للتعليم التي صدرت عام 1960: أنه على الدول الأطراف التي صادقت عليها والتي عددها 100 دولة من بينها دول عربية، على هذه الدول جعل التعليم الابتدائي مجانياً وإجبارياً، وجعل التعليم الثانوي بشتى أشكاله متوفراً وسهل المنال بصفة عامة للجميع، وجعل التعليم العالي كذلك متاحاً للجميع على أساس القدرات الفردية، كما وتعترف بحق الشباب والكبار في التعليم الأساسي.

وقبل هذه الاتفاقية كانت الكثير من الدول قد طبقت نظام التعليم المجاني وأصدرت قرارات بإلزامية ومجانية التعليم في المراحل الابتدائية منذ عشرينيات القرن الماضي، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول، وهذا يجعل الدولة ملزمة بوضع ميزانية خاصة للتعليم تصرف من الضرائب ومن الميزانية السنوية لتجهيز المدارس بما تحتاجه من مواد ومستلزمات وإعطاء رواتب للمعلمين والإدرايين والمسؤولين في مديريات التربية، وفي بعض الدول تشمل هذه المجانية توزيع الكتب المدرسية بشكل مجاني، ولكن غالباً يُلزم الطالب بدفع رسوم بسيطة في بداية كل عام دراسي.

ولم تستثنى الدول العربية أنفسها من هذه الاتفاقية وحتى أن بعض الدول مثل مصر وسوريا قد اعتمدت مجانية التعليم في المرحلة قبل الجامعية منذ أربعينيات القرن الماضي، واعتمدت مناهج كانت تعتبر من أقوى المناهج العالمية ومواكبة لأهم أساليب التعليم والتطور العلمي في العالم.

التعليم في الوطن العربي

بالنظر إلى وضع التعليم في الوطن العربي، فإنه يجعلنا نتساءل عن حقيقة هذا الأمر، وإن كان الطالب يتعلم فعلياً دون أن يدفع أي تكاليف أثناء الدراسة الابتدائية أم أنه مجاني ومتاح للجميع، وهو الهدف من كون التعليم مجانياً أن يكون ممكناً لكافة فئات الشعب مهما كان مستواها المادي والاجتماعي، وكان السماح بالتعليم الخاص كجزء من تخفيف الحمل عن كاهل الدولة مع ازدياد أعداد الطلاب بشكل كبير وأيضاً يمكن القول أنها خطة تساعد وزارة التربية من خلال الضرائب المفروضة عليها.

وبالمقارنة مع دول مثل النرويج والنمسا وألمانيا حيث تصنف جامعاتها من أفضل الجامعات في العالم وتقدم التعليم الجامعي بشكل مجاني لمواطنيها وفي بعض الحالات لمواطنين من دول أخرى. وبالنظر إلى دولٍ افريقية وآسيوية لا تقدم لمواطنيها ميزة التعليم المجاني حتى أن المدارس قد تحتاج إلى مسير ساعة للوصول إليها في بعض القرى الجبلية والبعيدة، فهل يعتبر التعليم المجاني مقياساً لجودة التعليم في الدول التي تقدمه؟

عدم تقديم التعليم المجاني هو بالتأكيد دلالة على تدني مستوى التعليم في هذه الدولة وإن كان لا ينفي أو يمنع وجود بعض الجامعات الخاصة التي قد تتمتع بتصنيف عالي ضمن الجامعات العالمية، لكن بالمقابل وإذا نظرنا لبعض الدول العربية حيث نحن، ولاحظنا مستوى التعليم والمناهج ومدى تطورها بالمقارنة مع تطور التعليم في العالم وأساليبه والتغير السريع الذي يطرأ على الأبحاث والعلوم، نجد أنها تحتاج إلى الكثير من الجهد والتطوير والخروج من الأطر السياسية التي توضع فيها هذه المناهج لتُقَدَّم للطالب بشكل يجعله قادراً على التخرج من المدرسة الثانوية ودخول معترك الحياة في الجامعة والعمل والنجاح فيه، دون أن يتعرض للصدمة المعتادة ممن خرج من فقاعة الصابون التي تضعه بها المدارس من جميع الجهات، طرائق التدريس والتقييم والأصدقاء، ليواجه العالم الملوث بكل تفاصيله ويتعلم كيف يخوض فيه وينجح في تجاوز العقبات.

من ناحية أخرى هل التعليم مجاني بالفعل؟

بحسبة بسيطة سنجد أن الأهل يقومون بدفع الكثير من المصاريف ابتداءً من اللباس المدرسي والكتب -في بعض المدارس أو المستويات- والكراسات ثم الدروس الخصوصية والمشاريع اللاصفية التي يجب أن تكون مبتكرة!.. والابتكار بالنسبة لهم يعني وسائل مكلفة، ثم الملخصات في المراحل المتقدمة والتي يقدمها الأستاذ لأنها أفضل من الكتاب وتقدم للطالب شرحاً وافياً وفي صياغة أخرى تقدم له الأسئلة أو طريقة الأسئلة التي ستجعله ينجح في المادة ودونها ربما لن يحصل على الامتياز، والذي كان ومازال الهم الأوحد للطلبة، لأنه حسب اعتقاد الجميع المعيار الوحيد لذكائهم وتفوقهم رغم أنه في الحقيقة المعيار الوحيد لقدرتهم على الحفظ الصمّ والجلَد على المكوث ساعات طويلة في سبيل حفظ فقرة تتحدث عن الحرب العالمية الثانية ودور الدولة العثمانية فيها أو عن المحاصيل الزراعية في السودان.

وبالمقابل لا يحصل الطالب من هذا –التعليم المجاني– سوى على شهادة قد لا تؤهله لدخول سوق العمل أصلاً، ويتخرج ليكتشف أن جلّ أو أغلب ما تعلمه هو مجرد معلومات تحتاح إلى إعادة رسم وتصوير في عقله، كمن ذهب ليحصل على ملابس مجانية فدفع ثمناً لدخول المركز ثم اكتشف أن ما حصل عليه لا يناسب مقاسه فاضطر لدفع أجرة تعديل ما أخذ، وفي النهاية يطلبون منه أن يشكر المركز على ما أعطوه!..

مفهوم التعليم المجاني في السنوات الأخيرة

توسع هذا المفهوم عند الطلاب في السنوات العشر الأخيرة ليشمل التعليم الالكتروني والكورسات المقدمة بشكل مجاني على الإنترنت، وحتى التعلم من الفيديوهات التعليمية على اليوتيوب والتطبيقات على الهواتف المحمولة، وأصبح قِبلة للكثير من الطلاب الذي يريدون تطوير مستوياتهم العلمية لتكون مواكبة للعلوم الحديثة والقدرة على متابعة كل جديد.

ولا يمكن أن ننكر أهمية هذه الوسائل التعليمية وفائدتها الكبيرة، لكننا أيضاً لا يمكن أن نعتبرها بديلاً لتحسين جودة التعليم في المدارس وتقديم المعلومات بشكل مبدع ومواكِب لتطور وسائل التعليم وأساليبه، فمن الملام في هذا؟

من الصعب وضع اللوم على جهة معينة في هذا الأمر، لأن المؤسسات الحكومية ستلوم المعلمين الذي يقصرون في أداء مهامهم، والمعلمون سيلومون الوزارة التي لا تعطيهم رواتب بما يتناسب مع جهودهم التي يقدمونها، والأهل الذين لا يعلمون أولادهم احترام المدرس مما يجعل مهمته أكثر صعوبة تكمن في تربية الطلاب وتهذيبهم وتقديم المعلومات إليهم، بالمقابل سيضع الأهل اللوم على واضعي المناهج المكثفة والصعبة والتي يستحيل أن يقدر المعلم على شرحها بشكل وافي لكل الطلاب في الفصل، مع الضغط في أعداد الطلاب، عدم وجود الميزانيات التي تكفي لتأهيل المدارس كما ينبغي، إضافة لمحاولات بائسة وغير صحيحة لتطوير المناهج وإدخال المعلوماتية والتكنولوجيا في المدارس الحكومية دون أن يكون لديهم خطة واضحة وواقعية لتطبيق هذه الخطط.

هل هناك حل؟

يبدو أن التعليم المنزلي بات حلاً جيداً ومناسباً للكثير من الأسر، خصوصاً مع ارتفاع أقساط المدارس الخاصة وتدني مستوى المدارس الحكومية بشكل مرعب، وحاجة الطالب للدروس الخصوصية في النهاية، وعدم قدرة الدولة على إيقافها ومنعها، لكنه لا يغني عن أهمية وجود الطالب ضمن البيئة المدرسية وتعلمه كيف يتعامل مع من حوله بشكل سليم ويقابل كل فئات المجتمع… في كل حال، الطلاب هم الخاسر الأكبر في هذه الدوامة المسماة العملية التعليمية.

4

شاركنا رأيك حول "التعليم المجاني في الوطن العربي: واقع معاش وحقيقة أم مجرد كذبة أخرى؟"