في أول محاضرة لك في تخصص الفيزياء، سيكتب ذلك البروفيسور ذو النظارتين والشارب الكثيف على اللوح عبارةً بالبند العريض: "الحركة والسكون أمران نسبيان". وستتساءل أنت بدهشة البدايات: بماذا تتعلق هذه النسبية؟ إنّ الأمر يعتمد على المرجع الذي اخترناه لدراسة الحركة؛ قد تكون الشجرة متحركة بالنسبة لشخص في الحافلة، لكنّها ساكنة بالنسبة للعمّ أحمد بائع الخضار. بطبيعة الحال، هناك الكثير من المراجع في الفيزياء كلّ حسب الحالة المدروسة لكن هذا المثال يوضّح لنا الأهمية المرجعية في حياة الإنسان، فالمرجع كعكّاز من لا ساق له: يوضح المعالم، ويضع النقاط على الحروف ويبيّن لنا نقطة البدء والمسار نحو محطة الوصول. لكن، ما علاقة كل هذا بفيلم Hichki؟ 

بالنسبة للأطفال الذين هم كطينة طريّة يمكن للمرء أن يشكّلها كما يحلو له، أو كصخرة ينحت فيها المبادئ التي يريد؛ ليشكّل القطع الأولى لفسيفساء شخصياتهم فغالبًا ما يكون المرجع بالنسبة لهم إمّا وسطهم العائليّ من والدين أو إخوة، أو معلميهم. وباعتبار أنّ معظم الوقت الذي يقضيه الأطفال في بلداننا العربية يكون في المدرسة بحجم ساعيّ لا يقلّ عن الخمس ساعات، يمكننا أن نتصور ما يمكن أن يتركه المعلم من أثر في نفسياتهم "إيجابًا" أو "سلبًا" وكيف يمكن أن يكون بالنسبة لهم كنجم الشمال بالنسبة للبحارة؟ 

ما هدف التعليم؟ التطوير المتكامل للشخصية الإنسانية، أم التخصّص الصناعي الدقيق للإنسان العامل؟ - علي عزت بيغوفيتش، هروبي إلى الحرية. 

فيلم Hichki: من قال بأنّ زمن المعجزات قد ولّى؟ 

كيف استطاعت معلمة مصابة بمتلازمة توريت أن تنتقل بأسوأ صف في المدرسة من حفر الإخفاق إلى قمم النجاح؟ إن في ذلك معجزة ما ولو أنّ زمن المعجزات قد ولّى مع الأنبياء والمرسلين. حديثنا عن فيلم Hichki الهنديّ من إخراج سيدهارت مالهوترا - Siddharth Malhotra وإنتاج سنة 2018 والحكايةُ عن المعلمة ناينا ماتور التي تطرق كل أبواب المدارس من أجل تحقيق حلمها في أن تصبح معلمة، لكنّ المدارس ترفضها بسبب معاناتها من متلازمة توريت التي هي عبارة عن خلل وظيفي عصبيّ يسبّب حركات عصبية عفوية لاإرادية، ترافقها أصواتٌ متكرّرة: كيف يمكن لشابة في مقتبل عمرها أن تتحكّم في الأطفال وتحسن أداء عملها على أكمل وجه في حين أنّها لا تستطيع التحكّم في حركات رأسها وصوتها؟ هكذا يمكن أن نتساءل جميعًا، لكنّ بعض الناس بقوة إرادتهم، وإصرارهم الدائم رغم كل الظروف، والمصاعب التي مروا بها هم مدارسٌ في الكفاح. هذا ما يخبرنا به الواقع المعاش بعيدًا عن نداءات التنمية البشرية. 

المعلمة ناينا التي تعاني من متلازمة توريت
المعلمة ناينا التي تعاني من متلازمة توريت

بعد الكثير من التقديم والرفض، يصل لناينا خبر القبول من مدرسة القدّيس نوتكر - St. Notker High School المرموقة، وفي غضون مقابلتها مع مدير المدرسة، يسألها هذا الأخير عن السبب الذي جعلها تصرّ على التدريس رغم ما لاقته من رفض من طرف 13 مدرسة، فتجيب بأنّ سبب إصرارها يعود إلى أنّها رُفضت هي الأخرى من طرف 12 مدرسة، وأنّ إيمانها بضرورة تساوي الفرص بين جميع التلاميذ مهما كانت ظروفهم وأحوالهم الاجتماعية والصحية هو ما جعلها تخطو خطوةً نحو عالم التعليم. وددتُ لو أني لا أحرق عليكم أحداث الفيلم، لكنّ الدروس التي يمكن للمرء أن يستفيدها منه تحتّم علي شيئًا من ذلك؛ فشروع ناينا في التدريس في هذه الثانوية كان نقلةً نوعية من كل النواحي، لأنّ القسم الذي أُسند لها هو قسم 9F المخصّص للضعفاء أصحاب العلامات المتدنية، المنتمين للطبقات الكادحة الفقيرة، الذين تمّ إدماجهم في هذه المدرسة المرموقة بفضل  قانون تساوي فرص التعليم في الهند، وهم يقومون بكل أنواع المشاكسات على سطح المعمورة حتى يجعلوا معلميهم يهربوا منهم. 

 كان تحدّي ناينا كمعلمة هو أن تغيّر في عقليات هؤلاء الأطفال الذين لجؤوا إلى العنف والسخرية والهروب من الدراسة من أجل إثبات أنفسهم لوسط لم يرد تقبلّهم، وتنقذهم من احتمال الطرد، إضافةً إلى ضرورة إثبات نفسها كامرأة جديرة بفعل ذلك رغم المتلازمة التي تعاني منها وكلّ روافدها. المعجزة التي تحدثت عنها في بداية المقال هو أنّ ناينا نجحت رغم كلّ التحديات في نقل القسم من أسوأ صفّ في المدرسة، إلى الأفضل. كيف فعلت ذلك؟ هذا ما يجعل من بعض المعلمين نجومًا. 

فيلم Hichki: ليس هناك طلاّب ضعفاء، ولكن هناك معلمون سيئون!

عندما تهاجم الفيروسات أو البكتيريا أجسامنا، فإنّ الخلايا البائية تقوم بتصنيع الأجسام المضادة التي تقضي عليها، والتي يجب أن تكون متوافقةً مع محدّدات هذه الفيروسات تمامًا مثل القفل والمفتاح، حتى تنجح في ذلك. المعلم الحقيقيّ بالنسبة للتلاميذ هو كالخلايا البائية لأجسامنا، وعليه أن يجد مفتاح القفل المناسب لكلّ طفل؛ لأنّ نفسياتهم تشبه بالضبط ألعاب الأحجية - puzzle ولا يمكن لأيّ قطعة كانت أن تتوافق مع المكان الشاغر. وهذا ما يعدّ أحد الأسباب الرئيسية لنجاح معلمين دون غيرهم في التعامل مع حالاتٍ خاصة من الطلاب؛ إذ يجب عليهم أن يتخلصوا من الفكرة الآسرة التي تخيم في رؤوس الأطفال حول مدى صرامة التعليم، وقساوته، والهوة الكبيرة التي يمكن أن تسببها. يقول البروفيسور والباحث في مجال التعليم أندرياس شلايشر - Andreas Schleicher

في الأمم ذاتِ الأداءِ الأعلى، يرى الطلّاب تعلّمهم ملكًا لهم. 

إنّ المعلم هو حجر الأساس في كلّ هذا، ونجاحه أو فشله هو الذي سيحدّد الكيفية التي سيتأقلم فيها الأطفال مع عملية التعلّم. وهذا ما تلخصه أبرز جملة في فيلمنا: "ليس هناك طلاب ضعفاء، ولكن هناك معلمون سيئون".

بعد أن احتلّت فنلندا المرتبة الأولى في مؤشر بيرسون سنة 2012، تساءل الجميع عن السرّ وراء ذلك. وكان من الصعب تحديد استراتيجية واحدة معيّنة جعلت من نظام التعليم الفنلنديّ أحد أفضل الأنظمة عالميًّا، لأنّ هذا كان نتيجة لجهد متكامل، طويل المدى منذ سنة 2000 ويمسّ جميع المجالات. لكن ذهب محللون إلى أنّ الفضل يعود أساسًا إلى المستوى العالي الذي كان يتمّ على أساسه اختيار المعلمين، وتدريبهم، والإشراف عليهم، ممّا انعكس إيجابًا على أداء التلاميذ.

وبالعودة إلى فيلمنا، بإمكاننا أن نتساءل: لماذا نجحت ناينا في ترويض ذلك القسم ثم تغيير مستواه إلى الأفضل في حين لم ينجح المعلمون الذين سبقوها؟

ناينا وتلاميذها من حفر الإخفاق إلى قمم النجاح
المعلمة ناينا وتلاميذها من حفر الإخفاق إلى قمم النجاح

الأمر مرهون بنقاط عدّة: 

  • أن تنزل إلى مستواهم: كان من المقرّر عقد اجتماع دوريّ بين المعلمين وأولياء الطلبة في المدرسة لمناقشة نقاطهم؛ وقد حضر أهالي تلاميذ الفصول الأخرى ذات المستوى المرموق اجتماعيًّا جميعهُم، لكنّ ناينا انتظرت طويلًا في القاعة دون جدوى؛ إذ لم يحضر من أولياء تلاميذها أحد. هنا، خطر على بال ناينا أن تذهب هي بنفسها إليهم، وتزورهم في حيّهم، وقد سلط الفيلم الضوء على حالة الفقر التي يعاني منها ذلك الحيّ، والحجم الهائل من المسؤولية الواقعة على عاتق تلاميذها وأبويهم من أجل تأمين قوت اليوم. في النهاية وكما يقول كارل ماركس: "تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام" ولم يكن من المتوقع أن يهتم هؤلاء الآباء الكادحون بمصير أطفالهم الدّراسيّ على حساب لقمة العيش في الوقت الذي تعتبر دراستهم ضمن ظروف مشابهة شيئًا من الرفاه. ناينا نزلت "حرفيًا" إلى مستواهم وزارتهم واحدًا واحدًا وتعرّفت على ظروفهم عن كثب، ممّا منحها تصوّرًا أفضل حول الطريقة التي بإمكانها أن توظفها كي تتعامل معهم، لم تنظر إليهم من أبراج عاجية كما يفعل معظم المعلّمين عادةً، ولم تترك هوةً بينها وبينهم؛ فالبذلة الرسمية، والحاجبان المقطوبان، والكرفت وكلّ تصوراتها الذهنية في عقول الأطفال هي ما يشكّل عائقًا يحول دون التفاعل معهم. الحلّ؟ أن تنزل إلى مستواهم حتّى يكون التواصل سهلًا سريعًا، لا تعيقه في منتصف الطريق تردّدات - frequency الخلفياتِ، ولا ضوضاء - noise اختلاف المستويات، وفي حديث نبيّ الإسلام: "... كلّ هيّن، ليّن، قريبِ من النّاس". 
  • أن تعلّمهم الصيد: المفارقة هنا أنّ ناينا على غرار تعليمها الأطفال صيد السّمكة دون منحهم إيّاها، لكنّها فهمت كيف يصيد كلّ أحد منهم السمكة بطريقته الخاصّة. وعرفت من خلال أسئلتها المباشرة وتفطنها لردود فعل الأطفال أثناء المواقف إلى نقطة قوة كلّ واحد منهم. كمثال على ذلك، أنّها طلبت من أحد تلاميذها الذي تفطّنت إلى إتقانه للرياضيات أن يجري لها عمليات حسابية حول القمار وما يمكن أن يكسبه منه، وكان ردّه سريعًا للغاية وصحيحًا، لأنّه كان متقنًا له بحكم طبيعة الوسط الذي يعيش فيه. وكان المطلوب منها أن توجّه موهبته تلك وقدراته في المسار الصحيح. ما أريد قوله هو أنّ الموهبة عند الأطفال موجودة في كلّ الأحوال، لكنّ المعلم الحقيقيّ هو الذي يحسن توظيفها في مكانها المناسب، تمامًا مثل القطار الذي يسلك وجهته في السكّة الحديدية لا على تلال العشب. 
  • أن تدرّسهم في مدرسة الحياة: يُمضي المرء عندنا معظم حياته في المدارس والجامعات، ثمّ يفشل عند أوّل اختبار حقيقيّ له في الحياة. ولهذا تكمن الفكرة في دمج التعليم بالواقع المعاش، والقضاء على القطيعة الكبيرة الحادثة بين ما هو نظريّ، وما هو واقعيّ؛ إذ يرى مؤشر بيرسون لعام 2014 أنّ انفتاح نظم التعليم على حلّ المشكلات والاستمتاع بها هو ما يؤدّي إلى نتائج أفضل. وفي هذا، يقول باسي سالبرج - Pasi Schalberg  أحد أبرز منظّري نظام التعليم الفنلديّ: 

إنّنا نعدّ التلاميذ لتعلم آلية التعلم، وليس للنجاحِ في الاختبارات.

يرينا الفيلم ذلك من خلال كيفية تقديم ناينا لدروسها، تارةً في الملعب، وتارةً بين الشوارع، وكيف تعكس لهم التطبيق الحقيقيّ لكلّ ما يدرسونه من معادلاتِ وتوجيهات في الحياة. لم يكن الهدف من التعليم أن يجعل الأكاديميّ مكتفيًا بصياغة النظريات، منعزلًا عن واقعه كما يحدث عندنا الآن، وإنّما كان الهدف منه أن يُخرّجَ نخبةً من المتعلمين القادرين على حلّ مشاكل مجتمعاتهم؛ ويكمن دور المعلّم في أن يعلم الأطفال كيفية التفكير، وصياغة الفرضيات، وترتيب الاحتمالات، والبحث عن طرق الوصول إلى الحلول العملية، عوض تعليب عقولهم وحشوها بما لا يفيد. يقول الفيلسوف الوجوديّ جان بول سارتر: "لا يولدُ البشرُ أغبياء بل جهلة، ثمّ يجعلهم التّعليم أغبياء".  

  • الذكاء والتفوق أمران مختلفان؟: أيهما أفضل المتفوق أو الذكيّ؟ هذا هو الجدل الذي لم تستطع منظمة الأمم المتحدة أن تفصل فيه إلى الآن، تمامًا مثل الجدل الذي تحدّث عنه رئيس القسم في إحدى مقالاته حول حلاوة الجبن السّورية وما إذا كانت من حمص، أو حماة. أغلب الرّأي أنّه لا أفضلية لأحدهما على الآخر، والفرق الوحيد هو أنّ المتفوق بذل جهدًا أكبر وضّح له بعض المسارات، لكنّ الذكيّ بإمكانه أيضًا أن ينتبه إلى تفاصيل قد تخفى على المتفوق. والأجدر بالمعلم هنا هو أن يحسن التعامل مع كلا الحالتين من خلال استثمار كلّ ميزةِ فيما يناسبها. 

على الهامش: لا تكن معلّمًا مدى الحياة 

فالمعلّم العظيم هو الذي ينجح في أن يحرّر تلامذته من أسلوبه وطريقة معالجته للأمور، وينشئ من كلّ واحد منهم كيانًا مستقلًّا بذاته. في كتابه الأشهر "هكذا تكلم زرادشت"، يطلب الفيلسوف الألمانيّ فريدريك نيتشه على لسان نبيّه من قرّائه ألّا يتبعوه مدى الحياة، فهو لا يودّ أن ينشئ مريدين، بقدر ما يريد أشخاصًا ذوي منهج وتفكير مستقلّين، ويقول: 

إنّها مكافأة رديئة للمعلّم أن يظلّ المرء تلميذًا مدى الحياةِ، فلِمَ لا تريدون تمزيق إكليلي؟ 

الكثير من المعلّمين في أوطاننا العربية خاصةً يجعلون من كلامهم لوحًا محفوظًا لا يمكن له أن يحرّف أو يبدّل. جميعنا درسنا عند أستاذ الرّياضيات الذي لم يمنحنا العلامة الكاملة في الامتحان فقط لأنّنا حللنا المسألة بطريقة تخالف طريقته، ووصلنا إلى النتيجة ذاتها! 

سقراط الذي أسّس لعلم الجدل وحاور السوفساطئيين، كان معلّمًا لأفلاطون الذي أنشأ مدينته الفاضلة، وعلّم بدوره أرسطو صاحب مدرسة الفلسفة المشائية. حقيقة أن لكلّ واحد منهم فضلُ على الآخر، لم تنف ضرورة استقلال كلّ منهم بمنهجه وتفكيره عن الآخر. الإمام مالك مثلًا صاحب الموطّأ والمذهب المالكي المنتشر في المغرب العربيّ كان شيخًا للإمام الشافعيّ المعتمد مذهبه في مصر وبعض من دول المشرق. وقد ورد في الأثر الكثير من الاحترام والتقدير الذي كان يكنّه الشافعيّ لشيخه مالك، لكنّ ذلك لم يمنعه من التأسيس لمذهبه الخاص بعد سفره إلى مصر. 

المعلّم الحقيقيّ يكسب تلامذته المبادئ الأساسية، ويطلق لهم حرية التفكير، دون أن يجعل من تلامذته رهناء الطريقة الواحدة والمنهج الواحد مدى الحياة. 

في الختامِ، شيءٌ من إلهام.. 

لكنّ الاستقلال الذي تحدثنا عنه في الجزء السابق لا ينفي بأن نستمدّ الإلهام من هؤلاء الذين كانوا بالنسبة لنا نجومًا في مواقف الحياة، فبعض النّاس يتركون أثرًا لا يمحى. فيلم Hichki كان تصويرًا جيّدًا للمعلّم الحقيقيّ كما يجب أن يكون في ظلّ مختلف ظروف الحياة، والتي غالبًا ما تكون مليئةً بالتحديّات. أترككم في الختام مع هذا القول الملهم المستمدّ من الفيلم، وأتمنى لكم قراءةً ومشاهدةً طيبتين. 

المعلم العاديّ يقول، المعلّم الجيّد يشرح، المعلّم الممتاز يضرب مثالًا تطبيقيًّا. ولكنّ بعض المعلمين يلهموننا مدى الحياة.