مسرحية الخروج من الجنة: حواء التي ضحت بزواجها من أجل خلود أسطورة الحب

توفيق الحكيم
يارا أبوزيد
يارا أبوزيد

5 د

ينتشر في مجتمعاتنا العربية معتقد خاطئ مفاده أن حواء هي من أخرجت آدم من الجنة، ويُستخدم هذا المعتقد دائمًا للتقليل من المرأة وفي محاولات الاستخفاف بقراراتها أو آرائها فيلقي الرجل هذه الجملة معتقدًا أنه هكذا أنهى النقاش مُنتصرًا، غير مدرك أنه ليس فقط أساء إلى مجتمع النساء كله ولكن أيضًا حرف حقيقة واضحة في القرآن الكريم تنفي عكس قوله كليًا.

وبالرغم أن هذا الافتراض موجود لدى عامة الشعب البسطاء الذين يتناقلون الكلام بدون أي تفكير أو استقصاء، إلا أنه يصبح أكثر إقلاقًا عندما يخرج هذا الكلام من أديب كبير يقرأ له ملايين من مختلف الشعوب العربية ومن مختلف الأجيال وحتى تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى، وهذا ما فعله الأديب توفيق الحكيم في نص مسرحية الخروج من الجنة التي سنعرضها في هذا المقال.


قصة مسرحية الخروج من الجنة

غلاف مسرحية الخروج من الجنة للكاتب توفيق الحكيم

تدور مسرحية الخروج من الجنة للكاتب توفيق الحكيم حول العلاقة الغربية بين الزوجين عنان -التي كتب عنها الحكيم في بداية المسرحية أنه يتمنى لو قابل امرأة مثلها وجهًا لوجه- ومختار. فعنان تعامل زوجها معاملة جافة وترفض أن تبدي له أي شكل من أشكال الحنان أو الألفة، وذلك ليس لأنها تكرهه، بل على العكس فهي تحبه لدرجة أنها تفضل أن يتعذب بحبها وتتعذب هي بفراقه ويصبح عبقريًا على أن يسعدا سويًا ويدفن موهبته -هكذا فسر لنا الحكيم تصرفها.

الحقيقة أنا لا أعرف من أين أبدأ الحديث عن هذا التصرف الغريب وتفسيره الأغرب، لكن سأحاول. أساس وجود هذه المسرحية هو إلصاق تهمة الخروج من الجنة إلى سيدتنا حواء، ولم يكتفِ الحكيم بتصديق هذا الاتهام الباطل بل فسره أيضًا بالطريقة التي تتوافق مع نظرته -المثالية؟- للمرأة التي يرغب في أن يقابلها في هذه الحياة وإيمانه أنها موجودة في مكان ما -على حسب كلامه- فحواء من وجهة نظره أخرجت آدم من الجنة خوفًا من أن يسأمها، أي أن تصرفها كان أنانيًا بحتًا.

ذو صلة

وخطت عنان على درب حواء في هذه المسرحية، فكانت تعامل مختار بجفاء حتى يظل يشتعل قلبه بحبها، وطلبت الانفصال عنه حتى يتفرغ للكتابة مشحونًا بالعذاب الذي يشعر به جراء علاقتهما المضطربة، لكن بالطبع عنان -من وجهة نظر الحكيم- لم تفعل ذلك لمجرد التضحية من أجل مختار بل فعلته حتى عندما ترى نتاجه الأدبي تشعر بزهو أنها هي الذي أوحت إليه بذلك، وأنها هي مصدر إلهامه، وتفرح بأسطورة حبها الخالد.

اقرأ أيضًا:


عدو المرأة

توفيق الحكيم

رائد المسرح في الأدب العربي، ومن أسمائه البارزة التي تركت بصمةً واضحة على المستوى الأدبي والشعبي. سُمي مسرحه بالمسرح الذهني، لأن قصصه تنتقل إلى داخل ذهن المشاهد وتأخذه في تفكيرٍ عميق.
توفيق الحكيم

في بداية قراءتي للكاتب توفيق الحكيم فُوجئت حين عرفت أنه لُقب بعدو المرأة، فكنت أرى أنه يحب النساء بشدة ولكن حين يتعرض للرفض كما في عصفور من الشرق، يبدأ يغضب ويسخر من النساء كلها ويصب عليهم لعناته -كعادة جميع المرفوضين- لكن في حالة مسرحية الخروج من الجنة تجاوز الأمر من رد فعل على الرفض إلى النظر إلى تصرفات النساء من منظور ضيق يتناسب مع ما نرغب في تصديقه بسبب خبراتنا وتجاربنا وليس مع الحقائق.

فمثلًا بدت لي تركيبة شخصية عنان غير مكتملة، فلا يوجد أي تفسير أو سبب لرُعبها من اعتياد زوجها لحبها، كما لو أنها وُجدت فقط لتمثيل نظرة الحكيم لحواء والخوف من انخماد المشاعر -وربما هذا كان خوف يعاني منه الحكيم نفسه-. كانت هذه هي مشكلتها الأبدية، كأنها مراهقة تظل تسأل حبيبها كل يوم إن كان يحبها وهل سيظل يحبها أم لا، لكن حتى ذلك لم تقم به عنان، وإنما اختارت الطريق الأقصر، ولم تخبر زوجها بمخاوفها، بل اتخذت القرار له وعنه.

اقرأ أيضًا: 

  • هل كان سي السيد عدوًّا للمرأة؟ حديث عن شخصية نجيب محفوظ الأبرز

الكاتب التعيس

بجانب النظرة الدونية للمرأة، إلا أن هناك قضية أخرى تطرحها المسرحية وهي العلاقة بين العذاب والإبداع أو الموهبة، فترى عنان أن زوجها لن يصبح كاتبًا عبقريًا إلا إذا تركته وتألم من فراقها، لكن من أن أتي ذلك الإيمان المطلق أن بمجرد أن تتركه عنان حتى تتفجر مواهبه ويصبح كاتب عظيم؟ فماذا لو اكتأب وقرر الرحيل عن الحياة؟ أو ماذا لو استمر في حياته وتزوج ونسى أمرها؟ وهل كان قرارها بتركه بدافع الإيمان بموهبته أم بمبالغتها في تقدير تأثيرها بحياته؟ لكن بالطبع حتى تكتمل المسرحية لم يتم مناقشة هذه الاحتمالات.


ماذا لو كُتبت في عصرنا الحالي؟

تخيلت لو أن مسرحية الخروج من الجنة للكاتب توفيق الحكيم قد صدرت في عصرنا الحالي، لكان انقسم القراء إلى فئتين، فئة من مهووسين السوشيال ميديا وخاصة الذين ينشرون صور الفنان فان جوخ وعبارات مثل أن الإبداع لا يخرج سوى من رحم المعاناة، والجحيم هو الآخرون يا صديقي، وأنا لست صديقك. فهؤلاء الأشخاص -وأنا كنت منهم منذ بضع سنوات- يبحثون عن المعاناة والوحدة وكل المشاعر السلبية الممكنة معتقدين أن هذا هو سلو التميز والعبقرية -مع عدم وجود أي أدلة علمية تربط الإبداع بالاضطرابات النفسية– وحتى قد يبحثوا عن عنان هذه لتخلق لهم المشقة الكافية لتمهيد مولد العظمة.

أما الفئة الثانية فهي مجموعة من السيدات الغاضبات -وأنا منهم- تصف ما فعله توفيق الحكيم في هذه المسرحية بـ Manspalining وهو مصطلح يصف تفسير الرجال لما يفترض أن تشعر به المرأة أو تعيشه من وجهة نظره، فمن أين جاءت معرفة الحكيم بما يدور في ذهن حواء؟ وهل على الجنة قد توجد مشاعر كالملل أو الخوف؟ ولماذا لم تحادث حواء آدم بما يشغل بالها؟ هناك العديد من التساؤلات غير المجابة، والنظرات السطحية للأشخاص وأفعالهم لا تليق بمن كتب أهل الكهف والملك أوديب.

اقرأ أيضًا:

  • مسرحية أهل الكهف: هل نعيش جميعًا في كهف كبير؟

قد يبدو مما كتبت أنني أعادي توفيق الحكيم -عدوة الحكيم مثلًا؟- لكن على العكس فيرجع له الفضل في حبي للقراءة بنسبة كبيرة، وما زلت أقرأ له وأنبهر بإبداعه الأدبي وحبه للفن، لكن هذا لا يمنع أن أرفض بعضًا مما كتبه بدافع أنه أفضل من ذلك بكثير، وبقية أعماله تشهد بذلك.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة