0

“عالم مخادع كذاب”

ربما تصف هذه العبارة وسائل التواصل الاجتماعي باختصار. إنها عالم افتراضي، أي ليس واقعيًا، لكن ما فيه يوحي بالواقعية، والحقيقة أنه عالم مخادع كذاب. منذ أن انطلق الفيسبوك، حدثت ثورة في وسائل التواصل الاجتماعي، بالرغم من أنه ظهر بعد عدة وسائل للتواصل الافتراضي، مثل ماي سبيس وفريندسيتر وغيرهم.

في يوم 4 أكتوبر 2021، حدث عُطل في جميع منتجات شركة فيسبوك (موقع فيسبوك – واتساب – انستغرام) على مستوى العالم لمدة 6 ساعات تقريبًا. وهذا لم يحدث منذ 2008. كان الأمر ملفتًا لدرجة كبيرة، ما يعني أنّ هذه الوسائل لها دور محوري في حياتنا – للأسف – وعلى الصفحة الرسمية لمجلة “أراجيك” عبر فيسبوك، طرحنا سؤالًا على جمهورنا العزيز، وهو “ماذا فعلت أثناء عُطل الفيسبوك أمس؟“.
جاءت بعض من الإجابات المازحة، هناك من ذهبوا إلى تويتر ووسائل التواصل الأخرى، وكثير من المتابعين عرضوا إنجازاتهم، وأبدوا إعجابهم بما حققوا أثناء هذا العطل الذي أعادهم للحياة الواقعية دون تشتيت. ما حدث في هذا اليوم طرح سؤالًا مهمًا، وهو..

ماذا سيحدث إذا اختفت وسائل التواصل الاجتماعي؟

لن يكون العالم قرية صغيرة

لدي أصدقاء من سوريا ولبنان والأردن واليمن والمغرب وتونس والجزائر وبعض الدول الأوربية، كل هؤلاء تعرفت عليهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي هذا، استطعت رؤية ثقافتهم من خلال أعينهم، حتى وإن لم أزر تلك البلاد، وهذه فائدة كبيرة لوسائل التواصل الاجتماعي التي تقرب المسافات بين الشعوب المختلفة. لا يقف الأمر عند التبادل الثقافي، إنها تساعد ذوي الاحتياجات الخاصة على التواصل مع ذويهم ليدعموا بعضهم.

وداعًا للمقارنة

ثَبُت أنّ وسائل التواصل الاجتماعي أداة فعّالة لخلق الكراهية والغيرة بين الناس، حيث يستعرض كثير من المؤثرين إنجازاتهم ولا ينشرون المواقف السيئة في حياتهم، فيظهرون في صورة مثالية – دون قصد منهم – يثيرون غيرة الآخرين، ما يتسبب في تأثر بعضهم ويتدنى مستوى احترام الذات لديهم. عند اختفاء وسائل التواصل الاجتماعي، ستنتهي حالات الاكتئاب الناتجة عن هذه المقارنات، ويزداد الرضا عن الحياة الواقعية وتقبّل الذات.

لا لحوادث الطريق

في أكتوبر 2021، أُجري مسح في الولايات المتحدة الأمريكية، وأشار إلى أنه 1 من ضمن 4 سائق يفتحون وسائل التواصل الاجتماعي أثناء القيادة! و50% ممن سُئلوا تعرضوا لحوادث نتيجة التشتت. ةهذه حقيقة مؤلمة، حيث يفقد كثير من الناس قدرتهم على التركيز بسبب التحقق من وسائل التواصل أثناء القيادة، كم من مرة شاهدت رجل يقود سيارة وينظر في الهاتف!

نقلًا عن صحيفة “نيويورك تايمز” في إحدى المرات، كانت هناك طفلة في عمر الثانية، تتحرك بها أمها في الشارع بإحدى مقاطعات الصين، وقفت الأم للتحقق من وسائل التواصل، وإذ فجأة، أتت سيارة ودهست الطفلة دون انتباه والدتها. وقتها انتشر الفيديو على وسائل التواصل وثار الناس ضد الأم. (قصة حقيقية)

تختفي المواعدة الافتراضية

تنتشر تطبيقات المواعدة الافتراضية، ويستخدمها كثير في الناس للبحث عن الشريك، وتنجح أغلب هذه المواعدات وتنتهي بالزواج بنسبة 12%. بمجرد اختفاء وسائل التواصل الاجتماعي، تستطيع قول لا لهذا النوع من المواعدات، وغالبًا ستُضطر للطرق التقليدية للمواعدة. أجل، تلك التي تحدثت عنها روايات الحب والرومانسية القديمة.

أهلًا بالتعليم التقليدي

بعد انتشار جائحة كورونا، توجه العالم للتعليم الإلكتروني، وصار التواصل بين المعلم والطلاب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. في دراسة نُشرت عام 2020 في مجلة “Smart Learning Environments”، اتضح أنّ استخدام الطلاب لوسائل التواصل الاجتماعي أثناء العلم كان له أثر إيجابي على مستوى الإبداع وصار الطلاب أكثر قدرة على تحصيل المواد الدراسية. بالرغم من الفوائد الكثيرة للتعليم في المدارس على أرض الواقع، إلا أنه لا يمكن غض الطرف عن فوائد التعليم الإلكتروني، التي سيُحرم منها الطلاب.

سيعود التوظيف إلى حظيرة الواقع

في 2021، نُشر استطلاع أجرته “Job Description Library”، لمعرفة مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على عملية التوظيف. اتضح أنّ 91% من أقسام الموارد البشرية (HR)، يبحثون عن وسائل التواصل الاجتماعي للمرشحين ويدققون في منشوراتهم ومن خلالها يحددون ما إذا كانوا صالحين للعمل أم لا. حتى إنّ بعض الموظفين قد يُطردون من العمل بسبب منشوراتهم وطرائق تفاعلاتهم.

لا للتشهير..لا للتأثير

لعلك سمعت عن إندومي وما انتشر حولها من إشاعات خاصة بأنها تسبب مرض السرطان. حسنًا، ربما يكون هذا صحيحًا أو لا. ليس موضوعنا هنا، لكن هل تساءلت كيف انتشرت هذه الإشاعة؟ نعم، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ربما لم يؤثر هذا على الناس وما زالوا يستهلكوها حتى اليوم، لكن هناك بعض الماركات والمنتجات الأخرى التي تعرضت للتشهير من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وابتعد عنها الناس بالفعل، بسبب هذه السمعة السيئة. على الصعيد الآخر، يتعرض كثير من المؤثرين والمشاهير للقصف عبر وسائل التواصل، خاصة الفيسبوك، حتى أطلق الفيسبوك خدمة التحقق من المعلومات من فرط الإدعاءات الكاذبة المنتشرة عبر المنصة.

من ذلك نخلص إلى أنّ وسائل التواصل الاجتماعي لها سلطة كبيرة على عقول الناس، وهذا ما حدث في موقف “Gamestop“، عندما غرد إيلون ماسك في 26 يناير 2021، قائلًا “Gamestonk”، ما تسبب في رفع أسهم الشركة بطريقة لم يسبق لها مثيل. نفس لأمر عندما غرد نفس الشخص المحبوب قائلًا: “Use Signal”، تسببت هذه التغريدة في رفع أسهم شركة سيجنال، وفي المقابل خسر واتساب! كان لهذه المواقف ضجة كبير في بداية 2021، وأثبتت مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على البيزنس عمومًا. إذا اختفت وسائل التواصل، لن تحدث مثل هذه المواقف، وسيصعب التشهير، وإذا حدث، سيكون عبر وسائل الإعلام، وهي ضيقة النطاق بعض الشيء وتأثيرها ليس مثل وسائل التواصل.

نعم للغموض.. من أجل الخصوصية

سأخبرك بسر. عادة ما ينجذب الناس للشخص الغامض الصامت القامت، الذي لا يتحدث كثيرًا. والهدف من وسائل التواصل الاجتماعي في الأساس هو مشاركة أخبار الحياة مع الأصدقاء والعالم عمومًا، عندما تكشف للناس كل تفاصيل حياتك من خلال وسائل التواصل، سينتهي شغف الناس بك، لن يجدوا شيئًا مميزًا عند متابعتك. إطلاعهم على الحياة الشخصية قد يؤثر على المحتوى الذي تقدمه. لذلك، تجد أغلب المؤثرين الناجين لا يكشفون أسرار حياتهم الشخصية على مواقع التواصل، بل يوجهون المتابعين إلى المحتوى الذي يقدمونه فقط، ما يجذب المزيد من الناس إليهم. إذا اختفت وسائل التواصل، ستعود الخصوصية لأغلب مستخدمي وسائل التواصل لنشر حياتهم الشخصية.

تصاميم غير محدودة لديكورات المنزل

في الماضي، كان الناس يستخدمون كتالوجات ديكورات المنازل للعثور على التصميم الأنسب لهم، لكن اليوم، وفي وجود منصة تسمى انستغرام، تغير الوضع، فالانستغرام مصمم خصوصًا لعرض الصور فقط (حتى إنه لا يدعم فتح الروابط)، اليوم يستطيع الناس الاطلاع على عدد ضخم من التصاميم، وهنا ميرزة تعدد الخيارات، وعيب التشتت بين هذا الكم الهائل من الخيارات، لكن لا بأس، على كل حال، اختفاء وسائل التواصل قد يتسبب في تحديد الخيارات أمام الناس عند الرغبة في إنشاء تصميم جديد للمنزل.

إضافة إلى ذلك، سيصعب الاطلاع على أذواق الثقافات الأخرى في التصاميم، ما يسبب حالة مثل الإنغلاق، مثلًا، كتالوجات الديكورات الألمانية، يصعب الحصول عليها إلا من خلال وسيط، أي لا تستطيع أي طبقة الحصول على هذه الصور، وتصبح حكرًا لطبقات محددة، لكن مع وجود الانستغرام، صارت هذه الصور متاحة أمام الجميع حول العالم، يكفي فقط أن تمتلك حسابًا على الانستغرام وتبدأ في البحث.

عودة موفقة للصحف والمجلات المطبوعة

في 2021، صدر استطلاع عن مركز “Pew” للأبحاث، يشير إلى أنّ 86% من البالغين بالولايات المتحدة الأمريكية يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الأخبار، وهناك نسبة 5% من الناس يفضلون الصحف المطبوعة للحصول على الأخبار. لكن في كثير من الأحيان، لا تكون هذه المعلومات صحيحة، لذلك فإنّ اختفاء وسائل التواصل الاجتماعي، ستجبر الناس على متابعة الصحف المطبوعة.

قليل من الوقت الضائع.. كثير من الإنتاجية

بلغ متوسط الوقت الذي يقضيه البالغين على منصات وسائل التواصل في 2021 نحو ساعة و35 دقيقة. وإذا اختفت هذه المنصات، سيُوجه الوقت إلى العمل والإنتاجية، ويقل الوقت الضائع دون جدوى في متابعة أشياء غير مهمة.

تقل العزلة لبعضهم وتزداد لأصغرهم

يشعر الشباب الصغار بالوحدة والعزلة عندما يستخدمون وسائل التواصل لفترة طويلة. بينما تقل هذه العزلة عند المسنين والبالغين بدءًا من فترة منتصف العمر، حيث يجدون في وسائل التواصل عالمًا صحيًا، يقلل من شعورهم بالعزلة.

ستجد السعادة طريقها إلينا.. أو سنجدها نحن

يشعر كثير من مستخدمي وسائل التواصل بالحزن عند التمرير في المنصات المختلفة ورؤية نجاحات الآخرين، ما يفتح الباب أمام المقارنة من جديد، وقد يتطور الأمر إلى حقد، بدلًا عن التفاعل مع صاحب المنشور ومشاركته سعادته. وإذا اختفت هذه المنصات، لن يشارك الناس أي إنجازات مع الجميع، بل مع فئة محددة، وغالبًا ستكون الأهل والأصدقاء، ويتبادلون معنا السعادة – غالبًا – ويصبح التفاعل واقعيًا وأكثر دفئًا.

أصدقاء على أرض الواقع

سؤال بسيط، أترك إجابته لك.. ما مفهومك للصداقة؟ في كثير من الأحيان، يخلط الناس بين قائمة الأصدقاء عبر فيسبوك أو المتابعين على تويتر والأصدقاء الواقعيين الذين يقابلهم أو يتحدث معهم باستمرار. إذا اختفت وسائل التواصل حقًا، ربما تجد 3 أو 4 من قائمة أصدقاء الفيسبوك يتواصلون معك وتقابلهم.

ندخر أموالنا بصورة أفضل

واحدة من أهم استراتيجيات التسويق الإلكتروني هي اللجوء إلى المؤثرين لاستخدام المنتجات في فيديوهات أو كتابة منشورات عن تجربتهم مع المنتج، فيتشجع المتابعين، ويشترون المنتج.

عام 2019، أُجري مسح في الولايات المتحدة الأمريكية، وخلص إلى أنّ ⅓ الأمريكيين، ينفقون أموالًا كثيرة في المنتجات التي يسوق لها المأثرون، فقط للشعور بأنّهم لم يفتهم المتعة.

مزيد من الوقت مع العائلة والأصدقاء

تستطيع وسائل التواصل دفع المرء للانخراط في حياة الآخرين، ويتطمئن عليهم عن بعد، ما يقلل فرص المقابلات الأسرية، حيث يظن أنه طالما يراسلهم من خلال منصات التواصل، فلا حاجة للمقابلات. وهذا يؤثر على العلاقات نوعًا ما.

لا حاجة لتنبيهات الفيسبوك لأعياد الميلاد

فقط جرب حذف يوم ميلادك من الفيسبوك، وانظر كم عدد المهنئين يومها. صدقني ستتفاجئ، ربما لن يتذكر أخوتك! عند اختفاء وسائل التواصل، سيتعين عليك حفظ تواريخ ميلاد أصدقائك كما في السابق، وستكون العلاقة أقوى.

وأخيرًا.. عندما اختفت منصات التواصل (فيسبوك، واتساب، انستغرام) لسِت ساعات فقط، قام الناس بقوة واهتم الجميع، ما يعني أنّ هذه المنصات أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا – للأسف – لكن أعرب العديد من الناس عن إعجابهم بالوقت الذي قضوه بعيدًا عن السوشيال في تلك الأثناء، ما يعني أنّ اختفاءها، ليس ضارًا لهذا الحد. ربما تؤثر على بعض المهن المعتمدة عليها فقط.

0

شاركنا رأيك حول "كيف ستكون حياتنا إذا اختفت وسائل التواصل الاجتماعي؟"

أضف تعليقًا