المثلية الجنسية
3
منذ عام 1973 عندما أزالت الجمعية الطبية للأطباء النفسيين وكذلك جمعية علم النفس الأمريكية – American Psychological Association المثلية الجنسية من ضمن لائحة الاضطرابات العقلية والأمراض النفسية، قامت الجمعيتان بنشر تقارير علمية تحاولان فيها التوصل لأسباب علمية، إلا أن أهم ما أثبتتاه في هذه التقارير هي أن المثلية لا يمكن أن توصف بالاضطراب العقلي، أما الأدلة العلمية التي قُدمت فكانت ركيكة للغاية حينئذ.

استشهدت الأوراق العلمية الخاصة بالـ APA بنظريات قديمة، كنظرية التحليل النفسي لفرويد والتي قد ثبُت أنها لا تستند لأي علم تجريبي يمكننا أن نقيم عليه “نظرية” علمية، جعل هذا العديد من العلماء يتهمون الجمعية بالانحياز السياسي، إلا أن الموجة الإعلامية قد حالت بين الفحص العلمي البحت لتلك التقارير حتى أنها لم تُفنَّد بالكامل إلا في ورقة علمية نُشرت منذ 5 سنوات[1] فقط، فماذا يقول علم اليوم؟

خرافات شائعة عن الجنس.. زرعتها أوهام المجتمع!

ما يقوله علماء الأحياء حول المثلية الجنسية

“المثلية الجنسية ليست مرضًا، إنها جزء من التنوع البشري الطبيعي. أعتقد أننا وصلنا بالفعل إلى نقطة أننا لدينا أدلة كافية على أن هناك أسسٌ بيولوجية للتوجه الجنسي”.
– مارجريت مكارثي، عالمة الأعصاب في جامعة ماريلاند في حديثها لصحيفة The Scientist.[2]

homosexuality
ماذا لدى العلم الحديث لقوله عن المثلية الجنسية – عالمة الأعصاب مارجريت مكارثي

غالبًا ما ينطلق تفسير البيولوجيين -وسنحاول ذكر تفسيرات أخرى بالطبع- للمثلية الجنسية من كونها سمة غير بشرية بالأصل non-human feature فالعديد من الحيوانات -الأغنام على سبيل المثال[3]– عندها توجه جنسي مثلي، قد يأتي هنا أحدٌ ليعترض: هذه الحيوانات قد لا تفرق بين الذكر والأنثى، أو قد تقوم بهذا السلوك ثم تتزاوج بشكلٍ طبيعي. إلا أن دراسة نشرت عام 2004 بمجلة Endocrinology، وهي مجلة تدرس الهرمونات التي تفرزها الغدد الصماء (كالهرمونات الجنسية)، أظهرت أن السلوك المثلي عند الأغنام يفضل تمامًا الأغنام الذكور على الإناث، ولا يقرب الإناث[4].

هل كانت هذه مجرد ملاحظة؟ لا. قام العلماء بفحص جميع الخراف التي كانت بالتجربة ووجدوا مجموعة غير منظمة من الخلايا العصبية في منطقة تحت المهاد- hypothalamus- أطلق العلماء عليها اسم “ovine sexually dimorphic nucleus” ووجد الباحثون أن الخراف التي فضلت الإناث كانت تحتوي على نسبة كبيرة جدًا من تلك الخلايا في تلك المنطقة بينما الخراف التي تفضل الذكور كانت نسبتها أقل بشكلٍ ملحوظ، بالإضافة إلى ذلك، وُجد أن الخراف التي تفضل الذكور لديها نسب أقل من الأروماتاز – Aromatase وهي مادة تعمل في الخراف على تحويل التستوستيرون إلى استراديول (استروجين) ليتمكن هرمون الأندروجين (مكمل الستيرويدات المسؤولة عن نمو الأعضاء التناسلية) من استكمال خلق السلوك الجنسي الذكري. إذًا فهناك تأثير بيولوجي أو قد يكون هرموني أدى لجعل تلك الخراف تنجذب للذكور دون الإناث.

علم الجينات أو ما فوق الجينات

إذًا هل هناك “جين مثلي” يمكننا أن نقوم بتحديده والكشف عنه في حال إذا ما أردنا معرفة إذا كان الفرد مثلي أم لا؟

يدرس علم التخلق أو علم ما فوق الجيني – Epigenetic التغيرات التي قد تحدث في التعبير الجيني – Gene expression الخاص بالشفرة الوراثية والذي ينجم عادة عن تغيرات في تسلسل الحمض النووي (ويحدث هذا عادة أثناء فترة الحمل أو ما بعد الولادة، لذلك يطلق على هذا العلم “المافوق جيني”) والتي- كما يرى بعض العلماء- قد تكون مسؤولة عن السلوك الجنسي المثلي[5].

المثلية الجنسية
المثلية الجنسية وعلم التخلق

دراسة التوأم

يهتم باحثو علم التخلق الجيني جدًا بدراسات التوائم خصوصًا المتماثلة جينيًا منها، فإذا كانت جيناتهما متطابقة (عند الولادة على الأقل) فإن ذلك يعني أنهما متشابهان في الخصائص الجينية، وإذا كانت المثلية سلوكًا جينيًا فيجب أن يتبعه كلاهما، إلا أن هذا لا يحدث في أغلب دراسات التوائم القديمة، التي وجدت أنه غالبًا ما يكون 20% فقط من التوائم متبعين للسلوك المثلي (إن كان هناك مثلية).

ولكن في دراسة حديثة نُشرت في أكتوبر 2015 في مقر الجمعية الأمريكية لعلم الوراثة American Society of Human Genetics وجدت أن بعض التغيرات والتأثيرات اللاجينية – epigenetic effects تؤثر بشكلٍ ملحوظ على التوجه الجنسي للفرد[6].

بدأ البحث عن جين المثلية الجنسية منذ عام 1993 عندما أفاد عالم الوراثة دين هامر مع فريق آخر من الباحثين بالمعهد الوطني للسرطان أن هناك جين أو أكثر يتسبب في السلوك المثلي موجود في المنطقة الكروموسومية Xq28 واستند فريق هامر على ذلك على مجموعة من التجارب قارن فيها بين جينات أُناس مثليين وجينات أخرى لمغايرين، إلا أنه بعد عام من التجربة حاول علماء إعادتها للتحقق وحينئذ لم يعثروا على نفس النتائج التي عثر عليها هامر، وهذا أيضًا ما حدث مع فريق هامر عندما حاول إعادة التجربة على عينة أكبر بعشر مرات[7].

المثلية الجنسية
الكروموسوم xq28 الذي كان يُعتقد أنه سبب المثلية الجنسية

عندما لم تجدِ هذه الأبحاث نفعًا رأى العلماء أن الأمر متعلق فعلًا بالتخلق، عندما تتعرض الكروموسومات لتغييرات كيميائية (كأن تعرض قواعد البيورين للأشعة فوق البنفسيجة أو أن يلطخ الحمض النووي ببروميد الإيثيديوم وغيره من الأسباب)، وجد العلماء أن بعض هذه التغيرات قد يورث من الأب والأم إلى الأبناء[8].

وهنا رأى ويليام رايس، عالم الوراثة التطورية بجامعة كاليفورنيا، أن هذه التغيرات التي تورث قد تكون السبب الحقيقي وراء السلوك المثلي، كما اقترح في ورقة علمية بعام 2012[9] في بحث حيال النتائج الهرمونية التي قد تنتج حيال تلك التغييرات الكيميائية في الجينوم، هذه النتائج الهرمونية إذًا قادرة على التأثير على حساسية الجنين لهرمون التستوستيرون في الرحم، لذلك فإن الرحم قد يحول، أو كما يقول فريق رايس، قد تُذكر (masculinize) الإناث أو قد تؤنث (feminize) الذكور ما يؤدي إلى اتباعهم السلوك المثلي.

تاك نجون، عالم وراثة، قد ألهمته دراسة رايس ومثيلاتها، لذا قام بدراسة فريدة من نوعها لدراسة المثلية في 140,000 منطقة جينية في الحمض النووي الخاص بـ 37 زوجًا من التوائم المتماثلة للذكور المتعارضين جنسيًا (أي أنهم توأم أحدهما مثلي الجنس والآخر مغاير) وكذلك 10 آخرين من التوائم الذين كانوا كلاهما مثليي الجنس. وبعد مراحل كثيرة من التحليل وجد نجون أن هناك 5 مناطق في الجينوم مرتبطة للغاية بالتوجه المثلي ترتبط بوظائف أخرى: كالتواصل العصبي والمناعة.

لاختبار مدى أهمية المناطق الخمس في تحديد السلوك الجنسي، قام فريق نجون بتقسيم التوأم المتعارضين (أحدهم مثلي والآخر لا) إلى مجموعتين لدراستهم، ودرسوا في واحدة منهما فقط التغيرات اللاجينية epi-marks التي كانوا قد حددوها من قبل في المناطق الخمس، ثم قاموا بمقارنتها مع المجموعة الثانية للتحقق من النتائج، وجدوا أنها مطابقة بنسبة 70%[10].

ما يقوله علم الأعصاب عن المثلية الجنسية

في عام 1991 نشر عالم الأعصاب البريطاني الأمريكي سيمون ليفاي دراسة يدرس فيها الاختلافات الهيكلية structural difference بين الرجال المثليين والمغايرين.

درس ليفاي مجموعة من الرجال المغايرين والمثليين، ودرس تحديدًا الأنسجة الدماغية brain tissues عندهم بعد الوفاة، ليجد أن هناك أربع مجموعات من الخلايا بمنطقة تحت المهاد الأمامية interstitial nuclei of the anterior hypothalamus (وهي منقطة مرتبطة بالفعل بتنظيم السلوك الجنسي الذكري) وجد أن تلك المجموعات الأربعة أكبر بحوالي مرتين عند الرجال المغايرين من الرجال المثليين[11].

المثلية الجنسية منطقة تحت المهاد
ماذا لدى العلم الحديث لقوله عن المثلية الجنسية – منطقة تحت المهاد

إذًا فهناك اختلاف في التشريح العصبي بين الرجال المغايرين والمثليين كذلك. ومن هنا انطلقت العديد من الدراسات التي تبحث في الناحية العصبية التي قد تؤدي إلى التوجه المثلي، على سبيل المثال دراسة من معهد ستوكهولم نشرت بعام 2004، وجدت أن هناك تشابه عجيب بين هيكلة الدماغ بين الرجال المثليين والنساء المغايرات، وكذلك بين النساء المثليان والرجال المغايرين[12]، يُذكرنا هذا مرة أخرى بدراسة ويليام رايس عام 2012 التي قد ذكرت مثال “تذكير” الأنثى و”تأنيث” الذكر.4

سؤال وجواب: ردًا على أبرز تعليقاتكم عن نظرية التطور

ماذا عن نظرية التطور؟

قد يستغرب الكثيرون من أن تكون نظرية داروين مدخلًا آخر لتفسير المثلية الجنسية، لكننا لا نتحدث هنا عن نظرية تشكل الأنواع وتطورها بالارتقاء، بل إحدى آليات هذه العملية وهي الانتقاء الطبيعي Natural Selection. كنت قد تحدثت في مقال سابق عن كيف قد تعمل هذه الآلية على تحديد السلوك البشري، يمكنك مطالعته.

القرد العاري: هل تستبدل نظرية التطور علم النفس والاجتماع؟

كي نفهم التفسير التطوري للمثلية نحتاج أن نلقي نظرة سريعة على نظرية عالم الأحياء التطوري الإسرائيلي أموتز زهافي التي قدمها في ورقته الشهيرة “Mate selection-a selection for a handicap”. أطلق زهافي مبدأًجديدًا في علم الأحياء التطوري يعرف اليوم باسم مبدأ الإعاقة handicap principle يحاول زهافي أن يفسر فيه السلوكيات التي قد تبدو لنا سلوكيات ضارة إلا أنها مفيدة في الواقع.

أموتز زهافي
أموتز زهافي – ماذا لدى العلم الحديث لقوله عن المثلية الجنسية؟

على سبيل المثال ظاهرة الـ sight slow وهذه ظاهره رصدها زهافي عند العديد من السنوريات والغزلان وهي تحدث عندما يقع الحيوان أمام مفترس، على سبيل المثال أسد رأى غزالًا، بدلًا من أن يهرب الغزال فورًا فإنه يقوم بالـ sight slow ويظل ماكثًا في مكانه دون حركة، وهذه هي الإعاقة principle التي قد تبدو لنا سلوكًا يضر من النوع، فالغزال أولى بأن يهرب في تلك الثواني القليلة، إلا أن زهافي قد وجد أن هذه الثواني التي يقف فيها ساكنًا توفر عليه الكثير، فهو غالبًا ما يستخدمها عندما يكون بعيدًا كفاية عن المُفترس، وعندما ينظر المفترس إليه أكثر فإنه يعلم أن الغزال سيهرب منه، أو بلغة أخرى فإن الغزال يقول له: أنظر أنا قوي وسأهرب منك ببساطة، جاذف إذا كنت تريد.

ما علاقة كل هذا بالمثلية؟ حسنًا إن المثلية الجنسية تظهر غالبًا كسلوك إعاقة مثل سلوك الغزال تمامًا، فهو يقلل من النسل البشري عندما لا يتزاوج الذكر مع إناث مثله، فكيف استمر حتى الآن؟

سنستند أولًا لدراسة بيولوجية على مجموعة من قردة البونوبو والتي وجدت أن القرود التي تسلك سلوكًا مثليًا غالبًا ما تكون في قمة الهرم الاجتماعي، ويحدث ذلك بسب أنها غالبًا ما تتقرب من أقاربها من القرود كأولاد عمها، ويعمل ذلك بشكل كبير على رعاية أبناء الأقارب من الأطفال.

إذًا قد تكون مثلية هذه القرود فائدتها هي الاهتمام والتركيز على نسل جديد لمساعدته في البلوغ بشكل أفضل، وقد تأكد الباحثون من هذا في دراسة في دولة سامو عام 2007 وجدت أن الرجال المثليين يقضون وقتًا أطول من الرجال العاديين مع أطفال إخوانهم، كما يحدث تمامًا مع القرود[13].

والدراسة الحاسمة التي تؤكد هذه النظرية: هي دراسة[14] نُشرت عام 2004 تدرس نسبة الخصوبة في العائلات التي يوجد فيها فردٌ مثلي الجنس، وجدت الدراسة أن العائلات التي يوجد بها شخص مثلي واحد عادة ما تكون نسبة خصوبة الإناث فيها مرتفعة للغاية، أي أنهن ينجبن أطفالًا بشكلٍ أكبر، قد يكون هذا مرتبطًا جدًا برأي مبدأ الإعاقة، بأن هدف المثلية الانتقائي هو رعاية الجيل الجديد من الأطفال.

جرائم الكراهية: حجر الرحى التي تدور فتلتهم الجميع!

مصادر

[1] Kinney RL 3rd. Homosexuality and scientific evidence: On suspect anecdotes, antiquated data, and broad generalizations. Linacre Q. 2015;82(4):364-390. doi:10.1179/2050854915Y.0000000002
[2] Sabrina Richards. Can Epigenetics Explain Homosexuality? (Jan 1, 2013) on The Scientist Journal. Link: https://www.the-scientist.com/news-opinion/can-epigenetics-explain-homosexuality-39984
[3] Oregon Health & Science University. “Biology Behind Homosexuality In Sheep, Study Confirms.” ScienceDaily. ScienceDaily, 9 March 2004.
[4] https://www.medicalnewstoday.com/articles/scientists-discover-key-brain-enzyme-controlling-sexual-desire-in-males.
[5] William R. Rice, Friberg, Urban and Sergey Gavrilets. “Homosexuality as a Consequence of Epigenetically Canalized Sexual Development.” The Quarterly Review of Biology 87.4 (2012): n. pag. Print. PMID 23397798 doi:10.1086/668167
[6] Michael Balter. Homosexuality may be caused by chemical modifications to DNA. (8, Oct. 2015) on ScienceAAAS . doi:10.1126/science.aad4686
[7] DH Hamer, S Hu, VL Magnuson, N Hu, AM Pattatucci, A linkage between DNA markers on the X chromosome and male sexual orientation. Sciencemag Vol. 261, Issue 5119, pp. 321-327 DOI: 10.1126/science.8332896
[8] Jocelyn Kaiser, The Epigenetics Heretic. (24 Jan 2014). Sciencemag Vol. 343, Issue 6169, pp. 361-363 DOI: 10.1126/science.343.6169.361
[9] Rice, William R., et al. “Homosexuality as a Consequence of Epigenetically Canalized Sexual Development.” The Quarterly Review of Biology, vol. 87, no. 4, 2012, pp. 343–368. JSTOR, www.jstor.org/stable/10.1086/668167. Accessed 31 Oct. 2020.
[10] Michael Balter. Homosexuality may be caused by chemical modifications to DNA. Ibid.
[11] S LeVay. A difference in hypothalamic structure between heterosexual and homosexual men. (30 Aug 1991) Sciencemag. Vol. 253, Issue 5023, pp. 1034-1037 DOI: 10.1126/science.1887219
[12] Ivanka Savic and Per Lindström, PET and MRI show differences in cerebral asymmetry and functional connectivity between homo- and heterosexual subjects. (8 July 2008) PNAS. https://doi.org/10.1073/pnas.0801566105
[13] Kin selection and male androphilia in Samoan fa’afafine. Evolution and Human Behavior Volume 28, Issue 3, May 2007, Pages 159-167.
[14] Camperio-Ciani A, Corna F, Capiluppi C. Evidence for maternally inherited factors favouring male homosexuality and promoting female fecundity. Proc Biol Sci. 2004 Nov 7;271(1554):2217-21. doi: 10.1098/rspb.2004.2872. PMID: 15539346; PMCID: PMC1691850.

3

شاركنا رأيك حول "المثلية الجنسية والعلم.. كل ما تحتاج أن تعرفه حول رأي العلم في المثلية الجنسية"

أضف تعليقًا