من المعروف أن المصريين القدماء أشهر من استخدم أسلوب التحنيط لحفظ الجثث بعد موتها، وخاصةً جثث الفراعنة وذلك لاعتقاداتٍ دينيةٍ كانوا يؤمنون بها في تلك الفترة، وأشهر دليلٍ هو العثور على المومياء في مُختلف المقابر الفرعونية القديمة حتى أصبحت رمزًا يُشير إلى الفراعنة بمجرد رؤيتها.

لكن هذا لا يعني أن بقية الحضارات لم تعرف التحنيط، فقد اعتمد الصينيون واليونانيون عليه للحفاظ على جثث الشخصيات المهمة والمقدّسة لديهم أطول فترةٍ ممكنةٍ قبل دفنها مُستخدمين موادًا خاصةً.

تعريف التحنيط

هو معالجة الجسم الميت ببعض المواد لتعقيمها أو حمايتها من التفكك والتحلل، ولأسبابٍ دينيةٍ بحتةٍ حظيت فكرة الحفاظ على الأجساد بعد الموت باهتمامٍ كبيرٍ منذ فترةٍ بعيدةٍ، حيث اعتقد اليونانيون القدماء الذين أرادوا لصورة أبطالهم أن تبقى كما هي بعد الموت كما في الحياة أن أجساد موتاهم قادرةٌ على البقاء كما هي خلال فترة الحداد التي تسبق مراسم الدفن الأخيرة دون الحاجة لأي تدخلٍ باستخدام أي مادةٍ.  

لاحقًا تمكنت بعض المجتمعات والحضارات الأخرى من إيجاد طرقٍ وموادٍ حافظةٍ لحماية الجثث من التفسخ أو تأخير ذلك قدر الإمكان، فعمدوا إلى نقع الجثث في الخل والخمر والمشروبات الروحية وهذا ما حصل مع جثمان الأميرال لورد نيلسون الذي أُرسل في صندوقٍ مليءٍ بشراب البراندي من منطقة رأس طرف الغار في إسبانيا إلى إنكلترا.

حتى أنّ اليونانيين اتبعوا هذه الطريقة عندما أعادوا جثمان الإسكندر الأكبر من بابل إلى مقدونيا مغمورًا بالعسل، كما شاع استخدام مراهمٍ مصنوعةٍ من التوابل والعطور للتقليل من تعفن الجثث وتفسخها حتى أن كلمة التحنيط باللغة الإنكليزية كانت تعني أساسًا وضع المراهم.1

مصطلح التحنيط

يعود أصل مصطلح التحنيط (Embalming) إلى القرن الرابع عشر تحديدًا مُشتقًا من كلمة Embaumen  والتي تعني استخدام مرهمٍ أو بلسمٍ، والمشتقة بدورها من المصطلح الفرنسي القديم embausmer، الذي يدل على حفظ الجثث باستخدام التوابل، كما يشير مصطلح balm بغض النظر عن أشكاله اللغوية إلى مادةٍ عطريةٍ مصنوعةٍ من المواد الراتنجية والزيوت كالبلسم والتوابل وغيرها التي استخدمها المصريون القدماء في التحنيط.2

التّحنيط في العالم القديم

اكتشف علماء التاريخ دليلًا على عملية تحويل الجثث إلى مومياءٍ كأحد أشكال التحنيط البدائية والتي تعود إلى 5000-6000 قبل الميلاد، حيث يُعتقد أن أول استخدامٍ للتحنيط يعود إلى حضارة شينشورو في التشيلي والبيرو عندما عمد أهل تلك الحضارة إلى الحفاظ على الجثث.

كما تُعتبر الحضارة المصرية القديمة من الحضارات التي اعتمدت على تحويل الجثة إلى مومياء حيث ابتدعوا طقوسًا ووسائل معقدةً تضمن الحفاظ على الجثث من التفسخ، فقد اتسمت تلك العملية بأهميةٍ روحيةٍ هائلةٍ نتيجةً لاعتقاد المصريين أن الروح ستعود إلى الجسد مجددًا إن تمكنت من معرفة الجسد الذي كانت فيه سابقًا.

وقد اعتمدت ثقافاتٌ عديدةٌ أيضًا كالأزتك والمايا والإثيوبية والتيبيتية على التحنيط وتحويل الجثث إلى مومياء كوسيلةٍ للحفاظ على الجثث بعد الموت، كما أكد اكتشاف جثمان زن زوي الشهيرة باسم السيدة واي أن الصينين لم يستخدموا طريقة التحنيط فقط بل برعوا فيها أيضًا فبالرغم من مرور أكثر من ألفي سنة على وفاتها تمكن العلماء من التعرف عليها بسهولةٍ.3

طريقة التحنيط

  1. قبل أن تبدأ عملية التحنيط تٌغسل الجثة باستخدام محلولٍ معقمٍ وتُدلَّك الأطراف للتخفيف من تصلب المفاصل وتيبس العضلات، كما يُزال الشعر في بعض المناطق الضرورية وتُغلق العينين باستخدام الصمغ أو أغطية عيونٍ بلاستيكيةٍ توضع على العينين ويثبت الجفن عليها، أما الفك السفلي فيُثبت بأسلاكٍ أو خيوطٍ ليُتاح تغيير شكل الفم كيفما يراد ذلك.
  2. يبدأ الجزء الجراحي من عملية التحنيط، حيث يُصفى الدم في الجسم من خلال الأوردة الدموية ويُستبدل بموادٍ كيميائيةٍ تتضمن بشكلٍ أساسيٍّ الفورمالدهيد، التي تُضخ عبر الشرايين أما محلول التحنيط فيتضمن الغلوتارألدهيد والميثانول والإيثانول والفينول والماء وبعض الأصبغة.
  3. بعد تحنيط الشرايين يجب الانتقال إلى التجاويف الموجودة في الجسم وتحنيطها أيضًا، ثم يُعمل شقٌ في الجزء السفلي للبطن ويُدخل المبزلة فيه وهي أداةٌ جراحيةٌ حادةٌ، كما يجفف التجويف الصدري من الغازات والسوائل الموجودة بعمل ثقب فيه، ثم تُحقن موادٌ كيميائيةٌ تتضمن الفورمالدهيد ويُعاد خياطة الشق ليصبح الجسم محنطًا بالكامل.
  4. بعد ذلك توضع بعض مواد التجميل على الجثة ويُغسل الشعر ويُصفف بحسب سلالة الميت والأسرة التي ينتمي إليها ثم تُلبس الجثة بلباسٍ مناسبٍ وتوضع في تابوتٍ خاصٍ بها.4

المراجع