هل تظن أن المادة توجد في ثلاث حالاتٍ فقط؟ من الشائع لدى الجميع أنّ حالات المادة الفيزيائية تكاد تنحصر في ثلاث صورٍ وهي “صلب، سائل، غاز”، وقد يجمع إليهم البعض حالةً أخرى تسمى “البلازما”؛ لتُصبح بذلك أربع حالاتٍ ليست بنادرة الحدوث، ويمكن ملاحظتها بشكلٍ يوميٍّ طالما كان تعاملنا مع المادة بصورةٍ مباشرةٍ دائمة؛ فإذا ما نظرت حولك سوف تجد مادةً ما؛ الجهاز الذي تقرأ منه هذا المقال يتألف من المادة، الهواء الذي تتنفسه، الماء الذي تشربه، يمكن القول بأن المادة هي كل شيءٍ يتكون من ذراتٍ ويخضع لقوانينَ فيزيائيةٍ وكيميائيةٍ ثابتة. والآن نعرض لك في هذا المقال الحالة الفيزيائية الخامسة وهي تكاثف بوز- أينشتاين ورحلة اكتشافها واثباتها ابتدءًا من احصائياتٍ نظريةٍ وصولًا إلى براهينَ عمليةٍ.

تكاثف بوز- أينشتاين من صورٍ تقليدية إلى حالةٍ فريدة!

 توجد المادة عادةً في عدة صورٍ في الظروف التقليدية من الحرارة والضغط، ولكن عندما تخضع لظروفٍ قاسيةٍ فإنها تُظهر حالاتٍ مختلفةً كليًا عن تلك التقليدية المعتادة، واحدة من تلك الحالات التي تنشأ عند ظروفٍ قاسيةٍ حرجةٍ تم اكتشافها بواسطة عالمان أسطوريان في مجال الفيزياء هما “ساتيندرا ناث بوز” و”ألبرت أينشتاين”.

سُميت تلك الحالة الفريدة تكاثف بوز- أينشتاين ولفهم النظرية بصورةٍ أوضح؛ يجب عليك أن تستوعب الحالات التقليدية وسلوك الذرات فيها، وكيف تتحول المادة من حالةٍ لأخرى.

يمكن أن تتواجد المادة الواحدة في عدة حالاتٍ، الأمر يعتمد على تفاعل الذرات مع بعضها البعض، فضلًا عن الدور الذي تلعبه مستويات الطاقة التي تشغلها تلك الذرات، ويحدث التحول بمجرد تغيير الظروف الخارجية وإخضاعها لدرجات حرارةٍ وضغوطٍ مختلفةٍ، ففي الظروف التقليدية؛ توجد المادة في أربع حالاتٍ (صلب، سائل، غاز، بلازما).. وأفضل مثال لتوضيح تلك التغيرات الفيزيائية هو الماء، إذ يوجد الماء في صورةٍ صلبةٍ “ثلج” عند درجة حرارة أقل من صفر (0°C)، وبرفع درجة حرارة الثلج لأعلى من (0°C ) وتحت ضغطٍ قياسيٍّ، فإنه يتحول إلى الحالة السائلة.. وبتسخينه عند درجة حرارة أعلى من ( 100°C ) وتحت ضغطٍ قياسيٍّ ثابت أيضًا، فإننا نحصل على البخار وهو الحالة الغازية للماء، وعندما يمر الغاز بعملية التأيُّن التي تضيف أو تنتزع إلكترون لتكوين أيون؛ فإننا نحصل على الماء في صورة “بلازما”.

طاقة الذرات العامل الحاسم

تعد طاقة الذرات بمثابة العامل الحاسم والمتحكم في تحديد الحالة التي توجد عليها مادةٌ ما؛ فعندما نُكسب الذرات حرارةً فهذا يعني أننا نمدها بالطاقة. تمتص الذرات تلك الطاقة وتحولها إلى حركةٍ، وهذا ما يحدث بالضرورة أثناء تحول المادة من حالةٍ لأخرى.

تمتلك الذرات في الحالة الصلبة مقدارًا ضئيلًا من الطاقة، وتهتز بترددٍ وسعةٍ منخفضين وهذا ما يفسر ثبات المادة الصلبة في مكانٍ واحدٍ وعدم تحركها. وعند تسخين المواد الصلبة فإننا نمدها بالطاقة والتي على إثرها تبدأ الذرات في الاهتزاز بمقدار طاقةٍ وسعةٍ مرتفعين، ويتضح هذا جليًا في كلٍ من الصورة السائلة والغازية حيث تميل كلٍ منهما إلى الحركة والتدفق عوضًا عن الركود والثبات.

لا مفر من فيزياء الكم!

عندما نتحدث عن تكاثف بوز- أينشتاين فإننا ننحي كل المصطلحات التقليدية المستخدمة لوصف الحالات الفيزيائية المختلفة جانبًا، حيث يحدث تكاثف بوز- أينشتاين عند درجات حرارة أبرد بملايين المرات من الوسط المحيط نفسه، ولفهم كيفية حدوث تلك الحالة يجب أن نتطرق إلى “فيزياء الكم الذرية”. وفيزياء الكم هي ذلك الفرع من الفيزياء الذي يتعامل مع الجسيمات دون الذريّة وكذلك جميع المواد والطاقات في أصغر مقاديرها، كما تتولى مهمة التفسير والوصف الدقيق للقوانين والظواهر التي تخضع لها الذرات..

في عام 1924 صرّح العالم “لويس فيكتور دي براولي” أن كل مادةٍ لها طبيعةٌ موجيةٌ، الأمر الذي وضع حجر الأساس لفيزياء الكم الحديثة، بما يعني أن كل مادةٍ توجد في الصورة الموجية والجسيمية على حدٍ سواء وفي نفس الوقت. والسبب الذي يحول دون رؤيتنا لخاصية “إزدواجية الموجة والجسيم” في الوسط المحيط هو أن كتلة الأشياء المحيطة بنا أكبر بملايين ملايين ملايين المرات من كتلة الجسيمات دون الذرية والتي تكون محل دراسة فيزياء الكم.

بإيجاز؛ تمتلك الأشياء المحيطة بنا كتلًا ضخمةً تحول دون ملاحظة طبيعتها الموجية، أمّا في الجسيمات دون الذرية متناهية الصغر كالإلكترونات مثلًا، فإننا نرى الظاهرة بوضوحٍ أكثر. كما تقر الفيزياء الكمية أيضًا بأن لكل ذرةٍ هويتها الخاصة بها؛ فلها طول موجي مميز (طالما كانت تتصرف كموجة) ولها خاصيةٌ فرديةٌ كجسيم، نستطيع أن نميز بين ذرةٍ وأخرى اعتمادًا على صفاتٍ فريدةٍ لكل منهما، تمامًا مثلما نميز بين البشر، يجب أن نضع تلك القوانين في عين الاعتبار بينما نتحدث عن تكاثف بوز- أينشتاين .1

بداية تكاثف بوز- أينشتاين من الصفر!

وتمامًا مثل أي شيءٍ يبدأ من الصفر، كنقطة الانطلاق التي لطالما دفعت للأمام، إلّا أنّ المعنى المقصود هنا يختلف؛ حيث أن الصفر المُشار إليه في هذا المقال هو الصفر المطلق! يعلم معظمنا أنه لا توجد درجة حرارة أقل من الصفر المطلق، الذي يعادل 273 -°C، وهو درجة الحرارة التي تنعدم عندها طاقة الذرات وتتوقف حركتها تمامًا، فماذا سوف يحدث عند تبريد غاز ذو كثافةٍ منخفضةٍ لدرجة حرارةٍ أعلى بقليل من الصفر المطلق؟

حسنًا! إجابة هذا السؤال هى تكاثف بوز- أينشتاين وهو حالةٌ أو طورٌ نادرٌ للمادة تتجمع فيه نسبةٌ كبيرةٌ من البوزونات لتشغل أقل حالة كمومية، الأمر الذي يتيح لنا ملاحظة التأثيرات الكمومية في نطاقٍ مجهريٍّ. تتخذ البوزونات هذه الحالة نظرًا لظروف من الحرارة شديدة الانخفاض تقترب من الصفر المطلق.2

تكاثف بوز- أينشتاين بلمحة تاريخية

تنبأ ألبرت أينشتاين بهذه الحالة في عام 1924 بناءً على الصيغ الكمية التي وضعها عالم الفيزياء الهندي “ساتيندرا ناث بوز”. وعلى الرغم من التنبؤات النظرية التي استمرت لعقودٍ، إلا أنه تم إثبات أول تكاثفٍ ذريٍّ لبوز- أينشتاين فقط في عام 1995 عندما قام كل من “إيريك كورنيل”، و”كارل ويمان” في معهد الأبحاث ببولدر JILA وبالتعاون مع المعهد القومي للمعايير والتكنولوجيا NIST وجامعة كلورادو بتبريد غاز من ذرات الروبيديوم لدرجة حرارةٍ تصل إلى 1.7 × 10−7 K فوق الصفر المطلق.

ثم تبعهما ولفغانغ كيتريلي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، والذي ابتكر تكاثف بوز- أينشتاين بذرات الصوديوم، واستحق هؤلاء العلماء بموجب تلك الإثباتات التجريبية جائزة نوبل في الفيزياء عام 2001، ولقد ساهم البحث حول تكاثف بوز أينشتاين في إفساح المجال لمفهوم الفيزياء الكمية وقادنا إلى اكتشاف تأثيراتٍ فيزيائيةٍ جديدة.

ترجع نظرية تكاثف بوز-أينشتاين لعام 1924 عندما درس بوز آلية سلوك مجموعةٍ من الفوتونات، والجدير بالذكر هنا أن الفوتونات تنتمي إلى واحدةٍ من أكبر فئتين للجسيمات الأولية أو غير المرئية بالمجهر يتم تعريفها وتصنيفها طبقًا لنوع الدوران المغزلي لكلٍ منهما، فإما أن تكون صحيحات المغزل (0,1,2…) مثل البوزونات والتي تشمل الفوتونات ذات دورانٍ مغزليٍّ يعادل واحد صحيح، أو كسريات المغزل (1/2, 3/2, …) مثل الفيرميونات ومنها الإلكترونات ودورانها المغزلي يعادل نصف واحد صحيح 1/2..

وكما لاحظ بوز؛ تسلك الفئتين سلوكًا مختلفًا (يمكنك الرجوع إلى إحصائيات بوز-أينشتاين وفيرمي ديراك)، طبقًا لمبدأ باولي للاستبعاد فإن الفيرميونات تتنافر من بعضها البعض ولا تميل للتكتل واتخاذ حالةٍ كموميةٍ واحدةٍ كما يحدث في حالة البوزونات؛ ولهذا السبب يشغل كل إلكترون في مجموعة حالة كمومية مستقلة (يتم التعبير عنها بأرقام كمية مختلفة، مثل طاقة الإلكترون). ثم سعى أينشتاين ليُكمل مجهودات بوز حتى أوضح أنه في درجات الحرارة شديدة الانخفاض تتكتل الجسيمات البوزونية ذات الدوران المغزلي الزوجي الصحيح لتتخذ حالةً كموميةً مشتركةً عند أقل مستوى طاقة متاح. ومن العوائق التي حالت دون الإثبات التجريبي في ذلك الوقت هو أنه لم تكن الوسائل الضرورية للحصول على درجة حرارةٍ منخفضةٍ -بالقدر الذي يسمح للاختبار والتحقق من تنبؤات أينشتاين- سهلة المنال.3

تقدمات علمية جديدة ساعدت على الإثبات التجريبي

تمكن العلماء في تسعينيات القرن الماضي من الوصول إلى درجة الحرارة المرجوة لتحقيق تكاثف بوز- أينشتاين عن طريق واحدة من أهم الاكتشافات العلمية في القرن العشرين والتي أحدثت تقدمًا مفاجئًا في مجال الفيزياء وهي تقنيةٌ جديدةٌ اعتمدت على التبريد والحصر بالليزر، وفيها يقوم الضغط الإشعاعي لشعاع الليزر بتبريد وتجميع الذرات بواسطة خفض سرعتها، وبموجب هذا العمل تشارك كل من الفيزيائي الفرنسي “كلود كوهين تانوجي”، وعالمى الفيزياء الأمريكيان “ستيفن تشو”، و”وليام فيليبس”، جائزة نوبل في الفيزياء عام 1997.

ثاني تقدم مفاجيء بُني على تحسينات في آلية الحبس المغناطيسي؛ للسيطرة على تواجد الذرات في مكانٍ واحدٍ دون الحاجة إلى مادةٍ حاويةٍ لها، باستخدام تلك التقنيات نجح “كورنيل” و “ويمان” في دمج حوالي 2000 ذرة فيما يُعرف بالذرة الفائقة superatom، وهو تكاثفٌ ضخمٌ بالدرجة الكافية التي تمكننا من ملاحظته بالميكروسكوب، والذي كشف عن خصائصَ كموميةً متميزةً. وهي طريقةٌ تمكننا من رؤية المادة في نطاقٍ مجهريٍّ وبصورةٍ لم نعهدها من قبل.

النتيجة.. ظواهر وتطبيقات جديدة!

يتعلق تكاثف بوز- أينشتاين بظاهرتين جديرتين بالملاحظة عند درجة حرارةٍ منخفضةٍ وهما:

  1. الميوعة الفائقة superfluidity: وفيها تُشكل النظائر المشعة للهيليوم؛ هيليوم-٣، هيليوم-٤، سائل يتدفق بدون احتكاكٍ ولزوجةٍ منعدمةٍ.
  2. الموصلية الفائقة superconductivity: وفيها تتحرك الإلكترونات خلال مادة ذات مقاومةٍ كهربائيةٍ منعدمةٍ. وذرات الهيليوم-٤ عبارةٌ عن بوزونات، وعلى الرغم من أن ذرات وإلكترونات الهيليوم-٣ عبارة عن فيرميونات إلا أنها تخضع أيضًا لتكاثف بوز-أينشتاين بشرط ازدواجها مع دورانٍ مغزليٍّ معاكسٍ لتشكل بذلك حالاتٍ تشبه البوزونات بمحصلة دوران تعادل الصفر.

وفي 2003 استخدمت ديبورا جين وزميلتها في معهد الأبحاث ببولدر JILA فيرميوناتٍ مزدوجةً لابتكار أول تكاثف فيرموني ذري.

لقد ساهم البحث في تكاثف بوز-أينشتاين في إنتاج فيزياء ذرية وضوئية جديدة، مثل ليزر كيترلي الذري الذي كُشف عنه عام 1996.

يصدر ضوء الليزر التقليدي شعاعًا من الفوتونات الملتحمة، جميعها في حالةٍ واحدةٍ بالضبط ويمكن تركيزها في بقعةٍ ساطعةٍ متناهيةٍ في الصغر، وبالمثل يصدر الليزر الذري شعاعًا من ذراتٍ ملتحمةٍ والتي يمكن تركيزها عند كثافةٍ عاليةٍ. تشمل التطبيقات المحتملة الأخرى ساعاتٍ ذريةً أكثر دقةً، وتقنيات مُطوّرة لصنع الرقاقات الإلكترونية، أو الدوائر المتكاملة.

خفض سرعة الضوء وتخزينه!

الخاصية المدهشة التي تسترعي الانتباه في تكاثف بوز- أينشتاين هي إمكانية استخدامه لخفض سرعة الضوء، ففي عام 1998، قامت “لين هاو” وزميلاتها من جامعة هارفارد بخفض سرعة الضوء المار خلال تكاثف بوز- أينشتاين عن سرعته في الفراغ التي تقدر ب 3×10^8 متر في ثانية إلى 17 متر في الثانية أو حوالي 38 ميل في الساعة..

منذ ذلك الحين، قامت هاو وآخرون بوقف الضوء تمامًا وتخزينه في تكاثف لبوز- أينشتاين، وإطلاقه فيما بعد بدون تغييرٍ أو إرساله إلى تكاثفٍ آخر. لا شك في أن تلك المعالجات تعدنا بأنواعٍ جديدةٍ من الاتصالات المعتمدة على الضوء، التخزين الضوئي للبيانات، الحوسبة الكمية. بغض النظر عن الصعوبات العملية التي تواجه العلماء في متطلبات الحصول على درجات حرارةٍ منخفضةٍ للوصول إلى حالة التكاثف.4

المراجع