بالرغم من اهتمام الإنسان باكتشاف الفضاء وما يتضمنه من كواكبَ ونجومٍ يظهر بريقها في السماء؛ إلا أنه لم ينشغل عن التطلع إلى الأرض التي يعيش عليها واكتشاف مكوناتها، فتمكن بعد أبحاثٍ ودراساتٍ استغرقت سنواتٍ طويلةً من تقسيم الأرض إلى النواة والقشرة وطبقة الوشاح بينهما، فإن كنت ترغب بمعرفة المزيد عن الوشاح الأرضي، وكذلك مكونات الوشاح الأرضي وخصائصها، فعليك الاستمرار بقراءة السطور التالية.

الوشاح الأرضي وطريقة تكونه

هي إحدى طبقات الأرض وتشغل معظم كتلتها الصلبة وتبلغ سماكتها حوالي 2900 كيلومتر، أي ما يعادل 1802 ميل، وتمتد بين نواة الأرض ذات الكثافة العالية والحرارة المرتفعة والقشرة وهي الطبقة الخارجية الرقيقة، بحيث يشغل الوشاح الأرضي ما يعادل 84% من حجم الأرض.

قبل ما يزيد عن 4.5 مليون سنة وأثناء تكون الأرض، انفصل معدن الحديد ومعدن النيكل عن الصخور والمعادن ليشكلا نواةً أحاطت بها موادٌ منصهرةٌ هي طبقة الوشاح البدائي، التي بدورها أصبحت أبرد مع مرور ملايين السنين، ومن خلال عملية تحرير الغازات Outgassing، خرجت المياه الموجودة في المعادن مع الحمم البركانية ما أدى إلى تبريد الوشاح ومع استمرار هذه العملية ازدادت صلابة هذه الطبقة.1

مكونات الوشاح الأرضي

تختلف الصخور التي تشكّل مكونات الوشاح الأرضي بشكلٍ متباينٍ؛ فالغالبية العظمى منها مكونةٌ من مركبات السيليكات التي تحتوي على عنصري السيليكون والأوكسجين، حيث توجد تلك المركبات في معدن الأوليفين أو كما يدعى الزبرجد الزيتوني وفي الغارنيت والبيروكسين، تتواجد صخور أوكسيد المغنيزيوم في الوشاح إضافةً لعددٍ من العناصر مثل الحديد والألمنيوم والكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم.

أما درجة حرارة طبقة الوشاح فتختلف بشكلٍ كبيرٍ؛ حيث تبدأ بحوالي 1000 درجة سيلسيوس أي ما يعادل 1832 فهرنهايت بالقرب من طبقة القشرة، بينما تزداد كلما اتجهنا نحو النواة لتصل عندها إلى 3700 درجة سيلسيوس أي ما يعادل 6692 درجة فهرنهايت.

ما يميز طبقة الوشاح ازدياد الحرارة والضغط فيها كلما اتجهنا للأسفل، يضاف إلى ذلك اختلاف اللزوجة، فكما ذكرنا سابقًا أن الوشاح يتكون في معظمه من صخورٍ صلبةٍ دون أن يمنع ذلك انخفاض لزوجتها بالقرب من الصفائح التكتونية وأعمدة الوشاح المسؤولة عن صعود الحمم المنصهرة إلى سطح الأرض، حيث تكون الصخور طريةً وقادرةً على الحركة بمرونةٍ بالرغم من العمق والضغط الكبيرين.2

أقسام طبقة الوشاح الأرضي

من خلال العديد من الدراسات والأبحاث المتعلقة في علم الزلازل توصل العلماء إلى أن طبقة الوشاح تتكون من قسمين مختلفين هما الوشاح العلوي والوشاح السفلي.

الوشاح العلوي

هو القسم العلوي من الوشاح، ويبدأ تحت طبقة القشرة (Crust)، وينتهي عند الوشاح السفلي وتتراوح سماكته بين 200-250 ميلًا، ما يعني أنه يشغل نسبةً قليلةً من سماكة الوشاح الأرضي، أما حرارته فتبلغ بالقرب من القشرة حوالي 1000 درجة على مقياس سيلسيوس.

تتشابه الطبقة العليا من الوشاح العلوي مع قشرة الأرض وتشكلان معًا غلاف الأرض الصخري (Lithosphere)؛ الذي يتكون من الغلاف الصخري المحيطي (Oceanic Lithosphere) المتصل مع القشرة المحيطية، والغلاف الصخري القاري (Continental Lithosphere)، فيما تدعى الطبقة السفلى من الوشاح العلوي بالغلاف الموري أو المتكور الموري (Asthenosphere)، ويتضمن الوشاح العلوي صخورًا يمكنها الانسياب بمرونةٍ مسببةً تحرك الصفائح التكتونية (Tectonic Plates) الموجودة في طبقة القشرة عن طريق تيارات الحمل الحراري التي تتشكل في الغلاف الموري وتتحرك ببطء، فتتحرك معها تلك الصفائح وتحدث الزلازل والبراكين.3

الوشاح السفلي

هي القسم السفلي السائل من طبقة الوشاح الأرضي، تتراوح سماكته 400 ميلٍ عن سطح الأرض في بعض المناطق وقد تصل إلى 1800 ميلًا عن السطح في أماكنَ أخرى، حيث يشغل معظم حجم الأرض.

ولأن الوشاح السفلي عميقٌ للغاية في الأرض، فإنه يتميز بضغطٍ وحرارةٍ مرتفعين، حيث تبلغ درجة الحرارة في المنطقة القريبة من النواة حوالي 7000 درجة على مقياس فهرنهايت، ويبلغ الضغط فيه كأقصى حدٍّ له حوالي 1.3 مليون ضعف للضغط على السطح ما أدى إلى تشكل معادن في الوشاح السفلي غير موجودةٍ على السطح.4

اكتشاف طبقة الوشاح الأرضي

حاول العلماء الوصول إلى طبقة الوشاح ودراستها بشكلٍ دقيقٍ، لكن استلزم ذلك اختراق طبقة القشرة للوصول إليها ولذلك جرت أغلب محاولات الحفر في قاع البحار والمحيطات لأن سماكة القشرة المحيطية أقل من القشرة القارية، حيث كان مصيرها الفشل، ولم تستطع التكنولوجيا المستخدمة رغم تطورها في الوصول إلى ذلك العمق الكبير، وفي عام 2005 استطاعت إحدى المحاولات الوصول إلى عمق 1416 تحت سطح البحر، لتتبعها دراسات قام بها العلماء لمنطقةٍ تقع بين جزيرة الرأس الأخضر والبحر الكاريبي.

ومع تطور التكنولوجيا المستخدمة في الحفر، ابتكر العلماء طريقةً تتيح الحفر باستخدام مسبار صغير يتكون غلافه الخارجي من معدن التنغستين، وبداخله نواة من عنصر الكوبالت 60 المشع لتوليد حرارة قادرة على إذابة ما يعترض طريقه من صخورٍ صلبةٍ في القشرة، والوصول إلى الوشاح ويرسل المعلومات من خلال الإشارات الصوتية الناتجة عن حفر الصخور.

كما يعتمد كثيرٌ من علماء الجيولوجيا في دراسة الوشاح الأرضي على دراسة الصخور الدخيلة (Xenoliths) والتي تقدم معظم المعلومات المتوفرة عن تلك الطبقة؛ وهي عبارةٌ عن أحجارٍ انتقلت من طبقة الوشاح العلوي إلى السطح مع اندفاعات وثوران البراكين، وهذا ما أتاح تحديد عمر الصخور في طبقة الوشاح الذي يعود إلى حوالي 3 بليون سنة.

لكن الدراسات الدقيقة والمعلومات المتوفرة حاليًا عن طبقات الأرض العميقة كالوشاح حصل عليها العلماء من خلال قياس الموجات الزلزالية (Seismic Waves)، والتي تنتقل عبر الصخور وفق سرعاتٍ مختلفةٍ تتعلق بنوع الصخور وكثافتها وحرارتها.5

المراجع