سايكولوجيا التشبّح: لماذا يختفي الأشخاص الأعزاء من حياتنا؟

لماذا يختفي الأشخاص الأعزاء من حياتنا فجأة؟ سايكولوجيا التشبح تجيب!
عبدالرحمن عرفة
عبدالرحمن عرفة

6 د

قرأت منذ مدة أحد الأبحاث العلمية التي ناقشت السبب الدافع لكون الإنسان العاقل هو المستوطن الرئيسي لكوكب الأرض، ولا يوجد أحد ينافسه على وطنه الأزرق الصغير هذا.

البحث نُشر في مجلة “Scientific American” تحت عنوان “The Most Invasive Species of All”، وقد توصل فيه الباحث إلى نتيجة مفادها أنّ هيمنة الإنسان العاقل على كوكب الأرض تعود لسببين رئيسيين، أولهم هو قدرته على صنع أسلحة قذف متطورة، والسبب الثاني هو تعاون الإنسان مع أفراد غرباء لا يعرفهم أو يقربهم أبدًا.

صحيح أنّه في الوقت الحالي الجميع يتعاون مع الجميع من أجل سحق الجميع، إلّا أنّ الأمر كان مُختلفًا قبل ملايين السنين. فنزعة التعاون مع الغرباء هي التي جعلت من الإنسان العاقل السيد السائد المتربع على عرش الرئيسيات في قمة شجرة الحياة.

لكن ماذا لو تحول الشعور مع مَن تعاونا معهم وعرفناهم مِن أصدقاء إلى غرباء فجأة؟ أو بمعنى أدق، ماذا لو اختفوا من حياتنا؟

ظهرَ في علم النفس مؤخرًا مصطلح جديد يدعى “التشبّح Ghosting”، ويُستدل به للإشارة إلى حالات اختفاء بعض الأشخاص من حياتنا بدون سابق إنذار أو تنبيه!

ليس هناك داعٍ للإسهاب في شرح المصطلح لأنّه يشرح نفسه بنفسه، كما أنّي أخمن أنّ معظمكم قد لمسَ هذا الشيء في حياته الواقعية، وقد مر بحالة تشبّح أحدهم واختفاءه، ولا سيما إن كان من الدائرة القريبة الضيقة في حياته.

ذو صلة

ما السبب في هذا الانسحاب؟ ما السبب في كرهك لصديق فجأة رغمًا أنّك كنت تحبه؟ ما السبب في انقلاب مشاعركِ تجاه صديقتكِ من الإيجاب للسلب بدون سبب؟ ما السبب في انسحاب بعض الأشخاص من حياتنا بدون إشارة أو إنذار حتى؟

لا مزيد من عبارة ما السبب، دعنا نضع نقطة هنا. ولنبدأ بمعرفة ما الذي يحصل حقًا في مثل هذه الحالات.


لقد عبروا الخط

في حياة كل إنسان كثير من الخطوط الحمراء التي يتوعد بالويل كل مَن يحاول عبورها. لكن ومن سخرية القدر أنّ معظم هذه الخطوط الحمراء التي حلف صاحبها أغلظ الأيمان بأن أحدًا ما لن يعبرها، تُصبح ممسحة من شدة عبورها واجتيازها والدوس عليها أيضًا.

كل هذا لن يولد عندك إلّا مشاعر الغضب والسخط، أمّا التشبّح – التحول إلى شبح – واختفاء البعض من حياتك لن يكون نتيجةً لعبور هذا الخط الأحمر الموجود عند الجميع، بل نتيجة لعبور خط آخر ليسَ أحمر. خط من نوع مخالف لا لون له أبدًا، يمكن تعريفه بأنّه خط “مسافة” وليسَ خط لون!

دعنا نتخيل من منظور علوي أنّ حول كل إنسان ثلاث دوائر تحيط به: الأولى منهم – الأبعد – مخصصة للصديق غير المقرب، ذلك الذي تقتصر العلاقة معه على عبارة صباح الخير أو مساءه، أمّا الثانية فهي مخصصة للصديق العزيز والذي غالبًا ما يكون صاحب ظل خفيف مَرِح القلب، وعندما أتكلم عن خفة الظل فإنّي أقصد ذلك الذي يُطلق دعاباته التي تكاد تفجر شريانك الرئوي لشدة سماجتها.

أمّا في الدائرة الثالثة، فالجميع يظن أنّ فيها أقرب الأقرباء وأعز الأعزاء وهذا خاطئ تمامًا؛ لأنّ هذه الدائرة يجب أن تكون فارغة من أي أحد! وإن كان هناك أحد ما قد تجرأ وعبر الخط وبقيَ فيها فهو أنت فقط!

السبب في أنّ بعض الأعزاء يختفون فجأة، هو دخولهم لهذه الدائرة وعبور ذلك الخط الذي لا يجب عبوره، لأنّ هذه المنطقة غير مخصصة لأحد. لذلك، من الطبيعي أن يذوب كل مَن يدخلها ويتحول إلى شبح كونها أساسًا غير مُهيأة للاستقبال.

حالة شبيهة جدًا بالوقوف أمام لوحة بارعة الجمال، كالموناليزا أو عذراء الصخور مثلًا. من مسافة ما ستراها جميلة، وعندما تقترب أكثر ستبدأ برؤية شحوب الألوان، وعندما تتقدم أكثر ستجد بعض الفجوات، وعندما تلتصق بها بشكل زائد عن اللزوم ستصبح غير قادر على الرؤية إطلاقًا.

تحوّل صديقك من عزيز إلى شبح يعود لأنّه عبر خط ودخلَ منطقة غير مهيأة لاستقبال أحد، فاقترب أكثر من اللازم. لذلك، ذاب تلقائيًا فورَ دخوله ولم يعد له أثر. لربما الأمر مثير للاستغراب أكثر من كونه مؤلم، لكن الآن قد أصبح سبب حدوثه واضحًا أمامكم.

فإنّ تشبّح أحدهم من حياتك فها أنت صرت تعرف السبب، وإن كان لديك صديق عزيز فحاول ألّا تجعله يعبر الخط وألّا تعبر أنت خطه أيضًا كي لا تذوبا في منطقة غير مؤهلة للسكن.


مِن الحب إلى الكراهية

أصبح من الواضح الآن السبب في تشبّح البعض واختفائهم، لكن ما الذي من الممكن أن يجعل البعض ليسوا أشباحًا فحسب، بل أعداءً مكروهين أيضًا؟ نكرههم ويكرهوننا ولربما يتوتر الأمر ليذهب أبعد من هذا بكثير!

التفسير وراء هذه الكراهية يكمن في أهمية الشخص، إذ أنّك غالبًا ما كنت تُريد أن تحبه أكثر، لكنه قد عبر بعض الخطوط غير المؤهلة للعبور، فاختفى من حياتك، فتحقد أنت عليه لأنّه استغبى بفعلته هذه! يمكن القول أنّ هذه الكراهية والرغبة في تمزيق ذلك الشخص ناجمة من توق قديم لحبه بشكل أكبر، لكن الأمر قد فشل وبالتالي تحوّل لكره.

لعلَ فيما قاله مصطفى صادق الرافعي دليلًا قويًا على مصداقية هذا الكلام عندما عبّر في أحد جمله قائلًا بأن: “الحب الحقيقي هو الذي يحمل في طياته شيئًا من الكراهية”.

لو تشبّح أحدهم ولم تبالِ به فهذا يدل على سطحية العلاقة والمشاعر التي كانت متبادلة فيما بينكم، لكن لو تحوّل هذا الاختفاء إلى غضب وكراهية “مضبوطة” فهو دليل على رغبة قديمة في إنشاء علاقة وطيدة معه، إلّا أنّ هذا لم يحصل بسبب عبوره الخاطئ فتظهر هنا بدورها الكراهية لكي تلومه.


يكمن الحل في القلعة

الإنسان الضعيف هو ذلك الذي لا يمتلك قلعة شخصية خاصة به، أو لربما يمتلك واحدة إلّا أنه قد أعطى مفتاحها للجميع، بحيث يدخلون ويخرجون متى يريدون بغير سؤال أو استئذان حتى.

ولو أردت أن تعرف سر الأقوياء، لكان هو أنّهم منعزلون في قلاعهم الشخصية التي شيّدوها بدون أبواب أو أقفال، لأنّهم بنوها على أساس أنّها لهم وحدهم فقط! لذلك يستحيل على أي أحد أن يدخل أو يقترب منها حتى!

سواءً كانوا أصدقاء أم أقرباء أم عائلة. هؤلاء أعزاء حتمًا، تحبهم ويحبونك، لكن هذا لا يمنحهم الإذن لدخول تلك المنطقة غير المُخصصة لأحد أن يدخلها. وكل مَن سيحاول الدخول سيكون مُهددًا بالتشبّح والذوبان بشكل كامل وبدون إنذارات أو إشعارات.

هل تعلم أنّ هناك بعض الأشخاص يتمنون لأهاليهم الموت بسبب رغبتهم وإصرارهم الجامح في دخول هذه القلعة وهدمها على رؤوسهم! فكان لا بد من كرههم لأنّهم يحاولون تمزيق الشخص من خلال هدم المكان الوحيد الذي يجد نفسه فيه! هذا بالنسبة للأهل فكيف إذن بصديق يحاول الدخول؟ فكيف بحبيب يحاول ذلك أيضًا؟

احترموا المسافات بينكم وبين الناس، احترموا قلاع الآخرين، حافظوا على أماكن خاصة بكم لا يسهل على أحد ولوجها، أماكن تشكل دعم ومرتكز لشخصيتكم في معترك الحياة بشتى فروعها. لربما ستضطر للانعزال والانطواء في ذلك المكان الآمن الذي أنشأته، إلّا أنّه أمر إيجابي وليِسَ سلبي. فالانطوائية نقطة قوة أكثر من كونها نقطة ضعف، ولعلَ هذا ما سأناقشه في مقال قادم.

دعني أذكرك هنا بكلمات العملاق دوستويفسكي في لياليه البيضاء عندما تكلم من داخل قلعته الشخصية الحصينة قائلًا: “لم أتوله بأحد، وإنّما تولهت بالمثل الأعلى الذي رأيته في أحلامي، فأنا أخلق في أحلامي روايات بأسرها!”.

دوستويفسكي هنا تنازل عن المثل الحقيقية وأبطال الواقع، واستبدلهم بأبطال ومثل قلعته الشخصية التي يعرفها هو فقط والتي كانت في أحلامه، فاصنع أنت قلعتك الخاصة أيضًا، وانشئ فيها عالمك الخاص وأفكارك التي آمنت بها.

وحافظ على مسافة الآخرين منك، واجعلهم يحافظون على مسافتك أيضًا، فكما قال درويش بأنّ مَن يقترب كثيرًا مصيره الاحتراق، هنا علم النفس يقول بأنّ مَن يقترب كثيرًا مصيره أن يختفي ويذوب ويتحول إلى شبح!

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.