0

“الحرب صنعت الدولة، والدولة صنعت الحرب”، فهل يصح هذا القول اليوم؟ هل ستطبق في المستقبل؟ الإجماع هو أن غياب حرب كبرى داخل العالم الغربي، بعد عام 1945، تسبب في تغيير علاقة الحرب بالدولة، إذ أن كلاً منهما أصبح أقل أهمية بالنسبة للآخر. وسيجادل هذا المقال بأن العلاقة كانت أقرب وأعمق مما كان مُفترضاً. ويقترح أن الظروف الاستراتيجية الخاصة التي أوجدها العصر النووي جعلت الدول تشن أسلوباً شعائرياً للحرب. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنه أصبح للتظاهر بالقوة أهميةً متزايدةً أعلى من التطبيق المادي للعنف. ضمن هذا الوضع، قادت الدول عملية الابتكار التكنولوجي في الدفاع إلى أقصى حدودها في محاولة لإثبات تفوقها العسكري.

وكان لهذا الاستثمار الضخم في زمن السلم في تكنولوجيا الدفاع تأثير كبير على طبيعة الحرب، مما أدى إلى أشكال استراتيجية جديدة. ومع ذلك، والأهم من ذلك، أن انتشار التكنولوجيا العسكرية أثر أيضاً على الاقتصاد والمجتمع بشكلٍ عام، مما أدى إلى شكل من أشكال انتقال السلطة الداخلية داخل الدول.

صحيح أن التطور التكنولوجي قلّل من فرص الحرب، لكن سباق التسلح الذي ولّده أدى أيضاً إلى ظهور تقنيات جديدة، وسهّل أشكالاً جديدة من الصراع. أثرت هذه التطورات على فهمنا لطبيعة الحرب وتفاعلها مع الدولة. كيف ستؤثر هذه القوى في المستقبل؟ وماذا سيحدث للحرب والدولة؟ وما إذا كنا سنصل إلى نقطة تؤدي فيها الحرب التكنولوجية إلى تفكيك الدولة؟

صعود حرب ما بعد الحداثة في النصف الثاني من القرن العشرين

التكنولوجيا العسكرية القديمة

أغفل محلّلو القرن الماضي أهمية التكنولوجيا كمتغيّر أساسي في تحليلاتهم للحرب. وساد التشكيك في أهمية التكنولوجيا في علاقة الدولة بالحرب، حيث صُبّ التركيز بدلاً من ذلك على اقتصاديات شن الحرب. ذلك من منطلق أن تصميم السفن والأسلحة في أوروبا ظلت إلى حد كبير دون تغيير من 1560 إلى 1850 ومع ذلك، يُزعم أن أهمية التكنولوجيا زادت بشكل كبير في إدارة الحرب من القرن التاسع عشر وما بعده، وذلك لعدة أسباب؛ أحدها تأثير الثورة الصناعية. إذ أثرت هذه الفترة من الابتكار التكنولوجي المستمر والسريع في نهاية المطاف على جميع مجالات النشاط البشري، ولم يُستثنَ من ذلك الحرب. ويمكن رؤية الدليل على السرعة المتزايدة في التغيير التكنولوجي من تحليل «شومبيتر» الاقتصادي للرأسمالية وعلاقتها بالتكنولوجيا.

حسب شومبيتر، أدت أربع دورات اقتصادية طويلة في الثورة الصناعية إلى تغييرات رائدة في نمط الإنتاج فيما يزيد قليلاً عن مئة عام. كما تحدى شومبيتر أيضاً العقيدة الاقتصادية السائدة من خلال القول بأن الرأسمالية لم تكن قائمة على تنافسية الأسعار، ولكن على الابتكار، من خلال إنشاء “سلعة جديدة، أو تكنولوجيا جديدة، أو مصدراً جديداً للإمداد، أو نوعاً جديداً من التنظيم”.

وأطلق شومبيتر على هذه العملية اسم «التدمير الإبداعي» حيث تسعى الشركات إلى الابتكار لتحقيق مركز احتكار وبالتالي زيادة الأرباح إلى أقصى حد حتى يتم إلغاء هذه الميزة من خلال الابتكار التالي.

خلال ذلك الوقت، تمّت تلبية الاحتياجات التكنولوجية للقوات المسلحة من نفس المعرفة العلمية والتقنية التي استخدمتها الصناعات في تلبية احتياجاتها التجارية. وعلى هذا النحو، تغذت القوات الأوسع نطاقاً في عالم الحرب.

ومع ذلك، تغير هذا الوضع ببطء لدرجة أن المطالبة بالتكنولوجيا العسكرية شكلت في النهاية السياق الأوسع الذي كانت موجودة فيه. وهو ما يقودنا إلى السبب الثاني وراء زيادة أهمية التكنولوجيا. حيث اتّضح كيف بدأت الدولة في الانخراط بدورٍ راعٍ للابتكار التكنولوجي في الدفاع في أواخر القرن التاسع عشر، حيث أصبح الجيش مهتماً بشكل متزايد باستغلال التكنولوجيا.

وقد سميت رعاية الدولة للابتكار هذه باسم «تكنولوجيا القيادة». ومع ذلك، فإن عملية الابتكار هذه تعمل ضمن قيود عسكرية ومالية ووقتية فرضت حداً على طموح البحث الدفاعي حينها. كما أدت مطالب الحرب أيضاً إلى توسّع الدولة في توفير التعليم والرعاية الصحية لضمان أن يكون السكان مؤهلين لشن الحرب. حتى بريطانيا الليبرالية استسلمت لوجهة النظر هذه عن الدولة وأصبحت هذه السمات في النهاية هي الخصائص المميزة لما أسماه «هابلز جراي» بـ «الحرب الحديثة».

أدى ظهور العصر النووي إلى إحداث تغيير عميق في تنظيم وإدارة الحرب. ويؤكد «هابلز جراي» أن عام 1945 يمثل الخط الفاصل بين الحرب الحديثة وولادة ما يسميه حرب ما بعد الحداثة. إذ تغير الخطاب بشكل عميق بعد عام 1945 لأن التقدم العلمي في ذلك الوقت، في شكل أسلحة نووية، جعل الحرب الحديثة مستحيلة.

هذا الإعداد الإستراتيجي الجديد عجّل بما يسمى «تنويع الحرب». وهذا بدوره أدى إلى عدم وضوح الخط الفاصل بين السلام والحرب، حيث استخدمت الحكومات مجموعة من الوسائل لتحقيق أهداف سياستها دون عتبة الحرب العامة. والأهم من ذلك، انتشرت أشكال الحرب حيث تم ابتكار طرق جديدة لتوظيف الحرب كأداة سياسية في عالم نووي. وتطلّب هذا التغيير إعادة تكييفٍ لمفهوم الحرب ككل.

إن الحرب بمفهومها التقليدي هي عمل من أعمال العنف لإجبار خصمنا على الانصياع لرغبتنا. تُعرَّف إذاً بأنها خطاب عنف جسدي لتحقيق هدف سياسي. ومع ذلك، عند فحص علاقة ما بعد الحرب والدولة في الغرب عام 1945، نحتاج إلى مراجعة فهمنا للحرب بحيث يتجاوز العنف الجسدي وإراقة الدماء.

تكشف الانعكاسات العسكرية الروسية للحرب الباردة عن رواية مثيرة للاهتمام تعزز توسع الحرب خارج نطاقها التقليدي. وفقاً لهذا التحليل، خسر الاتحاد السوفييتي الحرب الباردة لأنه هُزم بوسائل غير عسكرية استخدمها عدوه ركزت على الهجمات النفسية والسياسية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية ضد الدولة السوفييتية. لعبت التكنولوجيا دوراً حيوياً في تسهيل عملية الصراع غير العسكري، على سبيل المثال من خلال ثورة الاتصالات، التي سهلت شن أنشطة مثل الحرب السياسية. ومع ذلك، كان أبرز جوانب الحرب الباردة هو خطاب الردع.

وفي هذا السياق، أصبحت طقوس الحرب تتجلى بالتنظيم والإعداد وإثبات القدرة على خوض حرب نووية على أمل ردع المعارضين المحتملين، وبالتالي منع منظم لاحتمال وقوع الحرب. لا شك أن بعض الحروب الصغيرة وقعت على أطراف الولايات المتحدة والفضاء الجيوسياسي السوفييتي، ولكن في المنطقة الأساسية، ظهر نوع مختلف من العنف المعرفي والثقافي والتقني، والذي يمكن اعتباره أحدث أشكال الحرب.

كيف تتناسب التكنولوجيا مع هذا الخطاب الجديد للحرب إذاً؟ نظراً لأن الردع النووي اعتمد على الأداء المتوقع للأسلحة، فقد أصبح حساساً للابتكار التقني، مما يعني أن على الدولة الاستجابة للتغير التكنولوجي من خلال الاستثمار في البحوث الدفاعية للحفاظ على مصداقية رادعها. مما أدى إلى توسع دور الدولة في البحث العسكري. وبالتالي، أصبحت الدول تلعب دوراً أساسياً في النسخة العسكرية لعملية «شومبيتر» التي ذُكرت أعلاه للتدمير الإبداعي، وإن كان ذلك في مجال دفاع.

كان دور الدولة حيوياً لأن الدولة هي التي وفرت الموارد المالية الضرورية لأخذ التقنيات الوليدة وتطويرها بسرعة من غير المرجح أن يضاهيها السوق المدني. سهّل هذا حدوث تغيير عميق في العلاقة بين الدولة والصناعة الخاصة، وقوّض عمل السوق الحرة حيث اختارت الحكومات دعم مهندسي الدفاع القادرين على إجراء أشكال كبيرة ومعقدة من البحث والتطوير. خلق المنطق الاستراتيجي للردع النووي مناخاً دفاعياً متوتراً واستثمارات كبيرة في أبحاث الدفاع. ولكن لماذا استمرت هذه البنية التحتية في البيئة الأكثر اعتدالاً في عالم ما بعد الحرب الباردة؟

استمرار حرب ما بعد الحداثة بعد الحرب الباردة

تكنولوجيا الحرب الباردة
مشروع بلوتو – برنامج حكومي للولايات المتحدة لتطوير محركات نفاثة تعمل بالطاقة النووية لاستخدامها في صواريخ كروز.

أدت نهاية الحرب الباردة إلى انخفاض كبير في الإنفاق الدفاعي. وبنفس القدر من الأهمية، قلّصت الدولة مشاركتها في دعم البحوث الدفاعية وسمحت للقطاع الخاص بلعب دور أكثر بروزاً في إنتاج الدفاع. ففي المملكة المتحدة، حيث تمت بالفعل خصخصة الصناعات الدفاعية المؤممة في الثمانينيات، تم توسيع هذه العملية لتشمل بيع ذراع البحث والتطوير الدفاعي للدولة.

يعكس هذا التغيير في السياسة الصناعية والتكنولوجية تعديلاً أوسع حيث فقدت الدولة موقعها في طليعة الثورة التكنولوجية. إذ أنه منذ بداية الحرب الباردة، أدت الأبحاث الدفاعية الممولة من الحكومة الأمريكية إلى ظهور تقنيات مثل الإنترنت، والواقع الافتراضي، وربط البيانات، والدائرة التلفزيونية المغلقة، وتحديد المواقع الجغرافية العالمية، والصواريخ، والتحكم عن بعد، وأجهزة الميكروويف، والرادار. وعكس الاستغلال اللاحق لهذه التقنيات من قبل القطاع الخاص خياراً واعياً للسياسة من قبل معظم الحكومات الغربية، والذي كان يهدف إلى تعزيز التكنولوجيا المنبثقة من البحوث الدفاعية في الاقتصاد الأوسع كوسيلة توليد الثروة.

بمجرد إنشاء التكنولوجيا، أثبت القطاع المدني والتجاري مهارته في التكيف مع القدرات الجديدة وتغييرها. كان الاختلاف الجوهري بين الابتكار في سوق الدفاع ونظيره المدني هو أنه في الأخير، أدت معدلات الاستهلاك المرتفعة إلى ابتكار المنتجات والعمليات من قبل الشركات. ونتيجةً لذلك، أخذ مقدمو التكنولوجيا المدنية زمام المبادرة بشكل متزايد في ثورة المعلومات.

وبالنظر إلى هذه الديناميكية الجديدة، اعتمدت القوة العسكرية بشكلٍ متزايد على المجموعة الحالية من المعرفة التكنولوجية داخل الاقتصاد الأوسع. كما أدى التركيز المتزايد على الجودة في الحرب إلى تعقيد أكبر أثناء العمليات. سهّل هذا الاتجاه صعود الشركات العسكرية الخاصة في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وأدى إلى تعاقد الدول الغربية بشكل متزايد من الدخل لتوفير الأمن الداخلي والخارجي للقطاع الخاص.

ومع ذلك، على الرغم من نهاية الحرب الباردة، استمرت الحكومات الغربية في الرغبة في الابتكار التكنولوجي ودمجها في أسلحة أكثر تعقيداً. في الواقع، كانت إحدى السمات المهمة لحرب ما بعد الحداثة هي أن الآلات اكتسبت أهمية غير مسبوقة في حقبة ما بعد الحرب الباردة. كما أوضح «هابلز غراي»: “الحرب هي نظام خطاب، لكن لكل نوع من أنواع الحرب قواعد مختلفة للخطاب. في حرب ما بعد الحداثة، فإن الدور المركزي للأجساد البشرية في الحرب يتضاءل من الناحية الخطابية بسبب الأهمية المتزايدة للآلات”.

كانت حرب الخليج الأولى علامة مهمة لأنها كشفت للمجتمع الغربي عن قوة التكنولوجيا، على الأقل في الحرب التقليدية. إذ أدى هذا الصراع إلى حل الجدل حول التكنولوجيا العالية مقابل التكنولوجيا المنخفضة الذي استمر طوال الحرب الباردة. وتحّدث المراقبون الآن عن تحول نموذجي في إدارة الحرب وثورة في الشؤون العسكرية بسبب التقدم التكنولوجي.

سمحت التكنولوجيا للدول الغربية بالاشتباك مع أهداف بعيدة المدى بدقة عالية، ولكن دون أي خطر على أولئك الذين يطلقون الأسلحة؛ وهو أمر أصبح مفيداً للغاية في عصر الحروب المختارة. ولعل أفضل مثال على نقاط القوة والضعف في هذا النهج كانت حملة قصف الناتو التي استمرت 78 يوماً ضد صربيا في عام 1999.

سمح الابتكار التكنولوجي في تقنيات الحرب للدولة بمواصلة استخدام القوة كأداة للسياسة، لا سيما في تلك الحالات التي لم يكن فيها إجماع سياسي واضح على القيام بعمل عسكري. باختصار، استمرت الدولة في رؤية أمنها من منظور التقدم التكنولوجي. وهذا بدوره ساعد في الحفاظ على هيئة التصنيع العسكري في تلك الفترة الوجيزة بين نهاية الحرب الباردة وبدء «الحرب على الإرهاب».

التكنولوجيا ساهمت في قتل البغدادي
صور الأقمار الصناعية لمبنى كان يقيم فيه أبو بكر البغدادي

إن الوظائف الاقتصادية القوية التي أنجزتها الحرب على الإرهاب يُعتقد أنها تفسر استمرار الحرب القائمة على استراتيجية وتكتيكات تؤدي إلى نتائج عكسية شبه دوماً. ففي الآونة الأخيرة، تم إنشاء ما يشبه منطقة صناعية عسكرية تستغل الإصدار الأخير للحرب على الإرهاب؛ الحرب ضد ما يسمى بـ «الدولة الإسلامية في العراق والشام». بينما تم تحدي نموذج التكنولوجيا لفترة وجيزة في العراق في عام 2006 واستبدل من خلال نهج أكثر كثافة في العمل للحرب، كما هو موضح في مبادئ مكافحة التمرد، تم استبدال هذا بسرعةٍ بتقنيات أقل خطورة وأكثر كثافة في رأس مال الحرب مثل الأقمار الصناعية والروبوتات والطائرات بدون طيار والأسلحة الدقيقة.

باختصار، فإن البنية التحتية المعقدة للحرب التي نشأت خلال الحرب الباردة صمدت في حقبة ما بعد الحرب الباردة قبل أن يتم تنشيطها من خلال الحوافز المالية التي ولّدتها الحرب على الإرهاب. خلال هذه الفترة، كان يُنظر إلى التكنولوجيا على أنها رصاصة فضية تقريباً. وعلى هذا النحو، فقد قدمت إجابةً دقيقةً للأسئلة المعقدة التي تحيط بنية الحرب الجديدة وانخراط البشر فيها. الأهم من ذلك، لفترة وجيزة على الأقل، أنها سمحت للدول بإعادة تخيل انتصارات حاسمة وتسويات سلمية مرتبة. وكان هذا هو الجانب التكنولوجي الذي دفع البعض بتوقع احتمالية اندلاع «حرب ما بعد البشرية» في المستقبل حيث تحلّ الآلات محل البشر في ساحة المعركة.

 

0

شاركنا رأيك حول "كيف ساهمت التكنولوجيا في تغيير شكل الحروب بين الدول؟ – الجزء الأول"