2

طالما أنك معنا هنا على الفيسبوك، إذًا، لا بدّ وأنك تساءلت قبلًا لماذا يبدو جارك وزوجته اللذان لا يطيقان بعضهما، متيمين بالحب على الفيسبوك؟ أو لماذا يشارك بعض الناس صور أطفالهم بكثرة على الموقع، بينما يشاركنا بعضهم الآخر إنجازاتهم خطوةً بخطوة، في حين لا تنفك تضع “أحزنني” على منشورات صديقتك المليئة بالأسى والدراما! أو هل سبق وتساءلت لماذا ينال منشور عاديٌّ عن يوميات أحدهم كمًا هائلًا من “الإعجابات”، في حين أنّ مقالًا علميًا كبيرًا لا ينال أكثر من 5 إعجابات وأحدها لكاتب المقال؟!

سنتحدث في هذا المقال عن سيكولوجية الفيسبوك، ونلقي الضوء على الأسباب النفسية التي تدفعنا لاستخدام هذا الموقع، والدوافع الكامنة وراء خلق هوية فيسبوكية لا تشبه الشخصية الحقيقية للفرد، كما سنتكلم عن الخصائص النفسية التي تجعل الناس المختلفة تنشر مواضيع مختلفة، بالإضافة إلى الأسباب التي تجعلنا نضغط أو لا نضغط على “الإعجاب”.

لماذا نستخدم الفيسبوك؟

لماذا لا نستطيع مقاومة استخدام الفيسبوك، ما الذي يعيدنا إليه بعد كلّ مرة نغلقه! في محاولةٍ لفهم هذه النقطة من سيكولوجية الفيسبوك، نفّذ الخبراء مراجعة منهجية وبحثًا شاملًا في الأوراق البحثية المتعلقة بالعوامل النفسية التي تدفع الناس إلى استخدام هذا الموقع، باستخدام PubMed و PsycInfo ومكتبة Cochrane، وخلِصوا إلى أنّ استخدام فيسبوك يكون بدافع حاجتين اجتماعيتين أساسيتين هما:

  1. الحاجة إلى الانتماء: وهي نزعة داخلية جوهرية للانتماء إلى الآخرين وكسب القبول الاجتماعي.
  2. الحاجة إلى عرض وتقديم الذات: وهي تشير إلى العملية المستمرة لإدارة الانطباع.

الحاجة إلى الانتماء:

كما هو معروف، يعتمد الإنسان بشكلٍ كبير على الدعم الاجتماعي الذي يقدّمه له الآخرون. كما في المقابل، يمكن للنبذ المجتمعي أن يؤثّر سلبًا على العديد من المتغيرات المتعلقة بالصحة النفسية، بما في ذلك احترام الذات والشعور بالانتماء، السلامة العاطفية، الإحساس بمعنى الحياة والهدف منها، الكفاءة الذاتية، تقدير الذات.

سيكولوجية الفيسبوك

إذ يرتبط تقدير واحترام الذات ارتباطًا وثيقًا بالحاجة إلى الانتماء، بل يمكن القول إنّ تقدير الذات قد يعمل كمقياس اجتماعي، يحدد مدى قبول الفرد في المجموعة. بمعنى آخر، إنّ الانخفاض في تقدير الذات يعمل كإشارةٍ تنذر بالاستبعاد الاجتماعي المحتمل، ويحفّز الفرد على اتخاذ الخطوات اللازمة لتجنب الرفض، وتحسين مكانته في التسلسل الهرمي الاجتماعي.

وقد أشارت العديد من الأدلة إلى أنّ استخدام الفيسبوك يحسّن احترام الذات، ويعزز الرفاهية العاطفية من خلال زيادة الشعور بالانتماء، بحيث تكون هذه الحاجة مدفوعةً إلى حدٍّ ما نتيجة دوافع اجتماعية وديموغرافية وثقافية، وهذا يعني أنّ استخدام فيسبوك يختلف باختلاف المجتمعات.

على سبيل المثال، أجمع مستخدمو فيسبوك في المملكة المتحدة على أنّ الميزة الأكثر أهمية في الشبكة الاجتماعية هي “مجموعات فيسبوك”، في حين صنّف المستخدمون الإيطاليون كلًّا من المجموعات والألعاب والتطبيقات على أنها الأكثر الأهمية، كما اعتبر الفرنسيون أنّ تحديثات الحالة والصور الفوتوغرافية قليلة الأهمية مقارنةً بالمستخدمين الأمريكان. وبشكل عامٍ، وُجِد أنّ الإناث والأقليات العرقية تميل في كثير من الأحيان إلى استخدام الفيسبوك أكثر من الذكور أو القوقازيين مثلًا في بعض الدراسات.

إذًا، فإنّ المجتمعات تختلف عن بعضها في كثيرٍ من الجوانب، وهذا ما سينعكس على الاختلاف في استخدام فيسبوك كمحاولةٍ للشعور بالانتماء في كلٍّ منها. ومن إحدى هذه الجوانب، هناك المجتمعات ذي النزعة الفردية والمجتمعات الجماعية.

حيث تركّز المجتمعات الجماعية على الترابط بين أعضائها، وتعطي الأولوية القصوى للانسجام داخل المجموعة، وتعتبَر المكاسب الفردية فيها أقل أهمية مقارنة بتحسين المجموعة الاجتماعية بشكل أوسع. بالإضافة إلى اعتماد الناس في هذه المجتمعات في كثير من الأحيان على الأعراف الاجتماعية، لتقرر فيما إذا كان ينبغي عليها الشعور بالرضا، بالتالي فهي تحتاج لأن تأخذ بعين الاعتبار تقييمات العائلة والأصدقاء كي تقيّم حياتها.

كما أنّ الناس في المجتمعات الجماعية أكثر عرضةً للبقاء في الزيجات والوظائف التي قد يعتبرونها غير سعيدة، وهذا محتمل كونهم يميلون للامتثال للأعراف الاجتماعية، أو قد يكون نتيجة أنّ الأشخاص في حالات الزواج والوظائف المضطربة أكثر عرضةً للحصول على الدعم الاجتماعي من الآخرين. أما في المجتمعات الفردية، فإنّ الإنجازات الفردية والنجاح الشخصي هو ما يحظى بالثواب الأكبر والإعجاب الاجتماعي، بالإضافة إلى أنّ المشاعر والأفكار الفردية هي من يحدد السلوك داخل هذه المجتمعات.

لذلك يفترض الباحثون أنّ استخدام فيسبوك سيخدم غرضًا مختلفًا في هذه المجتمعات المختلفة؛ إذ وجِد أنّ أعضاء المجتمعات الفردية هم أكثر ميلًا لمشاركة المعلومات الخاصة مع أصدقائهم في فيسبوك، أي أكثر ميلًا لعرض الذات، وأكثر عرضةً لإثارة المواضيع المثيرة للجدل مقارنةً بالمستخدمين من المجتمعات الجماعية. في حين أنّ فيسبوك يعمل بمثابة نظام دعمٍ للأفراد في المجتمعات الجماعية، والذين يميلون غالبًا لتشكيل دائرة مغلقة من الأصدقاء، ويحصلون في أغلب الأحيان على تفاعل كبير.

اقرأ أيضاً: الإنترنت .. إبتعد عن سلبياته واستثمر وقتك بهذه الطرق ” المجربة ” !

الحاجة إلى عرض الذات:

يترك فيسبوك مجالًا مفتوحًا أمام المستخدمين لأن يعرضوا أنفسهم بطريقةٍ مثالية بدلًا من ذواتهم الفعلية، وهذا ما يُشار إليه بفرضية الهوية الافتراضية المثالية؛ والتي تعني تعديل الملفات الشخصية وجعلها تعرض خصائص شخصية مثالية، لا تعكس الشخصية الفعلية.

لكن هل هذا صحيح؟ هل يميل الناس حقًّا لصنع نسخ مثالية عن أنفسهم وعرضها على فيسبوك؟

في محاولةٍ لاختبار هذه الفرضية، أجرى الباحثون مجموعة من التجارب اعتمدت على إجراء تقييم للسمات الشخصية المثالية لعدد من المستخدمين، ثم مقارنتها مع التقييمات التي يضعها مراقبون من خلال تصفح الملفات الشخصية الخاصة بالمشاركين في التجربة. وكانت النتيجة أن المراقبين كانوا قادرين على استنتاج الخصائص الشخصية الفعلية للمشاركين، من خلال تصفح ملفاتهم على فيسبوك، وأنّ الانطباعات التي أُخذِت بشكل مستقل من الملفات الشخصية للمستخدمين كانت دقيقة، فيما عدا الاستقرار العاطفي، والذي تبين أن المشاركين قد لجأوا إلى تعزيز الذات. بغض النظر عن الاستقرار العاطفي، فإنّ ما سبق يعني أنّ الغالبية من مستخدمي فيسبوك يعبرون عن شخصياتهم الحقيقية ولا يسعون لإظهار إصدارات مثالية عن أنفسهم.

لكن هل يختلف استخدام الفيسبوك باختلاف الخصائص النفسية للمستخدمين؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في فقرةٍ لاحقة.

باختصار يمكن القول إنّ مراجعة الأوراق البحثية المتعلقة باستخدام فيسبوك خَلُصت إلى أنّ زيادة استخدام الشبكة الاجتماعية ارتبط بوجود مستوى عالٍ من الانبساط (سمة نفسية تعني شخصًا إيجابيًا، اجتماعيًا ومنفتحًا)، أو مستويات عالية من العصابية (العصابية هي سمة نفسية مرتبطة بتقلب المزاج، القلق والغيرة وغيرها من المشاعر السلبية)، أو النرجسية، أو ارتباطه بمستويات متدنية من احترام أو تقدير الذات، كما يرتبط الاستخدام المتكرر لفيسبوك بالأداء الأكاديمي المنخفض. لكن في المقابل، يفترض الباحثون أنّ فيسبوك قد يرفع مستوى احترام الذات، وزيادة الشعور بالانتماء. 

الذات على فيسبوك:

هل سبق وأن رأيت جارك يحدّث حالته على فيسبوك متغزّلًا بحب زوجته، رغم أنك صادفته قبل قليلٍ يشتمها ويعنّفها أمام جميع الجيران! هل تساءلت يومًا لماذا يبدي بعض الناس شخصيةً على الفيسبوك لا تشبه شخصيتهم الحقيقية على الواقع؟ إحدى أهم النقاط التي نوّد التنويه إليها في سيكولوجية الفيسبوك، هي كيف يعرض الفرد نفسه على الموقع.

على الرغم من أنّ بعض الدراسات قد أفادت بأنّ غالبية مستخدمي فيسبوك يميلون للتعبير عن ذواتهم الفعلية بطريقة حقيقية، وليس بطريقة مثالية، إلّا أنها ليست حالة عامة؛ حيث يميل بعض المستخدمين لعرض أنفسهم بطريقةٍ زائفة، وهو ما يمكن أن نسميه بـ “الذات الزائفة على فيسبوك”.

سيكولوجية الفيسبوك

كيف يؤثر فيسبوك على المستخدم ويدفعه لتشكيل ذات زائفة؟

إنّ لفيسبوك تأثيرات كبيرة تتجاوز حدود واقعه الافتراضي، فهو يؤثر في المشاعر والسلوكيات والمواقف، وقد يكون له تأثير إيجابي على بعض المستخدمين؛ كأن يستخدمه الناس لتطوير العلاقات الاجتماعية والحفاظ عليها. ومثل هذه الاستخدامات يمكن أن تحسن الشعور بالسعادة والرفاه عند الأفراد عن طريق الحدّ من مشاعر الوحدة والاكتئاب، بالإضافة إلى بعض الفوائد الأُخرى، مثل زيادة احترام الذات وتحصيل الدعم الاجتماعي.

أو قد يكون له تأثيرات سلبية على مستخدمين آخرين، إذ يميل الناس الذين يشعرون بالوحدة والذين يتمتعون بمهارات اجتماعية منخفضة إلى تطوير سلوكيات قهرية قوية لاستخدام الإنترنت، بالتالي قد يظهر لديهم المزيد النتائج السلبية في الحياة بدلًا من تخفيف مشاكلهم الأصلية. وبالمثل فإنّ الأشخاص الماديين الذين يعتقدون أنّ عمليات الشراء عبر الإنترنت ستعزز عواطفهم وهويتهم، سيطورون ميول تسوّقية قهرية، كما قد يعاني آخرون من الشعور المتنامي بالذنب إزاء الوقت الذي يقضونه على فيسبوك، والطريقة التي يديرون بها العلاقات من خلاله.

علاوةً على ذلك، يقدّم فيسبوك لمستخدميه فرصة التفاعل مع العديد من الأشخاص المختلفين، أو ما يُسمَّون “أصدقاء الفيسبوك”، ومن خلال هذه التفاعلات يمكن لبعض المستخدمين تحسين شعورهم بالرفاهية النفسية. لكن في المقابل، يمكن لهذه التفاعلات المجزية أن تزيد من استخدام الموقع بشكل كبير جدًّا يصل إلى حدّ الإدمان، خاصة عند الأشخاص الذين يعانون من تدنيّ احترام الذات، أو انخفاض الكفاءة الذاتية، أو الأشخاص الذين لديهم حاجة للهروب من الواقع، أو بعض الخصائص الإشكالية الأُخرى.

بخلاف الإدمان، يمكن لفيسبوك أن يسبب مشاكل نفسية أُخرى، كأن يروّج لعرض الذات الزائفة، إذ يطلب فيسبوك من مستخدميه الكشف عن أنفسهم، ليس فقط عن الأسماء، بل أيضًا من حيث الأصدقاء والصور والتفضيلات والمشاعر، وهذا ما يدفع بعض المستخدمين -بقصد أو بغير قصد- إلى تقديم هوية “ذات” تختلف عن هويتهم الحقيقية. فهو يوّفر أمام المستخدمين وسيلة فعالة لتطوير وتقديم الذات الزائفة، والتي يمكن أن نسميها “ذات الفيسبوك” أو الهوية الفيسبوكية، والتي تكون تحظى بقبولٍ اجتماعيٍ وشعبية أكبر من “الذات الحقيقية”.

اقرأ أيضاً: كيف تحذف حساباتك نهائيًا من الشبكات الاجتماعية كالفيس بوك، تيك توك وإنستجرام وغيرها

كيف يعرض الفرد “ذاتًا” زائفة على فيسبوك؟

على عكس الشبكات الاجتماعية والمواقع المجهولة، كالمدوّنات والمنتديات، فمن غير المألوف أن يقدّم مستخدمو الفيسبوك معلومات سطحية خاطئة حول أنفسهم، وهذا يعني أنّ المستخدمين يعرضون أسماءهم الحقيقية، ويقدمون معلومات اجتماعية وديموغرافية وأنشطة حقيقية؛ إذ يقدم مستخدمو فيسبوك العديد من المعلومات حول هويتهم بطرقٍ مختلفة، ابتداءً من معلومات الملف الشخصي كالاسم والتحصيل العلمي والخبرات المهنية ومكان السكن والعمل، وصولًا إلى الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو والاقتباسات والنصوص وغيرها.

سيكولوجية الفيسبوك

ومع ذلك، فغالبًا ما يتم التعبير عن الهوية العميقة للفرد بطريقة ضمنية، وذلك باستخدام إشارات وتلميحات مضمنةً في صورهم ومشاركاتهم وتعليقاتهم. على سبيل المثال، قد ينشر بعض الأشخاص صورًا لهم وهم يتناولون طعامًا لذيذًا على موائد عامرة برفقة أصدقاء سعداء، وذلك في محاولةٍ ضمنية لتحسين صورتهم في نظر الآخرين، بينما قد تكون ذواتهم الحقيقية انطوائية ومكتئبة. وهكذا يعبّر المستخدم عن هويته بطريقة ضمنية أكثر فأكثر، ويخلق الإشارات والتلميحات التي تقدّم هويته بطريقة إيجابية.

إذًا، فـ “الذات على فيسبوك” يتم تقديمها على شكل مجموعةٍ من الإشارات والتلميحات متضمنةً في المعلومات التي يقدمها المستخدِم إلى المجتمع الخاص به على فيسبوك، ابتداءً بمعلومات الملف الشخصي كالخلفية العلمية والمهنية والهوايات وغيرها، متبوعةً بالمحتوى الذي تمّ تحميله على الحساب كالصور والأغاني وغيرها، انتهاءً بالآراء والمعلومات التي ينشرها المستخدم على صفحته الشخصية، أو على صفحات المستخدمين الآخرين كالرسائل أو الروابط المرجعية وغيرها من المعلومات. ولا بد من الإشارة إلى أنّ الذات على الفيسبوك قد تمثل في كثير من الأحيان “الذات الحقيقية”، وفي أحيانٍ أُخرى قد تكون “ذاتًا زائفة”، ومن المنصف القول إنّ هذا الزيف ليس بالضرورة أن يكون مقصودًا أو متعمدًَا.

اقرأ أيضاً: لماذا تركت فيسبوك؟ سؤال تأتيك إجابته من آلاف “الفيسبوكيين” السابقين

ما هي أسباب تطوير الذات الزائفة على فيسبوك؟

أظهرت الدراسات أنّ الأشخاص الذين يعانون من تدنيّ احترام الذات وعدم الوعي بـ “الذات الحقيقية” والتي تتجلى نتيجة انخفاض سمة الأصالة الشخصية (الأصالة هي الحالة التي يكون فيها الإنسان صادقًا مع نفسه وشخصيته وكيانه) هم أكثر عرضةً لعرض أنفسهم بطريقة زائفة. وبشكلٍ عام، فإنّ الظروف التي قد تدفع لإنشاء الهوية الزائفة على فيسبوك تختلف من شخص إلى آخر ومن موقفٍ إلى آخر، لكن يمكن التنبؤ بأن الاختلاف ما بين “الذات الحقيقية” و”الذات على فيسبوك” قد يكون كبيرًا عندما يكون الشخص غير راضٍ عن حياته الحقيقية، أو كما قلنا، يعاني من تدنيّ احترام الذات.

لذا وكنتيجةٍ لهذه الأسباب، يخلق هذا الشخص بيئة بديلةً للتعويض عن نواقصه في الحياة الحقيقية، ويعتبر هذا التعويض الدفاعي آلية طبيعية تحمي الأفراد من من التهديدات الداخلية والخارجية تجاه الذات الحقيقية، مثل الضغوط والتوقعات الاجتماعية وغيرها. كما يمكن أن يكون إنشاء الذات المزيفة على فيسبوك ناتجًا عن الاختلافات الفردية كاختلاف أسلوب تربية الفرد، أو عدم وجود احترام إيجابي أثناء الطفولة، ونتيجة اختلاف أنماط القلق والإحجام الاجتماعي والتعلق التي طورها الفرد.

وهنا قد يخطر في بال البعض، بما أنّ الذات الزائفة على الفيسبوك هي حالة مرتبطة بالعالم الافتراضي وليس الحياة العملية التي نعيشها، فما أهمية ذلك؟

في الواقع، فإنّ عرض الذات الزائفة إلى حدٍّ ما ليست ظاهرة حكرًا على العالم الرقمي، بل على العكس، إذ غالبًا ما يقوم الناس بتقديم أنفسهم بطريقةٍ لا تتفق مع من هم حقيقةً، ولا مع معتقداتهم وقيمهم الحقيقية. هذه الفجوة ما بين الذات الحقيقية والذات المثالية تسمى بـ “التنافر”، والتي يمكن أن تؤدي إلى خلق “الذات الزائفة” التي تكون ذاتًا دفاعية وقائية وتخفي الذات الحقيقية.

ويعتقد علماء النفس أنّ بعض الزيف في تقديم الذات هو أمرٌ طبيعي وغير مؤذي في أغلب الأحيان، لكن في المقابل، فإنّ الفجوات الكبيرة والمستمرة ما بين الذات الحقيقية والمثالية قد تؤدي إلى أداء غير مستقر وضعف نفسي، والذي قد يصل في النهاية إلى أمراض نفسية. وتنطبق هذه النتائج على التمثيلات الذاتية الزائفة على فيسبوك، والتي قد تؤدي أيضًا عند بعض المستويات المرتفعة إلى عواقب سلبية مماثلة، إذ تكون بمثابة بوابة لسلوكيات أكثر إشكالية قد تصل إلى مشاكل أو حتى أمراض نفسية.

وعلى وجه التحديد، قد تؤثر سلبًا على سعادة الفرد والرفاهية النفسية، خاصةً إذا تم تقديم هذه الشخصية بطريقة مستمرة ومتعنّدة. ناهيك عن ذلك، فإن الاستمرار بتقدم “الذات الزائفة على فيسبوك” يزيد الشعور بالمكافأة التي يحصل عليها من استخدام فيسبوك كونه يوفر بيئة غير واقعية يمكن للمرء التحكم بها، والتي تكون بمثابة أرضٍ خصبة لتطوير الإدمان على فيسبوك.

اقرأ أيضاً: أفاتار فيسبوك بدايته واستخدامه وكيفية إنشائه ولماذا أصبح الهوس الجديد للشباب؟

لماذا ننشر ما ننشره على فيسبوك؟

والآن، طالما أنك تقرأ مقالنا هذا، فلا بدّ أنك صادفت قبله منشورات مختلفة، مثلًا: تحديثٌ نشره صديقك لصور طفله المولود حديثًا، أو شكوى أحدهم من صدمات عاطفية أو عائلية، أو قد قرأت آراء صديقتك السياسية، أو حكاية شخصية مسلية نشرها أحدهم، أو شاهدت صور الوليمة التي أقامها أحد جيرانك مع أصدقائه… إلخ.

سيكولوجية الفيسبوك

ما نوّد قوله، إنّ المستخدمين ينشرون أشياء مختلفة، لماذا؟ ما هي السمات والدوافع من منظور سيكولوجية الفيسبوك التي تؤثر على المواضيع التي يختار الناس نشرها؟

في دراسة استقصائية حديثة، درس العلماء العلاقة بين شخصية الفرد والمواضيع التي يختار مناقشتها على فيسبوك، حيث صنّف المستخدمون المشاركون في التجربة والذين بلغ عددهم 555 شخصًا، عدد المرات التي نشروا فيها حول مواضيع محددة، كالأنشطة الاجتماعية والحياة اليومية، مواضيع فكرية (كالآراء السياسية أو مشاركة أبحاث علمية)، الإنجازات التي حققها الفرد في الدراسة أو العمل، المعتقدات الدينية، الاقتباسات وكلمات الأغاني، صور أطفالهم، العلاقات الرومانسية، وغيرها.

ثم حللّ الباحثون مجموعة من السمات النفسية لدى المستخدمين المشاركين، والتي تُعرَف بسمات الشخصية الخمسة الكبرى وهي:

  1. الانبساطية: تعبر هذه السمة عن أشخاص اجتماعيين بشوشين محبين للتحدث.
  2. العصابية (القلق العاطفي): يتميز العصابيون بالقلق والمزاجية والغيرة.
  3. الانفتاح على التجربة: الأشخاص الذين يتمتعون بهذه السمة هم أشخاص يتميزون بالفكر والإبداع والفضول.
  4. التوافقية (القبول): هم أشخاص متعاونون، ناجحون في العلاقات الشخصية، ويقدمون المساعدة دومًا.
  5. الانضباطية (الضمير الحي): تعبّر هذه السمة عن أشخاص منظمين، عمليين، يتحملون المسؤولية، ويعملون بجدّ.

بالإضافة إلى تحليل كلٍّ من احترام الذات والنرجسية (النرجسية المقصودة هنا ليست اضطراب الشخصية النرجسية السريرية، وإنما مجرد ميل الشخصية). وقد أبلغ المشاركون أيضًا عن دوافعهم الخاصة لاستخدام فيسبوك، ومنها: الحاجة إلى الشعور بالانتماء والقبول لدى الآخرين، البحث عن الاهتمام، التعبير عن الذات، البحث عن المعلومات، التواصل مع الآخرين، وغيرها من الأسباب.

والنتيجة هي كالتالي:

  • الأكثر ميلًا للنشر عن الأنشطة الاجتماعية والحياة اليومية هم المستخدمون الذين يتمتعون بسمة الانبساطية، حيث يرغب هؤلاء الأشخاص باستخدام فيسبوك كأداة للتواصل والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية، وهذا يتجلى في استخدامهم المتكرر لفيسبوك وعدد الأصدقاء الكبير على التطبيق، وهم يفضلون ميزات فيسبوك التي تسمح لهم بالمشاركة الاجتماعية النشطة، مثل تحديثات الحالة.
  • يستخدم الأشخاص العصابيون فيسبوك للحصول على الاهتمام والدعم الاجتماعي، وهو ما قد يفتقدونه في الحياة الواقعية خارج الإنترنت. لذلك، غالبًا ما يستخدم هؤلاء الأشخاص فيسبوك لأغراضٍ اجتماعية، والإفصاح العاطفي عن علاقاتهم الشخصية بشكل دراميّ، مثل الإفصاح عن علاقاتهم الوثيقة بالشريك، أو بالأطفال. وغالبًا ما تكون دوافعهم وراء هذه المنشورات هي عرض الذات والتصديق على مشاعرهم.

  • يميل الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة عالية من الانفتاح إلى نشر تحديثاتٍ عن المواضيع الفكرية أو الأحداث الجارية أو وجهات نظرهم السياسية، بدافع مشاركة المعلومات غير الشخصية، واستخدام فيسبوك كأداةٍ للعثور على المعلومات ونشرها، وليس للتواصل الاجتماعي.
  • يميل الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة عالية من الانضباطية أو الضمير الحي كما يصح تسميته، إلى استخدام فيسبوك بشكلٍ أقل من الأشخاص الذين يتمتعون بمستويات متدنية من الانضباطية، لكنهم عندما يستخدمونه فعادةً ما يكونون لبقين ومتحفظين، ويمتلكون عددًا أكبر من الأصدقاء، ويتجنبون الإساءة إلى الآخرين، كما يقل احتمال نشرهم على فيسبوك لجذب الانتباه أو الحصول على القبول. وغالبًا ما ينشرون تحديثات متكررة حول أطفالهم، والتي لا تكون بهدف التواصل مع الأصدقاء، وإنما تكون حسب افتراض الباحثين ناتجة بشكلٍ غير مباشر عن الأبوّة التنافسية، أو قد يكون بسبب أنّ الآباء ذوو الضمير الحيّ يمضون وقتًا أطول مع الأطفال، بالتالي يمضون وقتًا أطول في الحديث عن ذلك على فيسبوك.

  • يميل الأشخاص الذين يعانون من تدنيّ احترام الذات غالبًا إلى تحديث حالاتهم بشكلٍ متكرر عن شريكهم الرومنسي، وذلك بدافع التعبير وعرض الذات، وليس بدافع التصديق على المشاعر. وهذا الاستخدام قد ينتج عن خوف وهاجس هؤلاء الأشخاص من فقدان شركائهم، وقد افترض الباحثون أنّ الذين يعانون من تدنيّ احترام الذات غالبًا ما ينشرون هذه المعلومات العاطفية في الأوقات التي يشعرون بها بعدم الاستقرار، أو بخطر ما على يهدد علاقاتهم العاطفية.
  • يميل الأشخاص النرجسيون للنشر المتكرر عن إنجازاتهم، والحميات الغذائية التي يتبعونها، والتمارين الرياضية التي يمارسونها. وقد افترض الباحثون ارتباط النرجسية بالتحديث عن الحمية والتمارين، للتعبير عن الأهمية الشخصية التي يوليها هؤلاء الأشخاص للمظهر الخارجي.

سيكولوجية الفيسبوك

قد تساعد هذه التحليلات في فهم سيكولوجية الفيسبوك، والسبب الذي يدفع بعض الأشخاص للنشر عن حفلةٍ حضرها أو كتاب قرأه أو ترقيته في عمله، لكن في النهاية لا بد أن نشير إلى أنّ الأشخاص قد يتمتعون بمزيجٍ من السمات مع بعضها البعض، فمثلًا قد يكون الفرد انبساطي جدًّا ومنفتح على التجربة، بالتالي قد ينشر الكثير من أنشطته اليومية والاجتماعية والكثير من المواضيع الفكرية.

لماذا نضغط على زر “الإعجاب”؟

وفقًا لسيكولوجية الفيسبوك، فإنّ “الإعجاب” هو طريقة لتقديم ملاحظات إيجابية أو للتواصل مع الصفحات التي تهتم بها وتريد رؤية آخر تحديثاتها على الدوام. لكن ما هي الأسباب التي تجعلنا نضغط على زر “الإعجاب”!

سيكولوجية الفيسبوك

 

يمكن القول إن الضغط على زر الإعجاب هو بمثابة إيماءة سهلة وسريعة لإبداء الموافقة أو الدعم، أو قد يكون لتأكيد شيئًا ما عن أنفسنا وعن ميولنا، بالإضافة إلى أنه طريقة مثالية للتعبير عن التعاطف الافتراضي، كأن نضغط على “الإعجاب” من أجل إظهار التضامن مع أحد الأصدقاء أو المعارف، أو لإظهار الموافقة على وجهة نظرهم أو طريقة تفكيرهم. أو قد يكون بدافع أبسط من ذلك، كالحصول على آخر التحديثات والأخبار من الشركات أو العلامات التجارية، أو الصفحات التسويقية.

وعند تحليل المنشورات التي تحظى بعدد أكبر من “الإعجابات”، وجد الباحثون أنّ المنشورات التي تتحدث عن الأنشطة اليومية والاجتماعية والأطفال والإنجازات، تلقى عددًا أكبر من الإعجابات والتعليقات، مقارنةً بالمنشورات والمواضيع الفكرية والتي تحظى بعددٍ أقل بكثير من الإعجابات. قد يكون ذلك نتيجة أنّ الناس على الفيسبوك قد تشعر بأنها مُلزمة اجتماعيًا بالإعجاب أو التعليق على أنواعٍ معينة من الأحداث الاجتماعية أو الإنجازات.

على سبيل المثال، إذا أعلن شخصٌ ما خطوبته على فيسبوك، أو حصوله على ترقية ما في العمل، فقد يشعر الأصدقاء بلزوم  الضغط على “الإعجاب” كنوعٍ من الاعتراف والتقدير. ومن المرجح أيضًا أن يشعر الأصدقاء بضرورة الضغط على الإعجاب على صورة طفلك الصغير، والتعليق عليها بما يشبه “يا له من طفلٍ جميل”، أكثر من الشعور بلزوم التعليق على مقالك العلمي والقول “يا له من مقال مفيد ومثير للاهتمام عن البحث عن حياةٍ خارج كوكب الأرض”.

بالإضافة إلى ذلك، يقوم فيسبوك بحدّ ذاته بدفع أنواعٍ معينة من المنشورات إلى أعلى “آخر الأخبار” لديك، بالتالي ستحصل هذه المنشورات على عدد أكبر من الإعجابات بالتأكيد. كما أنّ المنشورات الفكرية لا يمكن استيعابها وفهمها بسهولة، وتحتاج وقتًا أطول للتفاعل معها، فمن السهل تقدير صورة صديقك الجديدة والضغط على الإعجاب أثناء تصفح الفيسبوك والتمرير للأسفل، بينما قد لا تمتلك الوقت الكافي أو المزاج المناسب للنقر على رابط مقال “الثقوب السوداء” وقراءته.

اقرأ أيضاً: كيف تسيطر على قسم آخر الأخبار في فيسبوك

هل يؤثر “الإعجاب” على صحتنا النفسية؟!

إذا قمت بنشر صورةٍ أو تحديثٍ ما على صفحتك، فهل يؤثّر فيك عدد الإعجابات التي تتلقاها، هل تشعر بالرضا كلما ضغط أحدهم على زر “الإعجاب”، أم تشعر بالحزن إن لم تحصل على عدد كبير من الإعجابات، أو أنك لا تبالي بكيفية تفاعل الآخرين مع ما تفعله على مواقع التواصل الاجتماعي! قد يكشف ردك على هذه الاستفسارات شيئًا عن احترامك لذاتك وشعورك بالهدف.

سيكولوجية الفيسبوك

يميل الأشخاص الذين يعانون من تدنيّ احترام الذات إلى الشعور بالضيق في حال حصل منشورهم على عدد غير كافٍ من الإعجابات، وهذا أمر مؤسف، لأنّ هؤلاء الأشخاص يرون في الفيسبوك مكانًا يمكنهم الحصول فيه على الدعم، ومع ذلك فإنّ تحديثاتهم تحصل على ردود فعلٍ أقل إيجابية مقارنةً بمنشورات نظرائهم الأكثر ثقةً بالنفس. كما يكون هؤلاء الذين يعانون من تدنيّ احترام الذات أكثر عرضةً لتأثيرات ردود الفعل على الفيسبوك، فإن حصلوا على ردود فعل إيجابية، شعروا بالرضا على نحوٍ خاص، بينما إن حصلوا على ردود فعلٍ سلبية، شعروا بالسوء على نحوٍ خاص.

تقدير الذات ليس العامل الوحيد الذي يحدد استجاباتنا تجاه ردود الفعل والملاحظات على فيسبوك، بل هناك عامل آخر هو إحساسنا بالهدف. إذ بينت الأبحاث أنّ الاشخاص الذين يشعرون أنّ لديهم هدفًا كبيرًا في الحياة، لم يكن عدد الإعجابات ليؤثر على احترامهم لذواتهم، بينما أولئك الذين يفتقرون للهدف، فكلما حصلوا على المزيد من الإعجابات على فيسبوك كلما شعروا بشكلٍ أفضل تجاه أنفسهم.

أي أنّ تلقي عدد كبير من الإعجابات يحسّن احترام الذات لمن لديهم إحساس ضعيف بالهدف، وليس أولئك الذين لديهم إحساس عال بالهدف، بالتالي فإن الموافقة التي نحصل عليها من الآخرين على فيسبوك، تزيد الشعور بالمعنى والمغزى في حياتنا، إن لم يكن لدينا أصلًا إحساس قوي بالهدف.

اقرأ أيضاً: احذر: فيسبوك خطر على صحتك العقلية!

كن جزءًا من التجربة

قد يجعلنا فيسبوك نشعر بالوحدة أو العزلة أو حتى الغيرة من الحياة التي تبدو مثاليةً عليه، وهذا الجانب السلبي لفيسبوك يتجلى في الأغلب عندما نصبح مشاهدين سلبيين ولسنا جزءًا من التجربة. لذلك عزيزي مستخدم فيسبوك، قم بالانخراط في عالم الفيسبوك، قم بالنشر والإعجاب والتعليق، عبّر عن نفسك، لكن كن على قدر المسؤولية.

اقرأ أيضاً: ما بين التكنولوجيا والعزلة الاجتماعية: ما هو مصيرنا في ظل عالم تسوده الأتمتة؟

 

2

شاركنا رأيك حول "سيكولوجية الفيسبوك: الأسباب التي تدفعنا لاستخدامه والنشر عليه والإعجاب بالمحتوى أو تجاهله"