محمد رضا: التعليم بالنسبة لي ليس قطاعًا… هو فجوة عشتها

محمد كمال
محمد كمال

6 د

في سوق يتغير بسرعة، يختار محمد رضا أن يقرأ مساره من زاوية واحدة: التعليم كفجوة شخصية تحولت إلى عمل. بدأ في 2016 بمشروع اجتماعي اسمه EduVision وبنى حوله منصة تجمع الفاعلين في التعليم، ثم انتقل في 2021 إلى رهان أكثر تركيزًا على التعليم الفني عبر “مهاراتي”.

لاحقًا، أسّس في 2022 شركة لإدارة المؤتمرات والمعارض بمعايير دولية “تُسلَّم محليًا” دون أن يتحول الأمر إلى بحث عن “بريق” الإيفنتس. في هذا الحوار، يتحدث رضا عن القرارات التي أرهقته، وما الذي غيّره حين اصطدم بثلاثية التشغيل: الناس، المال، والاستمرارية وكيف جعلته الجائحة يسبق السوق بخطوة عبر مؤتمرات أونلاين كاملة في مصر قبل أن تصبح فكرة مألوفة.

محمد رضا، رائد أعمال أسّس مبادرات وشركات في التعليم وإدارة المؤتمرات والمعارض، من بينها EduVision وMaharty وNtervento


حين يبدأ “الخيط المشترك” من تجربة شخصية لا من خريطة سوق

سعبر مشاريع مختلفة… لماذا ظل التعليم هو الخيط الذي يربط كل شيء؟ هل كان ذلك قرار سوق أم قرار قناعة؟
بالنسبة لي، بدأ الأمر من قناعة شخصية أكثر من كونه “تحليل سوق”. التعليم ليس فكرة عامة أو قطاعًا على الورق؛ هو شيء عشته وشعرت بفجواته. وريادة الأعمال عندي ليست “شارة هوية”، بل طريقة لبناء أشياء تخدم الناس.
لهذا ظهرت البداية بوضوح في 2016 عندما أسست EduVision كمشروع اجتماعي هدفه تطوير التعليم عبر الخدمات وقدرة التجميع—أن تخلق مساحة تجمع الأطراف التي تحتاج أن تتحدث مع بعضها.

وما الذي فعلته EduVision تحديدًا على الأرض، بعيدًا عن العناوين؟
بنينا عملًا قائمًا على شيئين: منصة تجمع، وخدمات تبني قدرات. “قمة التعليم الإبداعي” كانت الفعالية الأبرز: منصة جمعت معلمين وتقنيين ومؤسسات من القطاعين العام والخاص من المنطقة وخارجها. وبجانب ذلك توسعنا في الاستشارات، واشتغلنا مع مؤسسات تعليمية في التوظيف والتدريب والتطوير التنظيمي. الفكرة كانت عملية: سد فجوات القدرة حيث كانت ناقصة، لا أكثر.


التعليم الفني… عندما تتحول المرارة إلى مشروع

لماذا كان مشروع “مهاراتي” مهمًا إلى هذا الحد بالنسبة لك؟
لأن خلفيته جزء من قصتي. أنا خريج تعليم فني، ورأيت عن قرب كيف يتم تهميش التدريب المهني وكيف يبقى بلا موارد كافية وبلا “جدية” تنظيمية. في 2021 تحولت تلك الفكرة القديمة إلى مشروع مركز: “مهاراتي”.

كيف صممتم “مهاراتي” كي لا يصبح مجرد منصة دورات؟
صممناه كمنصة للتدريب المهني والفني، مع خدمات مهنية للعمالة الفنية والمهارية—بحيث لا تكون العملية “تعليمًا” منفصلًا عن سوق العمل. اشتغلنا عليها مع شريكي محمد الباز وفريق ملتزم. وأنا لا أتعامل معها كقصة فوز ستارتاب؛ أراها محاولة تصحيح: أن يأخذ التعليم الفني البنية التحتية والاحترام الذي يستحقه.


Ntervento… “التوسع” دون فقدان المعنى

تأسيس شركة للمؤتمرات والمعارض قد يبدو قفزة بعيدة عن التعليم. لماذا Ntervento إذن؟
أنا أراها امتدادًا لفكرة “التجميع” لكن على نطاق أكبر. أسسنا Ntervento في 2022 مع وليد سعد وناصر فكري، وركزنا على إدارة المؤتمرات والمعارض بمعايير عالمية لصالح الحكومات والمؤسسات الكبيرة. لم يكن الهدف مطاردة “اللمعان”. كان الهدف بناء حلول متكاملة وإثبات أن المعايير الدولية يمكن تنفيذها محليًا.

ما الذي تعتبره جوهر الإيفنتس لديك؟
ليست لوجستيات فقط. الإيفنت عندي وسيلة لجمع أفكار وصناعات وقرارات. اليوم ننظم مؤتمرات دولية في مصر ونعمل مع شركاء محليين وعالميين. الفكرة: أن يكون الحدث مساحة حركة ومعنى، لا مجرد جدول وتشغيل.


“الناس والمال والاستمرارية”… الدروس التي لا تُتعلَّم بسرعة

ما أصعب ما واجهته؟ ولماذا لا تذكر المنافسة أولًا مثل أغلب المؤسسين؟
لأن التحدي الحقيقي لم يكن المنافسة أو التوقيت. كان الناس، والمال، والاستمرارية. في البدايات حاولت أن أفعل أشياء كثيرة بنفسي، وهذا قادني إلى إرهاق وحدّ من النمو.

كيف تغيرت طريقة إدارتك بعد ذلك؟
تعلمت أن أجذب الأشخاص المناسبين وأن أدير بالثقة والوضوح. التفويض صار “انضباطًا” وليس تنازلًا. ماليًا، الندرة أجبرتني على ترتيب الأولويات. وأخطاء الإدارة المالية علّمتني قيمة الشراكات والاستدامة بدل التوسع السريع قصير النفس. الذي حملني كان المرونة النفسية والإيمان بأن التعثر جزء من العمل، وليس استثناءً.


خطوة للخلف… كي يتحرك كل شيء للأمام

كيف تقسم وقتك اليوم؟ وما الذي لم تعد تفعله بنفسك؟
تعمدت الابتعاد عن التنفيذ اليومي. تركيزي الآن على الاستراتيجية وتطوير الأعمال والمشاريع الجديدة، بينما يدير الشركاء والمديرون العمليات.
وهذا ليس “ابتعادًا” بقدر ما هو محاولة لاكتساب منظور: عندما تركز على الصورة الأوسع تستطيع التقاط الفرص وبناء الشراكات والحفاظ على اتساق المسار طويل المدى. والأهم: إتاحة مساحة للآخرين كي يكبروا داخل المؤسسة وهذا شرط لبناء شيء يعيش.


الإيفنت الذي “يظل” في الذاكرة… ليس الأكبر دائمًا

ما اللحظة التي تعتبرها مصدر فخر؟ أكبر مؤتمر؟ أهم اسم؟
لا أحب ترتيب الأشياء بهذا الشكل. كل حدث يحتاج التزامًا كاملًا. لكن “قمة التعليم الإبداعي” لها مكان خاص لأنها أول فعالية نظمتها تحت EduVision. كانت دليلًا أن الفكرة قابلة للتنفيذ وأن منصة إقليمية ذات مصداقية ممكنة.
وهناك محطة أخرى: “مسابقة المهارات للتعليم الفني” لأنها مرتبطة بقصتي وبالدفاع عن التعليم المهني. ما يميز هذه الأحداث ليس المسرح ولا المتحدثين؛ بل التعاون الذي يحدث خلف الكواليس—فرق تعمل على رؤية مشتركة، وتفهم أن الإيفنت في النهاية “قصة” وأثر طويل المدى.


مهارات لا يمكن للشباب تجاهلها في سوق عمل يتبدل

إذا اختصرت نصيحتك للشباب حول التوظيف… ماذا تقول؟
الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا. من يعرف كيف يستخدمه بفعالية سيكون أكثر تنافسية في قطاعات كثيرة. لكن التقنية وحدها لا تكفي.
التواصل، حل المشكلات، واتخاذ القرار ستظل مهارات حاسمة. أصحاب العمل يريدون من يستطيع تحليل التعقيد، والتعاون، واتخاذ خيارات تحت ضغط. الأفضلية لمن يجمع “ثقافة استخدام AI” مع الحكم البشري والقيادة—هذا هو المزيج الذي يجعل استبدالك أصعب.


درس الجائحة: اسبق الفكرة قبل أن تصبح “ترندًا”

ما الذي غيره وباء كورونا في طريقة تفكيرك؟
علمني قيمة التحرك المبكر. كنا من أوائل الشركات في مصر التي قدمت تجارب مؤتمرات أونلاين بالكامل قبل أن تُقبل الفكرة على نطاق واسع. هذه التجربة رسخت لدي فكرة: لا تنتظر أن يتفق السوق على الشيء كي تبدأ.

وما الاتجاهات التي تراها الآن في التعليم والإيفنتس؟
في التعليم، التركيز يتجه نحو الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، خصوصًا للتعلم الشخصي والتحليلات الذكية. في الإيفنتس، هناك اهتمام بالصيَغ الهجينة (Hybrid)، وبالبيانات الفورية، وبأدوات التفاعل الرقمي.
طريقتي عادةً: أدرس نماذج عالمية ثم “أُوطِّنها” بحيث تعمل فعليًا في المنطقة، لا أن تبقى نسخة تجميلية. هذا المزيج هو ما يساعدك أن تواكب وتشارك في رفع المعايير في الوقت نفسه.


التأثير لا يأتي وحده… أشخاص قبل الكتب

من أثّر فيك؟ كتاب محدد؟ مدرسة فكرية؟
أشخاص أكثر من كتب. أحمد ربيع، أحمد توهمي، وحاتم سلام قدّموا دعمًا وإرشادًا في مراحل مبكرة. وعلى نطاق أوسع، تجارب محمود العربي وأحمد السويدي تظل ملهمة لأنها تُظهر كيف يمكن بناء أثر مع نجاح أعمال.
هذه النقطة تلخص شيئًا أراه باستمرار: التقدم نادرًا ما يكون فرديًا، والنماذج مهمة حين تُظهر مسؤولية إلى جانب النمو.


لمن يريد دخول عالم تنظيم الفعاليات: “اتساع أولًا”

ما نصيحتك لمن يدخل مجال إدارة الفعاليات الآن؟
لا تبدأ بالتخصص مباشرة. جرّب واشتغل في مجالات مختلفة داخل الإيفنتس لتفهم الصورة الكبيرة وتكتشف أين تُضيف قيمة حقيقية. التجربة عبر أنواع فعاليات متعددة ستوضح نقاط قوتك واهتماماتك. بعدها يصبح التخصص منطقيًا.
النتيجة في رأيي: مرونة وقدرة على التكيف وثقة مبنية على خبرة، لا على افتراضات.


ما التالي: منصات أذكى… وقرارات تعليم “مبنية على بيانات”

ما المشروع الذي يحمسك في المرحلة القادمة؟
في المؤتمرات والمعارض، أتحمس لمنصات تقنية تجعل التجربة أذكى وأكثر تفاعلية وأسهل في التوسع، مع تحليلات لحظية وتجارب هجينة سلسة.
وفي التعليم، لدينا أفكار قيد التطوير تعتمد على الذكاء الاصطناعي والبيانات لتخصيص التعلم ودعم القرارات المبنية على الأدلة. قد يأتي التنفيذ لاحقًا، لكن النية واضحة: ربط الابتكار العالمي بالحاجة المحلية، وبناء مشاريع تخدم الناس قبل أي شيء آخر.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.