زين العابدين توفيق: عند تأسيس صراحة رفضت ميزة “الرد” لأنّها كانت ستقتل الحلقة التي صنعت النمو

محمد كمال
محمد كمال

6 د

تطبيق يبدأ كتجربة صغيرة وحدّ النجاح فيه “ألف رسالة” قد يتحول فجأة إلى ماكينة نموّ لا تنتظر أن تكون مستعدًا. هذا ما يصفه زين العابدين توفيق حين خرجت “صراحة” من إطار “مشروع جانبي” إلى واقع يفرض إعادة بناء كل شيء: من البنية التقنية إلى طريقة التعامل مع المستخدمين.

اللافت هنا أن الشرارة لم تكن حملة ولا “هاك” تسويقي؛ بل مشاركة من شخص واحد امتلك شبكة اجتماعية واسعة، ثم انتقلت “صراحة” عبر مجموعات واتساب العائلية لتقفز خلال أيام من آلاف إلى ملايين.

في هذا الحوار، لا يقدّم توفيق قصة انتصار لامعة؛ بل منطق قرارات تحت الضغط: ما الذي حماه من ملاحقة طلبات المستخدمين؟ أين تأخّر؟ وكيف دفع شخصيًا ثمن “إطفاء الحرائق” عندما صار النمو أسرع من القدرة على الاستيعاب؟


زين العابدين توفيق، مؤسس تطبيق Sarahah (صراحة)، ويعمل حاليًا على منتج Wallble. خبرته تتركز في بناء منتجات استهلاكية Consumer، وفهم سلوك الانتشار في سياقات اجتماعية محلية.


حين توقّف المشروع الجانبي عن التصرّف كمشروع جانبي

متى شعرت أن “صراحة” خرجت من كونها تجربة إلى شيء “لا يمكن تجاهله”؟ ما أول لحظة كسرت الإطار الذي كنت تضعه لها؟
لم تكن لحظة “ضجة صحفية” أو لقطة ترتيب في متجر التطبيقات. سقفي الذهني كان بسيطًا جدًا: لو وصلنا إلى ألف رسالة تُرسل داخل المنتج، فهذا نجاح.
كنت أتابع المستخدمين وعدد الرسائل بدقة، لكنني—ذهنيًا—كنت أتعامل معه كمنتج صغير يمكن احتواؤه. الذي كسر هذا الإطار هو تغيّر شكل النمو. لم يعد خطيًا. صار يتضاعف.

ما الذي أشعل هذا التضاعف؟ هل كان قرارًا مقصودًا منك؟
لم يكن “هاك نمو” ولا حملة. كان شخصًا واحدًا. زميل في العمل لديه سطح اجتماعي واسع جدًا شارك المنتج، ثم تسرب إلى مجموعات واتساب العائلية الممتدة عبر المنطقة. خلال أيام انتقل الاستخدام من آلاف إلى ملايين.
الفهم جاء بعد ذلك: المنتج اصطدم بديناميكية إقليمية واضحة—عائلات كبيرة، مترابطة، موزعة جغرافيًا—وعندما يدخل منتج إلى هذه الشبكات، يتحرك بلا احتكاك.


التوزيع كما حدث فعلًا… لا كما نحب أن نرويه

لاحقًا أصبحت “صراحة” التطبيق رقم واحد في أكثر من 30 دولة. كيف تفسّر ذلك من زاوية التوزيع؟
أرجع دائمًا إلى “المحلية”. البدء محليًا لم يكن شعارًا؛ كان واقعيًا. أنا أفهم ميكانيكا الثقافة في منطقتي، والمنتج انحنى لهذه الميكانيكا بدل أن يقاومها.

وعندما استمتع المستخدمون الأوائل فعلًا، ركّزت على حلقة واحدة فقط: جعل مشاركة “التغذية الراجعة” علنية سهلة، ومن يكتب تغذية راجعة يُدفع بعدها لعمل حسابه هو أيضًا.
في ذلك الوقت لم أقس “الانتشار” بشكل رسمي، لكن عندما أنظر للوراء أعتقد أن معامل الانتشار كان مرتفعًا جدًا.

وأين أخطأت قراءتك إذا لم تكن في التوزيع؟
أخطأت في “الاستدامة” أكثر من الانتشار. البنية التحتية تأخرت عن التبنّي. أنا عملي في الهندسة المبكرة ولا أؤمن بالمبالغة في التحسين من البداية—إلا إذا كانت الصناعة تتطلب ذلك—لكن عندما تصل لكتلة حرجة يصبح إعادة البناء والتوسّع أمرًا لا مفرّ منه. هذا الانتقال جاء عندي متأخرًا أكثر مما يجب.


إخفاقات لا تظهر على لوحة القياس

ما أكبر فشل حدث داخل “صراحة”؟
لا أستطيع اختزاله في حادثة واحدة. كانت هناك إخفاقات كثيرة. وأكثرها بقاءً كان شخصيًا. أهملت نفسي والناس حولي، لأنني كنت مشدودًا لإطفاء حرائق لا تنتهي مع طلب هائل ومتسارع.

هناك ذكرى ما زالت تزعجني: كنت أعمل على اللابتوب في محل بيتزا، وأمي تنتظر بصبر بجانبي. هذا النوع من اللحظات لا تراه في الأرقام، لكنك تدفع ثمنه.

وعلى مستوى المستخدمين، هل اتخذت قرارات قلّلت التفاعل عمدًا؟ ولماذا؟
نعم. اتخذت قرارات هدفها الحماية حتى لو خفّضت الاستخدام. مثلًا عطّلت إرسال التغذية الراجعة المجهولة من دون تسجيل دخول، رغم أنها تقلل التفاعل.
ومع ذلك، عندما أراجع الأمر لا أشعر أنه كان كافيًا. الكلفة لم تكن مستخدمين أو سمعة فقط؛ كانت نومًا وعلاقات، وإحساسًا مزمنًا بأن النمو زاحم “الرعاية”.


لماذا رفضت ميزة “الرد” رغم طلب الجميع لها

ما أفضل قرار اتخذته خلال مرحلة النمو السريع؟
رفض ميزة ظلّ المستخدمون يطلبونها ولم يحصلوا عليها: القدرة على الرد على التغذية الراجعة داخل المنصة.
على السطح يبدو طلبًا منطقيًا.

عمليًا كنت أراه قاتلًا للنظام. الردود ستجعل المحادثة “محتواة” داخل المنتج، وتقلّل الدافع لمشاركة الرسائل على الشبكات الاجتماعية والتفاعل عليها هناك. بينما مشاركة الرسائل خارج المنصة كانت محرك النمو.

رأيت منصة مشابهة تموت بعد أن أضافت هذه الميزة تحديدًا. ومع القيود التي كنت تحتها، حماية الحلقة كانت أهم من إرضاء الطلبات.


أسبوع واحد كنت سأعيشه بطريقة مختلفة

وما أسوأ قرار أو أكثر قرار تندم عليه؟
تأخير رحلة إلى وادي السيليكون. في ذلك الوقت لم أكن أفهم ديناميكيات السوق كما يجب، ولا سرعة فتح “النوافذ” وإغلاقها.

لو أعدت تلك الفترة، الخطوات بسيطة: أجيب المكالمات أبكر. أنخرط مع المنظومة أسرع. بعض المحادثات لا تبقى متاحة طويلًا، والتردد له ثمن.


حين جاءت المكالمات من الكبار… كيف اخترت “مع من” تمشي؟

جاءك اهتمام من صناديق استثمار كبيرة وحديث مع Google corporate development. كيف تعاملت مع تلك اللحظة؟
أحاول ألا أضخمها. كانت نقاشات مبكرة، والأحداث تحركت أسرع من القرارات. في النهاية، آبل وغوغل أزالوا “صراحة” قبل أن يصل الأمر إلى دراسة أعمق.

لكن ما وجّهني طوال الوقت كان الاتساق: لا أعمل إلا مع شركات ومعلنين متوافقين مع قيَمي. الاهتمام لم يغيّر هذا الفلتر.


التوظيف: “التواضع” كمعيار أول… لا مهارة إضافية

عندما توظّف اليوم، ما الذي تبحث عنه؟ وما الذي تتجنبه؟
معيار واحد يطغى على كل شيء: التواضع. أفضّل العمل مع أشخاص متواضعين على توظيف موهبة تقنية أقوى مع “أنا” كبيرة.

ولا أعتمد على أسئلة خداعية. أراقب أجواء المقابلة: أجعل المرشح مرتاحًا، بل أشجعه أن يستمتع بالمحادثة. هذا ليس تهاونًا، بل تشخيص. السلوك السام عادة يظهر مهما كانت الأجواء مريحة. الراحة تكشف الشخصية.


Wallble: نقل الدروس… من دون إعادة إنتاج السلوك الخاطئ

لننتقل إلى Wallble. ما المشكلة التي تحاول حلّها الآن؟
المشكلة عاطفية-اجتماعية. إيقاع الحياة السريع لا يترك مساحة للحظات صادقة تُحفظ. Wallble يصنع مساحة تجمع رسائل “من القلب” ورسومات في “جدار ذكريات” واحد—شيء لا يضيع بين خيوط Slack أو تمرير واتساب.

وما الذي فعلته عمدًا بشكل مختلف بسبب تجربة “صراحة”؟
شيئين واضحين. أولًا: تجنبت المجهولية بالكامل. ثانيًا: لم أحاول تحويل حركة “صراحة” إلى Wallble، لأنني أعرف أن كثيرًا من المستخدمين سيحاولون إعادة خلق ديناميكية “التغذية الراجعة المجهولة” في أي منتج قريب. حماية السلوك المقصود عندي أهم من زيارات سريعة.


نصيحة لا تبيع الوهم

AraGeek: أنت تعمل على منتجات استهلاكية الآن وتقدّم نصحًا لمؤسسين صغار. ما الفكرة التي تقاومها عمدًا؟
زين العابدين توفيق: رومانسية “اترك وظيفتك لتبدأ شركة”. أنا لا أبيع هذا الوهم. مع الذكاء الاصطناعي صار بناء MVP (النموذج الأولي الأدنى) أسهل، وبالتالي لا يوجد ما يبرر ضغطًا ماليًا غير ضروري.
عشت هذا الضغط بنفسي ووجدته عكسيًا. الدخل الثابت يشتري لك وضوحًا. تركيزي اليوم أن أبني بهدوء، وأنصح بصدق، وأرفض تقديم المعاناة كفضيلة بحد ذاتها.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.