ما سبب هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر؟

هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر
سها ديوب
سها ديوب

9 د

يقف شاهقًا بارتفاع يبلغ 481 قدمًا (146.5 مترًا)، ذو كتلة إجمالية تقارب 6.5 مليون طنٍ نتجت عن اصطفاف 2.3 مليون قطعةٍ حجرية فوق بعضها البعض، والتي تزن كلّ واحدةٍ منها ما يقارب الثلاثة أطنانٍ، مشكّلةً إحدى أكثر الصروح المعمارية إثارةً للفضول والدهشة على كوكب الأرض، هو الهرم الأكبر في الجيزة، هرم خوفو.

وعلى الضفة الأُخرى، هناك أحد أكثر الصروح البشرية ذكاءً وعبقريةً، إنه الهرم في عالم البشر، نيكولا تسلا. فما القصة التي تجمع بين هاتين الظاهرتين، وهل كان تسلا مهووسًا حقًّا بالهرم الأكبر خوفو!

اقرأ أيضًا: هل سرق إديسون اختراعاته من نيكولا تيسلا حقًا؟

هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر

منذ عامين، ظهر على الإنترنت مجموعة من المقالات والفيديوهات الشيّقة وغير العادية والتي تتحدث عن هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر في الجيزة، وعن وجود علاقة بين الأهرامات وبين براءة الاختراع التي قدمها تسلا وهي “فن نقل الطاقة الكهربائية عبر الأوساط الطبيعية”.

هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر

وجود علاقة افتراضية بين الهرم الاكبر وبرج تسلا

يقول كاتب المقال والمعنون بـ “لماذا كان نيكولا تسلا مهووسًا بالأهرامات المصرية” والذي انتشر على المواقع الإلكترونية كانتشار النار في الهشيم، أنّ نيكولا تسلا وهو العالم والمخترع العبقريّ كان مهووسًا بالعديد من القضايا غير العادية، وأحد أكثر هواجسه غرابةً كانت الأهرامات. إذ اعتقد تسلا أنّ هذه الهياكل قد بُنيت لتخدم غرضًا ساميًا أكبر بكثير من كونها مقابر فرعونية، بل تساءل فيما إذا كانت هذه الهياكل الضخمة عبارة عن أجهزة إرسال عملاقة للطاقة، وقد تزامنت هذه الأفكار مع أبحاثه المتعلقة بكيفية إرسال الطاقة لاسلكيًا.

وحسب المقال، فقد قدّم نيكولا تسلا طلبًا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1905 للحصول على براءة اختراع حول بحثه “فن نقل الطاقة الكهربائية عبر الأوساط الطبيعية”، والتي وضّح فيها الخطوط العريضة لمجموعة من التصميمات لسلسلة من المولدات حول العالم والتي من شأنها أن تستعين بطبقة الأيونوسفير لنقل الطاقة الكهربائية، وقد أصبح تصميمه ذو الشكل المثلثي معروفًا باسم هرم تسلا الكهرومغناطيسي.

هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر

برج تسلا لنقل الطاقة الكهربائية لاسلكيًا

نسبةً لتسلا، لم يكن شكل الأهرامات فحسب هو العنصر الأساسي المميز لها، إنما كان موقعها الجغرافي هو ما ساهم في نشوء قوتها. وقد قام ببناء مختبره المعروف باسم “محطة تسلا التجريبية” في كولورادو سبرينغز في الولايات المتحدة الأمريكية، وبنى أيضًا برجه المشهور “برج واردنكليف” أو برج تسلا في الساحل الشرقي لـ “لونغ آيلاند” بغية استخدامه في نقل الاتصالات اللاسلكية عبر الاستفادة من مجال طاقة الأرض. أما عن العلاقة بين هذه المنشآت والأهرامات؛ فيقول الكاتب أنّ تسلا قد اختار مواقع هذه الأبراج وفقًا لقوانين متعلقة بالموقع الجغرافي لأهرامات الجيزة، والتي ترتبط بالعلاقة الموجودة بين المدار الإهليلجي لكوكب الأرض وخط الاستواء.

ذو صلة
هرم خوفو

الهرم الاكبر في الجيزة

بالإضافة إلى ذلك، يقول الكاتب إنّ تسلا كان مهووسًا بعالم الأرقام وخصوصًا هذه الأرقام (3،6،9)، والتي اعتقد بأنها مفتاح الكون. واعتقد البعض أنّ هوس تسلا بهذه الأرقام ناتج عن تفضيله للأشكال الهرمية والاعتقاد بوجود قوانين ونسب رياضية أساسية تشكّل جزءًا من لغة الرياضيات العالمية.


حقيقة هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر في الأوساط الاكاديمية

عند البحث في المراجع العلمية عن هوس تسلا بالهرم الأكبر، لم يتم العثور على أي أبحاث أكاديمية تتعلق بهذا الموضوع. وقد ذكر أحد الباحثين المتخصصين في مراجعة أعمال تسلا، أنّه وعلى الرغم من مشاركته في الأبحاث العملية والنظرية المتعلقة بأعمال تسلا لمدة عشرين عامًا، إلا أنه لم يحدث وأن صادف كلمةً واحدة تتعلق بالأهرامات قد وردت في أيّ وثيقةٍ ذات صلة أو بيانٍ رسميٍّ أصدره تسلا. 🙄

هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر

عدم وجود دليل على هوس تسلا بالهرم الأكبر

بل ذهب هذا الباحث إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ استشار العديد من الباحثين الأكثر تخصصًا بأعمال وحياة تسلا، والذين درسوا أعماله لعقود مستمرة بكل تفانٍ، وقد أعلنوا أنهم ليسوا على علمٍ بأيّ بيان مكتوب أو شفهي قد تحدث فيه تسلا عن الأهرامات. فالحقيقة حسب ما يقوله هذا العالم هي أنّ تسلا لم يكن مهووسًا بالأهرامات، بل لم يذكرها في أعماله على الإطلاق.

إذًا وعلى الرغم من أنّ هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر قد لا يكون حقيقيًا، إلا أنّ العديد من المواقع وحتى بعض المواقع الأكاديمية حاولت أن تجد قاسمًا مشتركًا بين هذين العملاقين، وقد لجأت أغلبها إلى بعض الثوابت الرياضية المميزة جدًا في عالمنا مثل النسبة الذهبية ورقم π. كيف!

اقرأ أيضًا: امرأة في برلين: نساء المدينة المحتلة قرابين بشرية مدانة حتى الموت


النسبة الذهبية

من المحتمل أنّ معظمكم قد سمِع عن الرقم المسمى بالنسبة الذهبية، وهي النسبة التي فُتِنت بها البشرية على مدى آلاف السنين، والتي يعتقد الكثير من المؤلفين والكتّاب (بما في ذلك كاتب رواية شيفرة دافنشي) بأنها أساس كل الأنماط والتصاميم الجميلة الموجودة في الطبيعة لدرجة أنها سميت بالنسبة الإلهية.

هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر

النسبة الذهبية

لكن ما هي النسبة الذهبية؟

يشار إليها بالرمزφ (فاي)، وقد عرفّها عالم الرياضيات اليونانيّ القديم “إقليدس” على النحو التالي: إذا كان لديك قطعة مستقيمة (c) أردت تقسيمها إلى قطعتين؛ بحيث تكون النسبة بين طول القطعة الكلي والجزء الأطول (a) من القطعتين هي نفسها النسبة بين طول الجزء الأطول من القطعتين (a) والجزء الأقصر (b)، وتكون هذه النسبة تساوي تقريبًا الرقم (1.61803) وهو عدد غير نسبي (قياسي).

أي أنّ:                                 c/a=a/b=1.618

يمكن استخدام هذه النسبة لإنشاء أشكال مختلفة مثل المستطيل أو المثلث أو الحلزوني. وكما هي العادة، فقد انتشرت العديد من المعتقدات والادعاءات (غير المدعومة بالأدلة الكافية) التي تصف وجود هذه النسبة في مختلف جوانب الحياة، مثل انسجامها مع العديد من الأنظمة البيولوجية، والجينوم البشري، وفي العديد من الأعمال المعمارية القديمة مثل معبد بارثينون، والفنية كأعمال ولوحات ليوناردو دافنشي مثل الموناليزا والرجل الفيتروفي، وغيرها.

هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر

ادعاءات وجود النسبة الذهبية في العديد من الأعمال الفنية

لكن وعلى الرغم من أنّ العديد من تلك الادعاءات غير صحيح أو مبالغ فيها، فذلك لا يؤثر على روعة هذا الرقم الممثل بالنسبة الذهبية، بل إنه لا يحتاج إلى كل تلك الادعاءات الزائفة لجعله مميزًا بحقّ. إذ أنّ هناك العديد من الظواهر الطبيعية التي ترتبط بالنسبة الذهبية، وأشهرها هو ارتباط هذه النسبة بمتتالية فيبوناتشي الشهيرة.

وهي المتتالية (…..1,1,2,3,5,8,13,21) التي وضعها العالم ليوناردو فيبوناتشي عام 1202 م، والتي ينتج كل حدٍّ فيها عن جمع الحدّين السابقين له، وكلما كبرت الأعداد كلما اقتربت نسبة كل حد إلى الحد السابق له من قيمة النسبة الذهبية.

تظهر متتالية فيبوناتشي في الطبيعة بشكل مؤكد، فهي ترتبط بطريقة نمو السكان، والطريقة التي يمكن فيها ترتيب الأشكال معًا. على سبيل المثال، يمكن رؤية هذا التسلسل في التوزّع الحلزوني للبذور في أزهار عباد الشمس، وفي طريقة اصطفاف أوراق بعض النباتات على الساق بحيث لا تمنع ورقةٌ ورقةً أُخرى من التقاط أشعة الشمس، وفي نسبة توزع الذكور مقابل الإناث في خلايا النحل. بالتالي، يمكن القول إنه يمكن حقًّا ملاحظة النسبة الذهبية والنسب القريبة منها في العديد من الظواهر الطبيعية حولنا.


لكن ما هو القاسم المشترك بين تسلا والهرم الأكبر والنسبة الذهبية؟

بدأ نيكولا تسلا عام 1901 ببناء أحد أكبر مشاريعه طموحًا أو ذلك الحلم السابق لأوانه، وهو برج واردنكليف والمُسمّى أيضًا ببرج تسلا، مستندًا إلى أحد أكثر أفكاره ثوريةً وهي بناء نظام اتصالات لاسلكيّ عالميّ من خلال استخدام كوكب الأرض نفسه كموصل. لم تكن هذه الأفكار دون أساس علميّ، فقد استطاع بالفعل إثبات إمكانية إرسال الإشارات عالية التردد دون توصيلات سلكية وذلك باستخدام “ملف تسلا” وهو المحول الخاص به.

ولم يكن نقل المعلومات لاسلكيًا هو حلم تسلا فقط، وإنما كان هدفه هو إيجاد طريقة لنقل الطاقة الكهربائية لاسلكيًا عبر الغلاف الجوي العلويّ لكوكب الأرض، لذلك فقد خطط لبناء برج واردنكليف كنموذج أولي لشبكة من الأبراج تمتد عبر العالم تقوم بنقل الطاقة اللاسلكية في جميع أنحاء العالم، لكن تم هدم البرج لاحقًا عام 1917.

تقول المصادر أنّ الارتفاع الكليّ لبرج تسلا كان 93 مترًا، بحيث يبلغ طول الجزء الواقع فوق سطح الأرض (57 مترًا)، وطول الجزء الواقع تحت الأرض (العمق= 36 مترًا)، تبلغ نسبة الطول الكليّ إلى الجزء العلوي (1.63=93/57) وهي نسبة قريبة نوعًا ما من النسبة الذهبية.

بالإضافة إلى النسبة الذهبية، ظهر رقمٌ مميز آخر في قياسات برج تسلا وهو الرقم π (باي)، والذي يُعرَّف بأنه نسبة محيط الدائرة إلى قطرها، وهو أيضًا رقم غير نسبي يساوي تقريبًا (3.14). وحسب المصدر، فإنّ نسبة الجزء العلوي للبرج إلى الجزء السفليّ (1.58=57/36) وهي قيمة قريبة جدًا من قيمة π/2.

تكررت هذه القيم الرياضية كثيرًا في حسابات تسلا، على سبيل المثال، حدد تسلا تردد الرنين للنظام (f=89.42 كيلوهرتز) وقيمة تردد الرنين للدارة الأساسية (f=56.4 كيلو هرتز). وكذلك الأمر، بلغت نسبة تردد الرنين للنظام إلى الدارة الأولية (1.58) وهي قريبة أيضًا من قيمة π/2.

لنعد الآن إلى الأهرامات، إذا أخذنا مقطعًا عرضيًا في الهرم الأكبر سنحصل على ما يُسمَّى بالمثلث المصري، وهو مثلث مميز لأنه من المفترض أن يحوي على النسبة الذهبية. يبلغ ارتفاع الهرم (146.515 متر)، طول القاعدة (230.363 متر)، طول الضلع المائل (186.369 متر). في المثلث، نحصل على النسبة الذهبية (في حال وجودها) بتقسيم الارتفاع المائل على نصف القاعدة أي:

186.369 ÷ 115.182 =1.61804

المثلث المصري

المثلث المصري

تختلف هذه النسبة عن النسبة الذهبية برقم واحد فقط في الموقع العشري الخامس!

بالإضافة إلى النسبة الذهبية، فإن النسبة π موجودةٌ أيضًا في الهرم الأكبر. فإن قمنا بتقسيم محيط الهرم على ارتفاعه سنحصل على نسبة قريبة جدًّا من القيمة 2π، وهو أمر مثير للدهشة حقًا إذا ما قارنتها بحقيقة أنه إذا قسمنا محيط الدائرة على نصف قطرها سنحصل على القيمة 2π. وقد افترض بعض العلماء من النتائج السابقة أنّه ربما يكون القصد من الهرم الأكبر هو أن يكون نموذجًا يمثل الأرض الكروية، بحيث يكون ارتفاع الهرم موافق لنصف القطر الذي يصل بين مركز الأرض والقطب الشمالي، ومحيط الهرم يمثل محيط الكرة الأرضية عند خط الاستواء. بينما يقول البعض الآخر أنّ بناء الهرم استند إلى الرياضيات المصرية القديمة، بالتالي فربما يكون ظهور النسبة π هو تحصيل حاصل.

إذًا، لا بدّ أن نتساءل: هل تكون هذه النسب المتشابهة بين الهرم الأكبر وتسلا من وحي المصادفة الغريبة أم الخدعة، أم أن هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر كان حقيقيًّا، والذي حلُم يومًا أن يستخدم كوكب الأرض نفسه كموصل في تجاربه.

هوس نيكولا تسلا بالهرم الأكبر

نيكولا تسلا عالِم جاء قبل أوانه

وفي النهاية، نرى أنّ الكثيرين اليوم من رواد السوشال الميديا أو بعض المفكرين والأدباء والعلماء كثيرًا ما يحاولون إيجاد رابط ما بين حضارة وعالِم، أو بين رقمٍ وغصن شجرة، ربما للتسلية أو للشهرة أو كمحاولةٍ لإظهار سحرٍ ما في هذا العالم، وقد غفلوا ربما عن حقيقة أنّ السحر موجود دون الحاجة إلى كل هذه التعقيدات، موجودٌ في الطبيعة، في الحضارات، في العلم، دون الحاجة إلى إثبات.

اقرأ أيضًا: الرياضيات البحتة … رياضيات لأجل الرياضيات!

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.