انعكاس الأقطاب المغناطيسية للأرض…بين دراسة تتوقع وأخرى تنفي لنفهم ما يحصل!

الأقطاب المغناطيسية
مريم مونس
مريم مونس

6 د

المغناطيسية واحدة من قوى الطبيعة الناتجة عن حركة الشحنات الكهربائية في الغلاف الجوي، وقد تكون المغناطيسية قوى وحركات مجهرية داخل مادة المغناطيس، حيث يمكن للمغناطيس أو المجال المغناطيسي الناتج عن حركة الشحنات الكهربائية جذب مواد مغناطيسية أخرى وتغيير حركة جسيمات مشحونة محددة أو مقاومتها، لكن ما هي أقطاب هذه المغناطيسية؟ وما تأثير المجال المغناطيسي على كوكب الأرض؟ ولماذا كل هذه الضجة بخصوص انعكاسها؟

تابع معنا القراءة لنتعمّق أكثر فيما توصّل إليه الباحثون في جوانب المجال المغناطيسي.


ما هي الأقطاب المغناطيسية؟

يمكن تحديد نوعين من الأقطاب للمجال المغناطيسي وهما: الأقطاب الجيومغناطيسية، والأقطاب المغناطيسية. إن الأقطاب المغناطيسية موجودة عند كل طرف من أطراف مغناطيس ما، بحيث يكون المجال المغناطيسي هو القوة الناشئة في محيط المغناطيس، فهناك "القطب الشمالي المغناطيسي" و "القطب الجنوبي المغناطيسي"، والأقطاب المغناطيسية هي النقاط التي تبقى فيها الإبرة المغناطيسية عمودية.

أما الأقطاب الجيومغناطيسية (ثنائية القطب) فهي الأقطاب التي تتشكل من تقاطعات سطح الأرض مع محور قضيب مغناطيسي افتراضي موضوع في مركز الكرة الأرضية، حيث يوجد قطبين في نصفي الكرة الأرضية وهما "القطب الشمالي المغناطيسي الأرضي" و"القطب الجنوبي المغناطيسي الأرضي"، بحيث تتوافق الأقطاب الجيومغناطيسية مع الأقطاب المغناطيسية.

ويجب التنويه أن الشمال المغناطيسي لا يتوافق مع أي من النوعين السابقين، وذلك لأن المجال الجيومغناطيسي له شكل أكثر تعقيدًا من المجال المغناطيسي الناتج عن قضيب مغناطيسي عادي، حيث إن الإبرة المغناطيسية الموجودةفي مركز التوازن المغناطيسي لا تبقى أفقية بل تنحرف بزاوية تسمّى "زاوية الميل" بين سطح الأرض والمجال المغناطيسي.

ذو صلة

اقرأ أيضًا: ما هو الفرق بين الشمال الجغرافي والشمال المغناطيسي؟


ما هي العوامل المُسبّبة للمجال المغناطيسي؟

تتولد المجالات المغناطيسية بواسطة حركة الشحنات الكهربائية، حيث تتمتع الإلكترونات جميعها بخاصية كمومية أساسية ميكانيكية للزخم الزاوي تُعرف باسم "قوة الدوران"، كما تميل معظم الإلكترونات إلى تكوين أزواج أحدها يدور للأعلى والآخر يدور للأسفل داخل الذرة، وبالتالي يكون حامل العزم الزاوي للإلكترونات في اتجاهين متعاكسين، وفي هذه الحالة تتولّد المجالات المغناطيسية من خلال الدوران في اتجاهين متعاكسين لذا فإنها تلغي بعضها بعضًا.

تحتوي بعض الذرات على إلكترون واحد أو أكثر من الإلكترونات غير المترابطة، حيث تخلق هذه الإلكترونات غير المُشاركة مجالًا مغناطيسيًا صغيرًا، أما اتجاه المجال المغناطيسي فيتم تحديده من خلال اتجاه دوران الإلكترونات، فعندما تتم محاذاة عدد كبير من الإلكترونات غير المرتبطة مع محاورها في نفس الاتجاه، فإنها تتحد لتنتج مجالًا مغناطيسيًا قويًا بما يكفي لتتم ملاحظته على نطاق واسع،  حيث يتمركز مصدر المجال المغناطيسي على بعد آلاف الأميال تحت سطح الأرض لتنتج الأحمال الحرارية تيارات كهربائية في اللب الخارجي أو النواة الخارجية للأرض والتي تؤدي إلى دوران الأرض وإنشاء مجال مغناطيسي.


ماذا سيحدث إذا انعكست الأقطاب المغناطيسية؟

تخيل أنك استيقظت بعد ليلٍ طويل ووجدت العالم مقلوبًا، لقد انقلب المجال المغناطيسي للأرض، فمناطق الشمال أصبحت في الجنوب ومناطق الجنوب أصبحت في الشمال، كيف سنعيش على كوكب لا نثق بالتحرك فيه حتى من خلال البوصلة؟

لا يقدم المجال المغناطيسي نقاطًا مرجعية خاصة بالبوصلة فحسب، بل إنه يحمي الكوكب من التأثير السلبي للرياح الشمسية التي تسببها الجسيمات المشحونة المنبعثة من الشمس، وبالتالي حماية الغلاف الجوي من الأشعة فوق البنفسجية.

عندما نذكر انقلاب المجال المغناطيسي الأرضي في حديثنا فإننا نقصد انعكاس الأقطاب المغناطيسية، لكن هل تعلم أن هذا الحدث قد حصل بالفعل منذ آلاف السنين؟ نعم، لقد حدث انقلاب للأقطاب المغناطيسية حوالي 170 مرة في المئة مليون سنة الماضية، وقد كانت المرة الأخيرة قبل 780 ألف عام مع حدوث انعكاس مؤقت قبل 41 ألف عام واستمر أقل من 1000 عام، لكن تظل أسباب هذه الانعكاسات غامضة، ولا توجد طريقة للتنبؤ بشكل مؤكّد بموعد حدوث الانعكاس التالي.

إذن ماذا سيحدث إذا انقلبت الأقطاب المغناطيسية؟ ستشير البوصلات إلى الجنوب بدلًا من الشمال، ما يجعلنا أمام معضلة في تحديد المواقع والاتجاهات، وعلى الرغم من استمرار حماية الأرض من الإشعاع بفضل الغلاف الجوي، فإن المجال المغناطيسي الضعيف لن يبقى قادرًا على مقاومة جزيئات الطاقة المسببة للسرطان والأشعة الكونية، كما يمكن أن تتعطّل شبكات الطاقة وأنظمة الاتصالات بشكل دائم بسبب الانقلاب القطبي، ليس هذا فقط، فقد يتم إنتاج أقطاب شمالية وجنوبية عديدة، ما يسبب مشاكل للكائنات الحية التي تعتمد على الحقل المغناطيسي في تحديد اتجاهاتها مثل الحيتان والطيور والحيوانات المهاجرة الأخرى.


احتمالية انقلاب القطبين المغناطيسيين

إن الانقلاب القطبي المغناطيسي لا يحدث بين ليلةٍ وضحاها بالتأكيد، حيث يستغرق هذا الحدث الكوني ما بين قرن وألفي عام لينتهي بالصورة الكاملة وينتج عنه الانخفاض الحاد في قوة المجال المغناطيسي.

واعتمادًا على الدراسات التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تبيّن أن المجال المغناطيسي يعاني من ضعف في الوقت الحالي، كما كشفت وكالة الفضاء الأوروبية سنة 2014  بيانات من أقمار صناعية أكدت أن المجال المغناطيسي يبدأ بفَقْد 5٪ من قوته مع مرور كل عشر سنوات، لكن ليست هذه النهاية، فالعديد من الدراسات أشارت إلى أن هذا التراجع يمكن أن يتوقف في أي وقت وعندها نبقى على بر الأمان، فقوة المجال المغناطيسي اليوم أكبر مما كانت عليه في السنوات الخمسين ألف الماضية.

وهناك دراسات أخرى تؤكّد أن هذا التراجع هو مؤشّر على حتميّة انقلاب المجال المغناطيسي في الـ 1500 عام القادمة.

اقرأ أيضًا: ما هي المغنطة؟


لماذا غيّر العلماء رأيهم؟

في الآونة الأخيرة، اكتشف العلماء بقعة غريبة في المجال المغناطيسي للأرض تقع فوق منطقة المحيط الأطلسي، وبعد التحليل والدراسة أكّد الباحثون أن هذه البقعة ستشكل عائقًا أمام الدوائر المحيطة بالأقمار الصناعية المدارية، وقد أثارت القلق والاستغراب وسمّيت بـ "شذوذ جنوب الأطلسي"، وقد أعطت هذه الظاهرة أدلة على أحداث كونية يمكنها قلب اتجاهات البوصلة المعروفة وحدوث "انعكاس القطب المغناطيسي".

على الرغم من ذلك، لم يتسرع الباحثون في الحكم والبتّ في إمكانية حدوث انعكاس الأقطاب المغناطيسية، حيث قال أندرياس نيلسون عالم الجيولوجيا في جامعة لوند السويدية: "اعتمادًا على التشابه مع الانحرافات التي تمّ اكتشافها، سيختفي الشذوذ في جنوب المحيط الأطلسي في حوالي 300 عام لاحقة على حسب دراساتنا، وبناءً عليه فإن الكرة الأرضية لا تميل إلى عكس القطبية"، لكن احتمال عكس الاتجاه يبقى واردًا بسبب تدفق خطوط المجال المغناطيسي الذي يشير إلى ذلك.

كما قال نيلسون بعد نتائج الدراسات الحديثة: "بعد رسم خريطة الانحرافات الخاصة بالمجال المغناطيسي للكرة الأرضية التي تشمل جميع التغيرات الحاصلة في الـ 9000 عام الماضية، وجدنا أن الحالات الشاذة -والتي تشبه في مضمونها تلك الموجودة في جنوب المحيط الأطلسي- هي ظواهر متكررة تعتمد على التغيرات المرتبطة بقوة المجال المغناطيسي للكرة الأرضية".

ختامًا...قد يحدث انعكاس الأقطاب المغناطيسية أو يتم كبحه، فالأرض بالنسبة للعلماء والباحثين نظام معقد للغاية، ومعرفة النتائج المتوقعة من الظواهر الكونية أمر صعب ويحتاج لسنين طويلة من التحليل والدراسة، لكن في كلتا الحالتين ستستمر عملية الانقلاب على مدى آلاف السنين القادمة، ما يمنح سكان الكرة الأرضية  الوقت الكافي للتكيف مع التغيرات. 

المصادر: 1، 2، 3، 4

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة