ملاك الجحيم… الجانب المظلم للأم تريزا الحاصلة على نوبل للسلام

الأم تريزا
منة الله سيد أحمد
منة الله سيد أحمد

8 د

أجنس جونكسا أو كما تُعرف عالميًا بـ "الأم تريزا" أو القديسة الحية -كما كان يُطلق عليها قبل وفاتها- شخصية عُرفت بالزهد وتكريس حياتها لخدمة الفقراء، حتى إنها حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1979م، ومن شدة زهدها وحرصها على الفقراء  طلبت تحويل الأموال المخصصة لعشاء تكريمها إلى فقراء مدينة كالكوتا الهندية.

بالتأكيد شخصية كتلك من المُتوقع أن يُطلق على أي عمل يسلط الضوء على حياتها اسمًا كـ "ملاك الخير" مثلًا، لكن الغريب أن يحمل فيلم وثائقي بريطاني يسلط الضوء على الأم تريزا اسم "ملاك الجحيم" ! فما الذي فعلته تلك المرأة خلال مسيرتها في العمل الخيري لتجعل البعض يراها "ملاك الجحيم"؟ إليكم الأسباب:


مراكز الأم تريزا تزيد آلام المرضى وتنتهك حقوق الإنسان

تعد المراكز الطبية التي تهدف لعلاج غير القادرين ودور رعاية المسنين أهم المشروعات الخيرية التي قامت بها الأم تريزا، لكن ما تم تداوله حول تلك المراكز يشير إلى أن آلام ومعاناة المرضى كانت تزيد هناك، وعن ذلك قال هيملي غونزاليس، أحد العاملين في المجال الإنساني الذي تطوع لفترة قصيرة في منظمة المبشرين الخيرية: "إن العمال يغسلون الإبر تحت ماء الصنبور ثم يعيدون استخدامها، ويتم تخزين الأدوية لشهور متتالية، وتنتهي صلاحيتها ولا تزال تُستخدم" .

واستطرد غونزاليس قائلًا: "بالإضافة إلى ذلك قام المتطوعون الذين تلقوا القليل من التدريب أو لم يتلقوا أي تدريب على الإطلاق بأعمال خطيرة على المرضى المصابين بحالات شديدة العدوى مثل السل وأمراض أخرى تهدد الحياة. كما أن الأفراد الذين أداروا المؤسسة الخيرية رفضوا قبول المعدات والآلات الطبية التي من شأنها أتمتة العمليات بأمان وإنقاذ الأرواح".

ومن ضمن الظروف المروعة التي عانى منها المرضى كان الاستحمام بالمياه شديدة البرودة، حتى المرضى الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي، وذلك لأن سخان المياه الواحد لم يكن يكفي لحمام واحد، في الوقت نفسه عندما كان يتم عرض تركيب سخان مياه كان يتم الرفض من قبل الراهبات، قائلات "هذا ما يريده يسوع"! يقول غونزاليس: "لقد كان مشهدًا من معسكر اعتقال في الحرب العالمية الثانية".

ذو صلة

 وفي الفيلم الوثائقي البريطاني "ملاك الجحيم" الذي سلّط الضوء على بعض عيوب الأم تريزا، أكد على كلام غونزاليس، حيث قارن صحفي هندي منظمة المبشرون الخيرية التابعة للأم تريزا بمعسكر اعتقال بيرجن بيلسن في ألمانيا النازية.

كانت الأم تريزا تعتقد بأن المرضى يحتاجون فقط إلى الموت بسلام مع الله، لذلك لم تجعل المسنين يتلقون الرعاية الطبية المناسبة في دور الرعاية التابعة لها، وقد قالت المجلة الطبية البريطانية الشهيرة "The Lancet" عام 1994 إن الأدوية في مراكزها كانت نادرة وإن المرضى لم يتلقوا العلاج الذي يحتاجونه لتخفيف آلامهم.

ومن ثم أخذ بعض الأطباء يطلقون على مراكز الأم تريزا "منازل الموتى" حيث زاد معدل الوفيات في منزلها في كلكتا للمرضى عن 40 %.


الأم تريزا تحب المعاناة والفقر، لا الفقراء

في ورقة بحثية باللغة الفرنسية لمجلة الدراسات في الدين، قام بها 3 أساتذة من جامعة مونتريال وذلك بعد نقاشهم حول ما إذا كان الإيثار الصافي موجودًا أم لا! أوضحوا أن الأم تريزا لا تستحق الثناء ولا القداسة.

وقال الباحثون في تلك الورقة إن الأم تريزا لديها نظرة عالمية مزعجة تجعل الفقر رومانسيًا وتُبعد المحرومين اقتصاديًا عن السعي لتغيير ظروفهم.

وعن الانتقادات الموجهة للأم تريزا قال سيرج لاريفي من كلية التربية النفسية بالجامعة وأحد مؤلفي الورقة: إن أكثر الانتقادات شهرة ضد الأم تريزا كان كتاب الراحل كريستوفر هيتشنز "وضعية المبشر" وقد كنت متشككًا في البداية، لكن في أثناء البحث اكتسب عمل هيتشنز الكثير من المصداقية في عيني.

 وقد أوضح لاريفي في حديث صحفي وجهة نظر الأم تريزا في معاناة مرضاها، قائلًا: "أعتقد أن الأم تريزا كانت متسقة جدًا في وجهة نظرها للدين الكاثوليكي. لقد حدث كل شيء كما لو كانت مهمتها الأساسية هي السماح للمرضى والمتألمين بأن يشبهوا المسيح وأن يصلوا بسرعة إلى الآخرة. لذا فإن الرعاية الطبية التي قدّمتها، أو ينبغي أن أقول الافتقار إلى الرعاية الطبية، كانت قائمة على عبادة المعاناة".

وتابع لاريفي: "إنها شبهت معاناة الفقراء بالنعمة الإلهية. كان لديها ملايين الدولارات في بنوك مختلفة، وبدلًا من تقديم الرعاية المناسبة، تم استخدام الأموال لبناء منازل لمجتمعها ولإرسال الأموال إلى الفاتيكان".

كما سبق أيضًا وقال الكاتب كريستوفر هيتشينز إنها كانت تحب الفقر وتعتبره هدية من الله، وقضت حياتها تعارض الوسيلة الوحيدة لمكافحة الفقر ألا وهو تمكين المرأة وتحريرها من قيود المجتمع ومن دورها كمخلوق هدفه التكاثر فقط.

وبالفعل قيل إن الأم تريزا قالت: "هناك شيء جميل في رؤية الفقراء يقبلون مصيرهم، ويعانون منه مثل آلام المسيح. العالم يكسب الكثير من معاناتهم".

وعلى الرغم من وجهة نظرها تلك، وعلى الرغم من وجود مراكز طبية تابعة لها، إلا أنها عندما مرضت وتعلق الأمر بمعاناتها، وأصبحت تعاني من مشاكل قلبية حادة، اتخذت موقفًا مختلفًا. وتلقت الرعاية في مستشفى أمريكي حديث. حالها كحال بعض رجال الدّين الإسلامي الذين يطلبون من النّاس الصبر على المرض فلّما مرضوا هم، سافروا ليتعالجوا في الخارج.


استغلّت حاجة الفقراء لتغيير ديانتهم

ومن ضمن الانتقادات الموجهة للأم تريزا أنها استغلت حاجة الفقراء لتغيير ديانتهم، ولتحويل أكبر عدد ممكن من الناس إلى الكاثوليكية، ففي أماكن مثل الهند تفتقر إلى الخدمات الحيوية، مثل المستشفيات. فإن الجماعات الدينية التي تقيم الكنائس في هذه المناطق تفعل ذلك ليس فقط بدافع من الرحمة، ولكن لزيادة عدد الأشخاص الذين يؤمنون بعقيدتهم.

وتأكيدًا على ذلك  قال هيتشنز في كتابه "وضعية المبشر: الأم تريزا بين النظرية والتطبيق"، إنها كانت تشجّع على تعميد المرضى المحتضرين سرًا دون علمهم، وذلك باعتراف عددٍ من الراهبات ممن عملن معها.

وقال أيضًا الزعيم الهندوسي ورئيس منظمة الهندوس الوطنية موهان باجوات: إن جمعية الأم تريزا الخيرية كان هدفها الوحيد تحويل الفقراء إلى المسيحية.

كما أن صحيفة نيويورك تايمز عندما استعرضت فيلم "ملاك الجحيم"، خلصت الصحيفة إلى أن الأم تريزا لا يهمها مساعدة الفقراء بقدر استخدامهم كمصدر للبؤس الذي تستخدمه لتوسيع معتقداتها الأصولية الكاثوليكية الرومانية.


علاقاتها وتعاملاتها المالية مثيرة للجدل

كانت علاقات الأم تريزا مثيرة للدهشة حيث حافظت على علاقات ودية مع فاسدين و ديكتاتوريين مثل جان كلود دوفالييه في هايتي الذي اتُهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، فقد مدحت الأم تريزا زوجته، كما أنها لم تتردد بشأن قبول وسام جوقة الشرف ومنحة من هذا الدكتاتور، ووضعت إكليلًا من الزهور على قبر حاكم ألبانيا الشيوعي أنور خوجا.

كما تلقت أيضًا 1.25 مليون دولار من صديقها تشارلز كيتنغ، الذي كان وراء أزمة المدخرات والقروض في الثمانينيات، والتي كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين 124 مليار دولار. وفي أثناء محاكمته، كتبت الأم تريزا إلى القاضي الذي يترأس قضيته تطلب الرأفة به.

 ودافعت الأم تريزا عن هذا الرجل الفاسد، قائلة: "لا أعرف أي شيء عن عمل السيد تشارلز كيتنغ. أعرف فقط أنه كان دائمًا لطيفًا وكريمًا مع فقراء الله ومستعدًا دائمًا للمساعدة كلما دعت الحاجة. ولهذا السبب لا أريد أن أنساه الآن بينما يعاني هو وعائلته ". لكن المدعي العام رد بالفعل عليها قائلًا: إن أحد الأشخاص الذين سرقهم كيتنغ كان نجارًا فقيرًا، وحينها لم ترد الأم تريزا.

و بشأن التبرعات الهائلة التي كانت تجمعها فقد كان هناك تساؤلات دائمة حولها، فتبرع كيتنج البالغ 1.25 مليون دولار وحده يبدو كبيرًا بما يكفي لانتشال كل من هم في رعايتها من الفقر، لكن أحد المتطوعين قال إنه "حتى عندما ينتهي الخبز في مطابخ الحساء، لم يتم شراء أي شيء إلا بالتبرع".

كما قدر تقرير نشر في عام 1991 في مجلة شتيرن الألمانية  أن 7% فقط من ملايين الدولارات التي تلقتها كانت تستخدم في الأعمال الخيرية.

وعن استخدام الأم تريزا لتلك الأموال قال سيرج لاريفيه: كانت الأم تريزا كريمة في صلواتها لكنها كانت بخيلة مع ملايين مؤسستها عندما يتعلق الأمر بمعاناة البشرية، فخلال الفيضانات العديدة في الهند أو في أعقاب انفجار مصنع للمبيدات الحشرية في بوبال، قدمت العديد من الصلوات للسيدة العذراء مريم ولكن دون مساعدة مباشرة أو نقدية. وبالنظر إلى الإدارة الشحيحة لأعمال الأم تريزا، قد يتساءل المرء أين ذهبت ملايين الدولارات ؟.


آراؤها متعسفة حول الحقوق الإنجابية

من الطبيعي أن تعارض راهبة كاثوليكية الإجهاض، لكن الغريب أنه عندما تم الإشارة إلى النساء البوسنيات اللواتي اغتصبن من قبل الصرب و اللاتي يسعين إلى الإجهاض لحملهن غير المرغوب فيه، قالت الأم تريزا، "أشعر أن أكبر مدمر للسلام اليوم هو الإجهاض، لأنه حرب مباشرة، قتل مباشر- قتل مباشر من الأم نفسها". كما أنها على الرغم مما تراه من فقر كانت ضد تحديد النسل.


قداستها محاطة بالشكوك

لكي يصبح الشخص قديسًا، كان على البابا فرانسيس أن يوافق على معجزتين، لذلك كان للأم تريزا معجزتين إحداهما خاصة بامرأة ريفية، تدعى مونيكا بيسرا، قالت إنها شفيت بمباركة الأم تيريزا وليس بعلاج الطبيب.

وأوضحت ذلك قائلة: "تناولت أدوية الأطباء، تقيأت وكنت أشعر بألم شديد. لكن عندما صليت من قلبي للأم تريزا، باركتني الأم تريزا وأنا الآن بصحة جيدة.. أنا وقريتي بأكملها سعداء جدًا لأنها أصبحت قديسة".

لكن النقاد يشكّكون في هذه الرواية، قائلين إنّ الطّب الحديث هو الذي شفاها وليست المعجزة وزعم بعض الأطباء أن ورمها كان عبارة عن كيس ناتج عن مرض السل، وليس ورمًا سرطانيًا.

وأكد على ذلك برابير جوش، الأمين العام لجمعية العلوم والعقلانيين في الهند، الذي قال لشبكة CNN: "منظمتنا لا تؤمن بأي نوع من المعجزات". أضاف جوش أن زوج مونيكا قال نفس الشيء في عام 2003، حيث قال إن زوجته شفيت بالأدوية، وليس بمباركة الأم تريزا.

لكن الغريب أن زوج بيسرا نفى منذ ذلك الحين هذه التصريحات وقال إنه يقف إلى جانب معجزة الأم تريزا.

وعن أسباب عدم تداول تلك الانتقادات بشكل واسع قال الدكتور أروب شاترجي أكثر منتقدي الأم تريزا صراحة: إن جزءًا من حماية الأم تريزا يمكن أن يُنسب إلى جائزة نوبل للسلام التي فازت بها في عام 1979. مضيفًا أن آخرين كانوا يخشون ببساطة التحدث علانية.

كما قال الدكتور شاترجي أيضًا أن مكان الأم تريزا في الشريعة الغربية كان كافيًا لبعض الهنود لإضفاء طابع الأسد عليها كجزء من عقلية استعمارية متأصلة. موضحًا: "الغرب يقول إنها جيدة، لذا يجب أن تكون جيدة".

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة