مَن قصّ شعر أول حلّاق؟… لماذا تخطر لنا الأسئلة الوجودية في منتصف الليل؟

الأسئلة الوجودية في منتصف الليل
ميس عدره
ميس عدره

5 د

مررنا جميعًا بتلك الليالي الحالكة التي لم نتمكّن فيها من إغماض أعيننا من فرط التفكير الذي يبقينا مستيقظين ويمنعنا من الحصول على النوم الكافي للشعور بالانتعاش والحيوية في اليوم التالي، لكن ما الذي يولّد الأسئلة الوجودية في منتصف الليل، وما سبب تلك الحالة المتكرّرة، وهل بإمكاننا التعامل معها والتخلّص من تأثيراتها المعيقة؟


معضلة الأسئلة الوجودية في منتصف الليل

تتعلّق كلمة "وجوديّ" بشيء ما أو بوجود شخص ما، بناءً عليه تتمحور الأسئلة الوجودية في خانة الأسئلة الفلسفية العميقة المتعلّقة بوجودنا في هذه الحياة ومصيرنا الغامض.

من الشائع بالنسبة لنا أن نتأمّل بالمعنى الحقيقي للحياة، من خلال رغبتنا الملّحة بطرح أحد أكبر الأسئلة البشرية وأكثرها إثارةً للتفكير "لماذا نحن هنا؟"، وهل هناك معنى للحياة على هذه الأرض؟ يتوالى ذلك الفيض الواسع من الأسئلة الوجودية دون وجود إجاباتٍ محدّدة تروي ظمأ المتعطّشين للمعرفة.

قد تحمل الأسئلة الوجوديّة في طيّاتها بدايةً رائعة لخلق المحادثات والمناقشات الحماسية مع الآخرين والغرباء، لكن مهلاً فقد تنقلب تلك الأسئلة عليك في حال طرقت أبواب تفكيرك منتصفَ الليل في أثناء ذهابك للنوم، لترغمك على الاستسلام لها والوقوع في شباك أرقها وتعذيبها.


الأسباب الكامنة وراء أسئلة منتصف الليل

ذو صلة

ترجع حالة فرط التفكير خلال فترة الليل إلى حدّ كبير إلى معالجة أدمغتنا للأحداث التي حصلت معنا خلال النهار.  نظرًا لانشغال أيّامنا بالكثير من المواقف التي تحصد معها فيضًا هائلًا من المعلومات غير المعالجة، تزامنًا مع عدم وجود فجوات لمعالجة أفكارنا على مدار اليوم، فمن المحتمل أن تميل عقولنا إلى تنشيط خيار العودة إلى شريط ذكرياتنا السابقة خلال النهار، ما يقودنا إلى التفكير مرارًا وتكرارًا في الأمور التي تزعج أذهاننا وتثير مشاعرنا.

نظراً لعدم امتلاكنا الوقت والمساحة الكافية خلال النهار لمعالجة ما حدث لنا وتقييمه وفهمه. قد تكون الفترة الوحيدة التي نتمكّن فيها من القيام بذلك هي عندما نكون في السرير.

يوفّر الليل عادةً الظروف المثالية التي تؤدي إلى الإفراط في التفكير، بدءًا من حالة الهدوء وزوال عوامل التشتيت، إذ يتيح توفّر وقت الفراغ للعقل إمكانية التساؤل والنظر في الأشياء التي يتم الاحتفاظ بها في ذاكرتك بعيدًا عن أولوياتك الأساسيّة خلال النهار. فكم من مرّة قضيت أيامًا في عجلة من أمرك لتصل إلى منزلك وتنعم بجوّ الهدوء والسكينة، لكن من دون سابق إنذار يتمّ اختطاف عقلك بأفكار الماضي أو المخاوف المستقبليّة أو مشاعر الحب غير المتبادل أو بكتلة الهموم المتزاحمة على صدرك، خلال تلك اللحظات التي لا ينشغل فيها وعيك بأيّ شيء آخر.

كما لا يمكن إنكار الدور الذي لعبه تطوّر التكنولوجيا في عدم قدرتنا على النوم والتسبّب بمشاكل عديدة وخطيرة. حيث تقوم التكنولوجيا بتفعيل حالة الموجة الدماغية التجريبيّة التي تكون موجودةً عندما نكون في حالة تأهبٍ و ويقظة مستمرة، وسط انخراطنا وتخبّطنا في حلّ المشكلات وعملية اتخاذ القرار التي تنشّط مساراتنا العصبية، مع احتمال تعرّضنا لمستويات غير صحيّة من القلق.


حلول عمليّة لمواجهة أسئلة منتصف الليل

إذا كنت لا تستطيع مجاراة ذلك السيل من الأفكار المتزاحمة في عقلك، لدرجة حرمانك من الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، مع معاناتك من الاستيقاظ المتكرّر في أثناء الليل بفعل تلك التساؤلات العجيبة المستمرة، لا تقلق فالمساعدة في متناول اليد، من خلال اتّباع الاستراتيجيات التالية:


تجهيز غرفة نومك

اجعل غرفة النوم الخاصّة بك ملاذك الآمن والمريح من خلال الحفاظ على أناقتها وترتيبها، واختيار قوام ولون الأثاث الهادئ والمريح لنظرك. كما يتوجّب عليك وضع أدوات العمل وأجهزة الكمبيوتر وشاشات التلفاز خارج غرفة النوم. يمكنك استخدام الستائر الحاجبة للإضاءة لجعل غرفتك مظلمة وتسهيل الدخول في عمليّة النوم. كما تستطيع تجنّب إحصاء الدقائق وإثارة القلق بشأن عدم وجود ما يكفي من الوقت لمتابعة نومك، من خلال إبقاء أجهزة الإنذار وساعة المنبّه بعيدًا عن السرير.


راقب أفكارك واسترخِ

حاول لمرّة واحدة أن تراقب أفكارك من زاوية أخرى، كشخصٍ محايد ينظر إليك من بعيد. عندما تدور فكرة ما في ذهنك، دعها تأتي وتذهب، وراقبها بشكلٍ طبيعيّ بالتزامن مع أخذ شهيقٍ لمدّة 4 ثوان، متبوعًا بإخراج الزفير خلال 4 ثوان أيضًا.

كما يمكنك ترك ساعة قبل النوم للاسترخاء، ومن ثمّ الذهاب إلى الفراش عندما يطرق النعاس أبوابك. لذا نوصيك بأن تتجنّب الاستلقاء مستيقظًا في السرير، وفي حال لم تغفُ في غضون 20 دقيقة من وضع رأسك على الوسادة، يمكنك ممارسة بعض النشاطات المريحة مثل تدوين اليوميات، أو قراءة الروايات، وممارسة تقنيات التأمل، أو الاستماع إلى الموسيقى.


التركيز على حواسك

لإبعاد التركيز عن الأفكار المسبّبة للتوتر، ابتكر روتينًا للتهدئة يقوم على التجربة الحسية المحفّزة لحواسّك الخمس. إذ يمكنك استخدام تلوين الماندالا، ووضع بعض اللوحات ذات الألوان والمعاني البسيطة والهادئة لتحفيز حاسّة البصر. كذلك العلاج بالروائح وإشعال الشموع المعطّرة قبل النوم مع سماع بعض الألحان والموسيقى الكلاسيكيّة، سيساعدانك على تحفيز حاسّتي الشمّ والسمع. بمقدورك تحفيز حاسّة اللمس من خلال أخذ حمّام دافئ أو القيام ببعض التدليك الذاتي أو حتّى ممارسة تمارين اليوغا الخفيفة. أمّا بالنسبة لحاسّة التذوق، فلا بأس أن تدلّل نفسك بكوبٍ من شاي البابونج أو بوجبة طعام خفيفة قبل النوم.


دوّن أفكارك قبل النوم

من الصعب أن تغفو عند انشغال ذهنك بالأشياء والأعمال المترتّبة عليك غدًا، والتي تثير مشاعر الخوف والقلق بشأن الأسرة والعمل والمال والتحديات الوجوديّة الأخرى. بدلًا من محاولة تجاهل تلك الأفكار والتساؤلات حاول استبعادها من أنماط تفكيرك قبل النوم، من خلال التعرف عليها أوّلًا، ومن ثمّ تدوينها في مذكّرة يومياتك وكتابة قوائم بجميع التساؤلات والضغوطات. سيسمع عقلك كلّ جزء منها، ما يضمن له أنّك تولي أهميةً لما سيقوله، وبمجرّد وضعها على الورق ستجد أنّك حرّرت عقلك وأزلت الحِمل عن كاهلك.


اللجوء إلى النقاش والدردشة

من الطرق الجيدة والعمليّة للتوقف عن التفكير الزائد ليلًا أن تتحدّث مع شريك حياتك أو أحد أفراد أسرتك أو صديقك المقرّب. إذ يتيح التواصل الواعي والصادق والنقاش الهادف مساحةً من الأمان والإحساس بالذات بعيدًا عن الشعور بالوحدة والاغتراب. لا يتعلّق الأمر بمحاولة إصلاح المشكلات أو إيجاد أجوبةً مقنعة، بل بالتحدّث والإنصات والاستماع والإحساس بوجود الآخرين وربّما مشاركتهم نفس الأسئلة والأفكار الغريبة. 

من ناحيةٍ أخرى، يمكنك التحدّث مع نفسك بصوت عالٍ، بأن تردّد "أنا لست هذه الأفكار، هذه الأفكار ليست أنا". كلّما أعاد عقلك إثارة تلك الأفكار المزعجة مرّة أخرى، أعد توجيه نفسك وكرّر تلك العبارات التوكيديّة المطمئنة. بعد مرور فترةٍ من الوقت، سيصبح الأمر أسهل وستتمكّن من تحصيل النوم الكافي والهانئ.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة