هل نمط حياتنا الحديثة يشتّت التركيز؟ وكيف يمكن تجنب ذلك؟

حياتنا الحديثة
ميس عدره
ميس عدره

5 د

دعني أتساءل عمّا كنت تفعله عندما بدأت بقراءة هذا المقال. حسنًا، إذا طُلب مني الآن وضع رهانٍ على ذلك، سأفترض أنّك كنت مشغولًا بممارسة عملك أو متابعة دراستك، ومن ثمّ ظهر رابط هذا المقال أمامك على تطبيق فيسبوك أو تويتر، أو قام شخص ما بإرساله لك. إذًا، أنت في منتصف يوم عملك، لكنك تقرأ هذا بدلًا من أداء مهامك الرتيبة. بالطبع لن نلومك ونلقي عليك تهمًا باطلة، لأنّ جميع ما يحدث لنا من تشتيت وسلب للتركيز يترتّب على لعنة الحياة الحديثة ووطأتها.


مفهوم التشتت الذهني

يمكننا القول ببساطة إنّ التشتت الذهني هو تحوّل الانتباه لا إراديًا من مهامّ وأفكار أساسيّة إلى أنشطة ومهام أخرى ليس لها أيّ صلة باللحظة الحالية، أو بعبارة أخرى، تشتيت الانتباه بعيدًا عمّا نريد القيام به، سواء كان ذلك لإنجاز مهمّة بسيطة أو معقّدة في المنزل أو العمل.
تتعدّد العوامل المسبّبة للتشتّت ما بين عوامل خارجية مثل الأصوات المزعجة أو بيئة العمل الفوضويّة، بالإضافة إلى تأثير العوامل الداخلية كحالات القلق وفرط التفكير الذي لا يستطيع الشخص إيقافه أو التحكّم به.


سيطرة قيود المحفزات الداخلية

من أجل التغلب على التشتّت، تحتاج إلى فهم السلوك الذي يدفعك إلى إلقاء نظرة قهرية على هاتفك أو مقاطعة تركيزك لقراءة أحدث رسائل البريد الإلكتروني المتتالية. يكمن السبب الجذري للسلوك البشري في الرغبة بالهروب من المشاعر السلبية، حتّى عندما نعتقد أنّنا نبحث عن المتعة، فنحن في الواقع مدفوعون بالحاجة إلى تحرير أنفسنا من ألم الرغبة. إنّ الإفراط في استخدام ألعاب الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي وهواتفنا المحمولة ليس فقط من أجل المتعة التي تقدّمها لنا، بل لأنّها تحررنا من قيود الانزعاج النفسي الذي نتعرض له يوميًّا.


تعدّد مصادر التشتت الخارجية

ذو صلة

تستخدم شركات التكنولوجيا محفّزات خارجية لاختراق انتباهنا على الدوام، غالبًا ما يتشتّت تركيزنا بفعل الأصوات الصادرة من أجهزتنا التي تنجح بسهولة في سحبنا بعيدًا عمّا نريد فعله حقًّا، لتنال معظم اهتمامنا وتركيزنا مقابل مكافأتنا بتلك النشوة التي تحاكي تأثير جرعة المخدرات. قد نحاول تجاهل هذه المحفزات مرارًا وتكرارًا، لكن للأسف ما أظهرته الأبحاث مؤخّرًا هو أنّ تجاهلك لمكالمة أو رسالة ما يمكن أن يكون مشتّتًا للعقل تمامًا مثل مقاطعة تركيزك للرد على أحدهم.


الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تشتيت انتباهنا، حيث تمّ تصميم مواقع تويتر وإنستغرام و Reddit لإرسال إشعارات خارجيّة لا حصر لها، فهناك دائمًا مقطع فيديو أو تغريدة أو مقالة أو gif أو رسالة جديدة لإلقاء نظرةٍ عليها، بالإضافة لتنبيهات وإشعارات فيسبوك الشيطانية بشكل خاصّ، والتي تعيق المستخدمين عن أداء مهامّهم بنجاح عن طريق إغرائهم باستخدامها.
صحيح أنّ وسائل التواصل الاجتماعي قد قرّبتنا من بعضنا بعضًا، لكنّها صُمّمت أيضًا لصرف انتباهنا وتركيزنا.
إذا كان الدماغ البشري يعمل بالطريقة التي يرغب بها معظم أصحاب العمل، بإمكان الموظّف أن يعمل بكفاءة وسعادة لمدّة 8-10 ساعات دون تشتيت. أي ستنخفض حركة المرور إلى تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي إلى أدنى مستوياتها، على الأقلّ خلال يوم العمل. لكن أين سيذهب صنّاع المحتوى بأفكارهم وأموالهم؟ وما مصير شركتي Netflix و YouTube؟ ربّما لن يكون الأمر على ما يرام.


نزعة المقارنة مع حياة الآخرين

في حين أنّ هناك العديد من مصادر التشتيت في العالم الحديث، إلا أنّ أكبر مصدرٍ للتعاسة والتشتيت في حياتنا هو التركيز على ما يحدث في حياة الآخرين. لا شيء يشوّه تفكيرنا، ويربك توجّهنا، ويقودنا إلى مسارات مضلّلة مثل انشغالنا بمقارنة حياتنا مع حياة الآخرين.
عندما نركّز على أفعال وأقوال الناس من حولنا، فإنّنا نخلق استنتاجات خاطئة، ونضيع وقتًا ثمينًا في توطيد مشاعر الكره والغيرة والأحقاد.
لن تجلب لنا تلك المقارنات والانشغالات البائسة سوى مزيدٍ من التشتّت والضياع والخسارة. عندما نتجنّب هذا الإلهاء اليوميّ الحاصل، من المرجّح أن نتّخذ خياراتٍ حكيمة وقرارات عمليّة صائبة مع ضمان تواصلنا مع الآخرين بطريقة صحيّة.


تخبّط الإنتاجية وسط غمامة الإحباط

يكمن الشيء المضحك في طبيعتنا البشرية في تلك الرغبة الملحّة بأن نكون أفرادًا منتجين على الدوام، إنّنا نحبّ الشعور بالإنجاز والهدف، ونتوق للقيام بعملٍ جيّد لتحصيل الثناء والتشجيع عليه. مع تطوّر الحياة الجديدة وأدواتها، باتت تحمل لنا تحدّيات لا تعدّ ولا تحصى مع إشراقة كلّ يومٍ جديد لتحقيق الإنتاجية المطلوبة. حيث إنّ الأدوات الحديثة ذاتها التي نستخدمها لمحاولة أن نكون منتجين قد غيّرت من طريقة تفكيرنا وعملنا.
رغم انخراطنا في العمل ورغبتنا بالإنجاز، يبقى الإلهاء والتشتّت الذي صبغت وسائل التكنولوجيا نمط حياتنا به سيّد الموقف، وسط تقهقر التركيز المطلوب للإبداع في حياتنا المهنية والشخصية. كلّما استسلمنا للمغريات من حولنا، زاد تأثيرها على عملنا وأضعنا بوصلة المسار الصحيح.


استراتيجيات عمليّة لتقليل التشتّت من حولنا

يبقى الأمل بأن تغيّر شركات التكنولوجيا أساليبها رهانًا خاسرًا، فقد يستغرق الأمر وقتًا أطول من نفاد صبرك واستعدادك للانتظار. إذًا من الأفضل أن تجهّز نفسك لإدارة مصادر التشتيت من حولك باستراتيجيات يمكنك تنفيذها على الفور.


تجهيز بيئة العمل المناسبة

يتعيّن عليك ممارسة عملك في مكانٍ هادئ أو مُنعزل، في حال كانت البيئة المُحيطة بك غير مُلائمة للتركيز فابتعد وابحث عن مكانٍ آخر يساعدك. بإمكانك تأدية مهامّك ضمن مكتبة هادئة أو غرفة خاصّة تستأجرها أو تستعيرها لفترة أو أيّ مكان آخر بعيدًا عن ضجّة الآخرين. إذا لم تستطع توفير مكانٍ منعزل لمتابعة ما بدأت به، سيتوجّب عليك العمل خلال الأوقات الهادئة من اليوم، أي ضمن فترة الصباح الباكر أو الساعات المتأخرة من الليل.


التحكّم بوقتك على الإنترنت

اقطع اتصالك بالإنترنت ما أمكن في أثناء فترة عملك الذي يتطلّب تركيزك المطلق. في حال كان عملك يتطلّب الإنترنت، قم بتنزيل ما تحتاج إليه قبل البدء بالعمل أو إضافة خدمة حجب المواقع المُلهية خلال ساعات العمل مثل فيسبوك ويوتيوب أو أيّ مواقع أخرى تريد حجبها. ثمّ خصّص ساعة أو ساعتين للتركيز على مهامك دون الاتّصال بالإنترنت. بعد انتهاء فترة التركيز يمكنك إعادة الاتصال بالإنترنت لمدّة نصف ساعة لفتح أيّ مصادر جديدة تحتاجها قبل أن تعاود قطع الاتصال والعمل دون إنترنت مجدّدًا.


إنشاء جدولٍ زمنيّ خاصّ بك

تكمن الطريقة الأكثر فاعلية لضمان تخصيص الوقت المناسب لجميع مهامّك وواجباتك من خلال اعتماد المربعات الزمنية أو ما يسمّى بال Timeboxing، أي تحديد ما ستفعله ومتى ستفعله. والهدف من ذلك هو إنشاء نموذجٍ لكيفية قضاء وقتك كلّ يوم مع التخلّص من كلّ المساحات البيضاء الفارغة في التقويم الخاصّ بك.
لا يهمّ ما تفعله الآن طالما أنّه على قائمة الجدولة المخطّط لها، أي بإمكانك فتح مواقع وسائل التواصل الاجتماعي ضمن الوقت الذي خصّصته لها، وليس على حساب أنشطةٍ أخرى كنت تخطّط للقيام بها مثل قضاء الوقت مع عائلتك. من خلال الجدول الزمني الخاصّ بك يمكنك تحديد مقدار الوقت الذي تريد تخصيصه لكلّ مجال من مجالات حياتك.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات