الوباء الذي قتل من البشر أكثر من الحربين العالميتين مجتمعتين !!!

كارثة وباء الإنفلونزا الإسبانية
د. محمد الأبرص
د. محمد الأبرص

6 د

خلّفت الحروب والنزاعات البشرية ملايين القتلى والمصابين عبر التاريخ … لكننا سنتحدث اليوم عن وباء فتّاك قتل من البشر أكثر من أكبر حربين شهدهما العالم وهما الحربين العالمية الأولى والثانية مجتمعتين.

الإنفلونزا الإسبانية

في عام 1918 تفشّى في العالم وباء قاتل سُمي وقتها بالإنفلونزا الإسبانية وسبّبه فيروس H1N1 شديد الفوعة ( أحد أنواع إنفلونزا الخنازير ) بدأ انتشار هذا المرض في كانون الثاني 1918 م واستمرّ حتى كانون الأول 1920 م واجتاح دول العالم كلها وأدى لملايين الوفيات وإلى أضرار اقتصادية واجتماعية هائلة.

مستشفى ميداني في الولايات المتحدة عام 1918 لعلاج المصابين بوباء الإنفلونزا الإسبانية

مستشفى ميداني في الولايات المتحدة عام 1918 لعلاج المصابين بالفيروس

إحصائيات مرعبة

بحسب الإحصائيات التي أجريت وقتها وبحسب الدراسات التي تمّت حديثاً حول هذه الجائحة المدمرة يبدو أن هذا الوباء قد أصاب تقريباً 500 مليون إنسان حول العالم وأدى لوفاة ما بين 50 – 100 مليون إنسان أي ما يعادل 3 – 5 % من سكان العالم وقتها !!!

وتقريباً لم يسلم بلد أو مكان في الأرض منه ففي الولايات المتحدة الأمريكية مات أكثر من 500 ألف نتيجة الإصابة بهذا الفيروس وفي فرنسا حوالي 400 ألف وفي اليابان 390 ألف وفي البرازيل 300 ألف وفي بريطانيا 250 ألف وفي أندونيسيا مليون ونصف وفي الهند وحدها 17 مليون إنسان فقدوا أرواحهم بسببه !!!

لقد قتل هذا الفيروس أكثر من الطاعون الأسود Black Death الذي اجتاح أوروبا في العصور الوسطى !!!

ذو صلة

وقتل في 24 أسبوع فقط أكثر مما قتل فيروس الإيدز في 24 سنة !!!

وقتل بمفرده أكثر مما قتلت الحربين العالميتين الأولى والثانية مجتمعتين !!!


إذاً ما هو هذا الفيروس ؟

تنتمي فيروسات الإنفلونزا إلى عائلة الفيروسات المخاطية Orthomyxoviridae وتشمل عدة أنواع من الفيروسات منها :

  • الإنفلونزا الموسمية.
  • إنفلونزا الخنازير ( تشمل عدة أنماط أهمها H1N1 ).
  • إنفلونزا الطيور ( تشمل عدة أنماط أهمها H5N1 ).

وتعتمد الطريقة العلمية لتسمية هذه الفيروسات على أنواع المستضدات السطحية الموجودة على غلاف الفيروس وبالذات على :

Neuraminidase N

Hemagglutinin H

تسبب فيروسات الإنفلونزا أعراضاً تنفسية متنوعة تختلف شدتها من إنسان لآخر بحسب قوة الفيروس ومناعة الجسم … ومن هذه الأعراض :

الحمى – الصداع – السعال – سيلان الأنف – ألم البلعوم – التعب والوهن العام – آلام العضلات والمفاصل … وأحياناً أعراض هضمية كالإسهال والإقياء.

وتتميز فيروسات إنفلونزا الخنازير والطيور عن فيروسات الإنفلونزا التقليدية بأن الأعراض التي تسببها أشد وتستمر لفترة أطول وأحياناً تؤدي لتدهور مفاجئ في الحالة العامة وقصور تنفسي … وربما الموت !!!

إن فيروس H1N1 هو فيروس حيواني شديد العدوى والسراية ولكنه لا ينتقل عادة إلى البشر بل يبقى انتشاره محصوراً بين الحيوانات وأما عند حدوث طفرات وراثية فيه وتغيرات في DNA الفيروس وخصائصه فيمكن له أن يسبب جائحات مرضية سريعة الإنتشار بين البشر وتخلّف وراءها أعداداً كبيرة من الوفيات وهو بالضبط ما حصل عام 1918 … حيث كان فيروس H1N1 الذي سبب الوباء وقتها فيروساً طافراً شديد الفوعة والعدائية سريع الانتشار والانتقال بين البشر.

فيروس H1N1 مكبر بالمجهر الإلكتروني الإنفلونزا الإسبانية

فيروس H1N1 مكبر بالمجهر الإلكتروني

تصنيف منظمة الصحة العالمية للأوبئة

وضعت منظمة الصحة العالمية WHO تصنيفاً للأوبئة والامراض المعدية ويركّز هذا التصنيف بشكل خاص على قابلية المرض للانتقال من الحيوان للإنسان ومن إنسان لـ إنسان وعلى الرقعة الجغرافية التي انتشر فيها ويتألف التصنيف من ست درجات وفق ما يلي :

وباء من الدرجة الأولى : المرض مازال محصوراً بين الحيوانات فقط ولم يثبت إنتقاله من الحيوان للإنسان.

وباء من الدرجة الثانية : المرض منتشر بين الحيوانات مع انتقال حالات قليلة من الحيوان للإنسان.

وباء من الدرجة الثالثة : انتقال حالات عديدة من الحيوان للإنسان ضمن مجتمعات صغيرة كمدينة أو قرية.

وباء من الدرجة الرابعة : انتقال الفيروس من إنسان لإنسان والوباء مازال محصوراً في نفس الدولة.

وباء من الدرجة الخامسة : ظهور حالات في دول أخرى ولكن ضمن نفس الإقليم بحسب تصنيف منظمة الصحة العالمية للأقاليم.

وباء من الدرجة السادسة : ظهور حالات في أكثر من إقليم.

تقسيم العالم لأقاليم جغرافية بحسب منظمة الصحة العالمية لمراقبة تفشي الأوبئة الإنفلونزا الإسبانية

تقسيم العالم لأقاليم جغرافية بحسب منظمة الصحة العالمية لمراقبة تفشي الأوبئة

وكذلك وضع مركز مكافحة الأمراض السارية في الولايات المتحدة مؤشراً لشدة الجوائح المرضية يعتمد على نسبة الوفيات إلى عدد المصابين Pandemic Severity Index


الفئة

معدل الوفيات

1

أقل من 0,1 % من المصابين

2

0,1 – 0,5 % من المصابين

3

0,5 – 1 % من المصابين

4

1 – 2 % من المصابين

5

أكثر من 2 % من المصابين

وبالتأكيد فإن وباء الإنفلونزا الإسبانية عام 1918 م هو وباء من الدرجة السادسة لأنه انتشر في قارات العالم كلها وجائحة من الفئة الخامسة لأنها سببت وفاة أكثر من 10% من المصابين.


حقائق أخرى

لم تكن جائحة عام 1918 أول ولا آخر وباء يسببه فيروس الإنفلونزا ومن أشهر الجائحات المرضية التي سببتها فيروسات الإنفلونزا عبر التاريخ :

  • إنفلونزا آسيا 1957 التي سببها فيروس H2N2 وأدت لـ 5 ملايين وفاة.
  • إنفلونزا هونغ كونغ 1968 سببها فيروس H3N2 وأدى لأكثر من مليون وفاة.
  • جائحة إنفلونزا الخنازير عام 2009 والتي سببها فيروس H1N1 وأدت لقرابة 150 ألف إصابة توفي منهم 31 شخص فقط.
  • جائحة إنفلونزا الطيور عام 2006 والتي سببها فيروس H5N1 وأدى لـ 177 إصابة توفي منهم 98 ( نلاحظ أن نسبة الوفيات بإنفلونزا الطيور أكبر بكثير من إنفلونزا الخنازير ).

ومازال خطر حدوث جائحات عالمية بهذه الفيروسات أمراً وارداً حتى يومنا هذا…

الرئيس الأمريكي فورد وهو يتلقى لقاح إنفلونزا الخنازير ويشجع الشعب الأمريكي على أخذ اللقاح

الرئيس الأمريكي فورد وهو يتلقى لقاح إنفلونزا الخنازير ويشجع الشعب الأمريكي على أخذ اللقاح

وتذكر المصادر أن أغلب المتوفين بوباء عام 1918 كانوا من الشباب وصغار السن بينما امتلك كبار السن مناعة نسبية ضد هذا الفيروس وربما يكون التفسير العلمي لذلك بأن كبار السن كانوا قد تعرضوا سابقاً لفيروسات شبيهة بفيروس H1N1 وإنما أضعف منه مما شكل مناعة جزئية لديهم ضد هذا الفيروس ( نفس مبدأ اللقاح تقريباً ).

بنية فيروس إنفلونزا الخنازير

بنية فيروس إنفلونزا الخنازير

أما في الآونة الأخيرة فقد تم تطوير بعض اللقاحات التي أثبتت فعاليتها في الوقاية من هذه الأوبئة … كذلك الأمر فقد تم اكتشاف عقار تاميفلو ( وهو من مثبطات النورأمينداز : أوسلتاميفير ) يثبط تكاثر الفيروس وانتساخه والذي أعطى نتائج إيجابية في الوقاية والعلاج من هذه الفيروسات.

بقي أن نذكر أن فيروسات الإنفلونزا رغم قوتها الفتاكة داخل جسم الإنسان وتأثيرها الكبير عليه إلا أنها ضعيفة جداً خارج الجسم الحي ولاتستطيع مقاومة العوامل البيئية فهي تتلف بدرجة حرارة 70 أو عند التعرض لأبسط المطهرات والمعقمات.

لقاح الإنفلونزا

لقاح الإنفلونزا

ماذا يمكن أن نفعل ؟

الآن وبعد مرور 100 عام على هذه الجائحة ماذا تعلمنا منها ؟ وماذا يمكننا أن نفعل لمنع تكرار هذا الهولوكوست البشري المرعب ؟

يمكنني القول أن أهم سلاح في يدنا لمواجهة هذه الأوبئة الفتاكة هو العلم !!! نعم إنه العلم …

معرفة سبب المرض وطبيعة وخصائص الأحياء الدقيقة المسببة له … وماهي طرق الوقاية وما هي أساليب العلاج.

إن هذه المعلومات التي قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة هي السبيل الأفضل لمكافحة الأوبئة والأمراض المعدية وإنقاذ البشرية من شرورها.

وإنه لمن المدهش حقاً ومن عجائب الحياة وغرائبها أن تُسبّب فيروسات صغيرة لا تكاد تُرى حتى بالمجهر الضوئي أمراضاً وأوبئة تفتك بملايين البشر وتشكّل تهديداً وجودياً للحضارة الإنسانية … وتجعل الإنسان يقف أمامها حائراً مكتوف اليدين !!!

مراجع

  • 1918 Influenza: the mother of all pandemics
  • The American Influenza Epidemic of 1918 – 1919
  • Influenza Research Database
  • cdc.gov

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.