ظاهرة الإدراك الخفي..

ظاهرة الإدراك الخفي.. 3
2

بقدر ما نعتمد على العلم دوماً للرقي والتقدم، ودحض الخرافة .. بقدر ما ان للعلم –شأنه أي شيئ آخر- جانب مظلم، فسنلقي عليه بعض الضوء اليوم. في هذا التقرير المطول الذي سنتابعه في جزء ثاني، الأول –بين يديك الآن- بعنوان “الإدراك الخفي”، أتبعه بالجزء الثاني بعنوان “تكنولوجيا الحقيبة السوداء“.. فهل نبدأ مباشرة..

الإدراك الخفي

 في أواخر القرن الـ 19 أقيمت العديد من الدراسات السيكولوجية (النفسية) حول ما يطلق عليه الإدراك الخفي Subliminal Perception عند الانسان. وكان أشهرها تلك التي قام بها علماء مثل: “ج.ك أدامس”، “س. فيشر”،  “ب. سيديس”، “س.س بيرس”، “ج. جاسترو” و “و.بوتزل” بالإضافة لغيرهم الكثير ممن درسوا هذه الظاهرة.

tachistoscope

 حول تسمية Subliminal Perception

تتألف كلمة Subliminal من مقطعين: Sub المقطع الأول يعني “ما تحت أو باطن” على غرار كلمة SUBway أي نفق تحتي أو SUBmarine والتي تعني غواصة (ما تحت الماء) وهكذا، المقطع الثاني liminal أصله لاتيني ويعني “عقلي”، أي أن الكلمة تعني ما تحت الشعور أو ما تحت العقل الظاهر، والتسمية العلمية هي “Subliminal Perception” أي ” الإدراك الخفي”.

 بدأت الأبحاث تشير بشكل واضح إلى وجود مستويات متعدّدة من “الوعي” عند الإنسان تحدث حتى في حالة النوم أو التخدير الجراحي حيث يمكن للإنسان خلالها أن يدرك أمور كثيرة من حوله ويمكن لهذه الأمور أن تؤثّر فيه نفسياً أو جسدياً بشكل غير شعوري. مؤخراً بدأت تصدر توصيات للأطباء بعدم التحدّث عن حالة المريض في حضوره حتى لو كان في حالة التخدير التام لأنه يدرك كل كلمة يقولونها أو أنه يتفاعل لا شعورياً معها على الرغم من نومه العميق.

صور و أصوات خفية

توالت الإختراعات التي تعمل على إرسال موجات صوتية او مرئية للعقل وكان من أهمها:

1- جهاز تاتشيستوسكوب TachistoScope

يشبه هذا الاختراع جهاز العرض السينمائي حيث يعمل على إرسال أمواج صوتية أو مرئية إلى الدماغ من خلال الأذن أو العين بسرعة أو تردد مرتفع بحيث لا يُسمع بالأذن المجردة أو يُرى بالعين المجردة، و تم تجربته على مجموعة من المتطوعين لدراسة ردود أفعالهم خلال رؤيتهم لهذه الصور التي تعرض عليهم بسرعات مختلفة. كانت النتيجة مدهشة للعلماء إذ استطاع المتطوعون التعرّف على الصور و تمييزها والإستجابة لها حينما تعرض عليهم بزمن خاطف لا يتعدى 1 على 100 من الثانية، أي على شكل وميض (Flash) وكان تفاعلهم معها لاإرادياً.

 ثم قاموا بتجربة الجهاز على الحيوانات و توصلوا أيضاً إلى نتيجة مشابهة، فكلاً من الإنسان و الحيوانات استطاعا تمييز أي صورة أو كلمة أو شكل أو غيرها إذا مرّت في مجال النظر بسرعة خاطفة تصل إلى 1 إلى 300 من الثانية، لكن الأمر الأهم هو أن هذه الصور الخاطفة التي لا يراها و يميزها سوى العقل الباطن هي أكثر تأثيراً على تصرفات الفرد وتفكيره من تلك الصور التي يراها العقل الواعي في الحالة الطبيعية!

 subliminal-advertising1

تطبيقات في الإعلان

جذبت هذه الابحاث إهتمام “جيمس فيساري” المتخصّص في مجال التسويق و الترويج الإعلاني ففي عام 1957 استخدم جهاز “تاتشيستوسكوب” في إحدى دور السينما في نيويورك، حيث عرضت عبارات مثل:

– “هل أنت عطشان ؟ .. اشرب كوكاكولا “

– “هل أنت جائع ؟ … كل الفشار …”

 كانت تلك العبارات تظهر بشكل خاطف كل 5 ثوان بشكل خاطف ولمدة ( 300/1 من الثانية ) على الشاشة أثناء عرض الفيلم مع أن الحضور لم يلاحظوا تلك العبارات الخاطفة خلال مشاهدة الفيلم، و بعد 6 أسابيع اكتشف “فيساري” خلال مراقبته لعملية البيع في الاستراحة الخاصة لدار العرض أن نسبة مبيعات مشروبات الكوكاكولا و الفشار قد ارتفع بشكل كبير.

 بعد هذا الاكتشاف المثير أصبح يتنقّل بين المؤسّسات الكبرى والشركات التجارية و الإعلانية ليعرض عليها فكرته الجديدة التي أسماها “الإعلان الخفي” Subliminal Advertisement.

James Vicary

تناولت وسائل الإعلام هذا الاكتشاف الخطير باهتمام كبير فظهرت معارضة مفاجئة لهذه الفكرة الخطيرة، وأعلن مجلس الشيوخ الأمريكي أنه يجب ضبط هذه الوسيلة الخطيرة، و يجب إصدار قانون خاص يحكم في هذا المجال و يستوعبه من أجل حماية “الشعب الأمريكي”، لكن بعد فترة من الزمن (1958) و وسط هذه البلبلة الكبيرة ظهر “فيساري” فجأة على شاشة التلفزيون و بدا شاحب الوجه و كأنه يتلفظ بكلمات مجبوراً عليها، و صرّح بأن ما يسمى بـ “الإعلان الخفي” الذي ابتكره ليس له ذلك التأثير الكبير على عقول الناس و أن نتائج دراسته كان مبالغ بها ثم اختفى دون ان يترك اثر!

 2- جهاز نيوروفون Neurophone

كان “باتريك فلاناغان” شاباً طموحاً في الـ 14 من عمره واستطاع في الستينيات أن يخترع جهاز الكتروني بدائي مؤلف من مواد المطبخ, كانت المجسات التي استخدمها تتألف من “ليفة” نحاسية معزولة بكيس نايلون و قام بوصل المجسات الى محلول موصول بمضخم “هاي” وهو اداة لإعادة إرسال الصوت المستقبل بدقة فائقة وسمي الجهاز بـ نيوروفون ثم قام بوضع مجسات على صدغيه مكنته من سماع أصوات المارّة من الجهاز في داخل دماغه دون ان يوصله بسماعات. 

Neurophone-IMG_7

كانت المجسات هي المنفذ الوحيد للموجات الصوتية. وتوالت ابتكاراته فاصبحت تتكون من دارات الكترونية معقدة بحيث يصدر من الجهاز ترددات صوتية تُضبط أوتوماتيكياً وتمكن فاقد السمع من سماع ما يقال له في دماغه بوضوح و لما اتجه إلى مكتب تسجيل براءة الاختراع رفضت الهيئة تسجيله ظناً منهم بأنه قد يسبب خطراً صحياً على مستخدميه.

بعد 12 سنة تم منح الجهاز براءة الاختراع بعد أن جُرِب الجهاز من قبل احد الموظفين في المكتب الذي كان اصم فاستطاع من خلاله سماع كل ما كان يقال له و بذلك تم الاعتراف بجهاز نيوروفون و لم يكتفي “فلاناغان” بذلك فقام بتطوير الجهاز بحيث يمكّن الشخص من تخزين كميات هائلة من المعلومات في ذاكرته الخفية (الذاكرة الطويلة الأمد) دون أي مجهود منه وقد سماها عملية “التعليم الخفي”.

Patrick Flanagan

بعد تقديم هذا الجهاز إلى مكتب براءات الاختراع تم مصادرته من قبل وكالة المخابرات العسكرية و صُنف كإحدى أسرار الدولة الإستراتيجية ومنعوه من متابعة البحث في هذا المجال أو حتى التكلّم عنه لأحد، لمدة 5 سنوات كاملة.

ما رأيك يا صديقى، هل شعرت يوما أنك تشترى شيئا دون ارادتك؟ هل قمت مؤخرا بتصرف غير مألوف على الملأ؟ صارحنا وشاركنا!!

اقرأ أيضاً:

تعرّف على “أيلون موسك” الملقب برجل المريخ

2