شارع المُعز في القاهـرة.. نبع الحياة الذي لا ينتهي

شارع المُعز في القاهـرة.. نبع الحياة الذي لا ينتهي 9
1

لم يخطر على بال”جوهر الصقلي”عندما أرسل”المعز لدين الله” إلي مصر لضمها للخلافة الفاطمية، أن المدينة التي بناها سوف تتسع لتحتوي عواصم  مصر القديمة”بابليون، الفسطاط، القطائع، العسكر”، في مدينة واحدة أطلاق عليها في بادئ الأمر مدينة”المنصورية” نسبة إلي الخليفة المنصور والد المعز، التي أصبحت فيما بعد”القاهرة” منذ 7 رمضان 362 هجرى، الموافق 11 يونيو 972.

شارع المعز لدين الله الفاطمى الذي يربط بين باب الفتوح وباب زويلة، وهو شارع متعرج، عربي الشكل والمضمون، وكان عصب القاهرة القديمة وشريانها الرئيسي، وفيه منابع الحياة في مصر.

شارع المعز

هنا عندما تسير في شارع “المعز”، يأخذك الشارع  في زيارة إلي أزمانة أخرى، فهو أشبه بالة الزمن، حيث تسمع بنفسك سنابك خيل “جوهر الصقلى” عندما أتي الى مصر غازيا..

أو تري نفسك في استقبال الخليفة المعز لدين الله وهو يفتتح مدينته الجديدة، وتشاهد الحاكم بأمر الله وهو يتفقد رعيته ليلا على حماره، وبدر الدين الجمالي قائد الجيوش وهو يعيد بناء سور القاهرة من جديد..

وصلاح الدين الأيوبي ينشئ المدارس ويحي المذهب السني، وقنصوة الغوري يمارس هوايته في بناء المباني ذات الزخارف والنقوش البديعة، والمؤيد شيخ وهو يهدم سجنه القديم لبناء مسجد من أروع مساجد العصر المملوكي، وتبكى لرؤيتك رأس طومان باي المعلقة على باب زويلة، إنه شارع المعز لدين الله الفاطمي.

أهرامات الجيزة.. معجزات في البناء والتخطيط والإدارة

33 اثر

منذ إنشاء شارع المعز، وهو حلقة الوصل التي تربط بين جميع مظاهر الحياة في القاهرة، لذلك اهتم به جميع الحكام، وترك كل منهم أثرا شاهدا على فترة حكمه، فالشارع يزدحم بالقصور، والمساجد، والأسبلة، والمدارس، والحمامات، والخانات، والأضرحة، التي تشهد على روعة فن العمارة الإسلامية، ودقة الصانع المصري، في نشر الحضارة الإسلامية التي ظلت صامدة رغم تعاقب الزمان والأزمات، وشاهدة على تاريخ مدينة يمتد إلي أكثر من ألف عام،  فهو اكبر متحف للآثار الإسلامية المفتوحة للزائرين.

ezz-el-den11

المساجد .. قلب القاهرة النابض

القاهرة مدينة الألف مئذنة، النداء الذي شق السماء، مرددا اسم الله، في كل عصر، لسكان القاهرة، دون كلل أو ملل، فمساجدها ظلت شاهدة على خضوع وخشوع بانيها، وموضع جباههم على أرضها بعد أن زال ملكهم.

أول ما تم إنشاءه في مدينة القاهرة علي يد “جوهر الصقلي” هو مسجد “الأزهر” الشريف اكبر منارة إسلامية في التاريخ الإسلامي، وتم تخطيط المدينة من حوله، وعلى بعد أمتار منه يوجد شارع “المعز”، الذى كان له نصيب من المساجد التي تم بناءها في القاهرة، حيث انه يحتوى على سبع مساجد، كل منها له قيمته التاريخية و المعمارية، وتعد آية من آيات الفن الإسلامي، التي ظلت شاهدة على حكايات العابرين والقاطنين في شارع المعز.

ومساجد شارع المعز السبعة هي حسب الترتيب الجغرافي من باب الفتوح إلى باب زويلة هي”جامع الحاكم بأمر الله، مسجد سليمان أغا السلحدار، جامع الأقمر، مسجد السلطان برقوق، مسجد الناصر محمد بن قلاوون، جامع الفكهاني، جامع المؤيد شيخ”، وقد تم إنشاء هذه المساجد في عصور مختلفة، بالإضافة إلي إدخال تعديلات على بعضها بمرور الزمن، وتم ترميمها جميعا لتعدى البعض عليها.

رعمسيـس الثـاني .. هل هــو الفـرعون الطاغيــة المذكـور في الكتب السمـاوية ؟! – تقريـر

باب زويلة

اشهرهم مسجد “المؤيد شيخ”، فما هو إلا سجن “خزانة شمائل” سابقا، والذي سجن فيه “المؤيد شيخ” لغضب الحاكم عليه في هذا الوقت، وفى ظلمة السجن الحالك، دعا  ربه إن أخرجه من سجنه ووهب له ملك مصر أن يهدم هذا السجن ويبنى مكانه مسجد لله، يرفع فيه اسم الله الي يوم الدين بدلا من آهات المعذبين.

فالمسجد الذي أمر ببناءه ” المؤيد أبو النصر شيخ بن عبد الله المحمودي الظاهري”، عام 818 هجري، الموافق 1415 ميلادي، الملاصق لباب زويلة، جعله درة العمارة المملوكية، وفيه قال المقريزي “هو الجامع لمحاسن البنيان، الشاهد بفخامة أركانه، وضخامة بنيانه أن منشئه سيد ملوك الزمان..

يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وإيوان كسرى أنوشوروان، ويستصغر من تأمل بديع أسطوانة الخورنق وقصر غمدان”، ويتكون من صحن يحيط بع أربعة أروقة،ويمتاز إيوان القبلة انه مغطى بقطع من الرخام الملون، والزخارف، وشريط كتب عليه آيات قرآنية بخط الثلث المملوكي مطلية بماء الذهب،وتعلو الشبابيك الرئيسية شبابيك مصنوعة من الجبس الأبيض المطعم  بالزجاج الملون، وبُنيت المئذنتان فوق برجي باب زويلة، أما واجهة المسجد المطلة على شارع المعز فبابها أخذ من مسجد السلطان حسن لجماله ودقة صنعته والنحاس اللامع المطعم به.

أما مسجد “الحاكم بأمر الله”، أمر ببنائه الخليفة “العزيز بالله الفاطمي” عام 380 هجرية، الموافق 990 ميلادية، ولكن اتمه ابنه “الحاكم بامر الله” عام 403 هجرية.

 وكان المسجد يقع خارج سور القاهرة الشمالي الذي بناه “جوهر الصقلى” من الطوب اللبن، وفى عهد الخليفة”المستنصر بالله” أمر وزيره”بدر الدين الجمالي” بإعادة بناء سور القاهرة من الحجارة، فأصبح المسجد داخل سور القاهرة، ويبلغ طول المسجد 120، وعرضه 113 متر تقريبا، وهو بذلك يعتبر  ثانى مساجد القاهرة اتساعا بعد مسجد ابن طولون.

2

وللمسجد مئذنتان ويحيط بهما قاعدتان عظيمتان هـرميتا الشكل، وبين المئذنتين يوجد مدخل الجامع الأثري وهـو أول مدخل بارز بُني في جامع، يغطيه قبو اسطواني عرضه 3.48 متراً وطوله 5.50 متراً وفى نهايته باب عرضه 2.21 متراً ومعقود بعقد أفقي من الحجر وهـذا العقد والحائط الموجود فيه حديثا البناء ويوجد في المدخل عن اليمين وعن اليسار بقايا نقوش بديعة ارتفاعها 1.60 متراً.

وهو من المساجد المكشوفة له صحن وتحيط به أربعة ايوانات، وغنى بالزخارف الإسلامية بكل أنواعها، وفى عهد الرئيس”السادات”، بدأت تتوافد على المسجد طائفة “البهرة” لما يمثله عندهم من مكانة دينية، وهى من الطوائف الشيعية وهى من تولت أمر ترميمه.

خط بارليف.. الذي قيل عنه أن مصر بحاجه إلى قنبلة ذرية لتتغلب عليه! – الجزء الأول

الاسبلة هبة الخيرين للعطاشى

عندما تنهك قوى التاريخ من السير في شارع المعز، ويشتد به العطش، يتوقف قليلا ويلتقط أنفاسه، ويتطلع باحثا عن سبيل، لتناول رشفة ماء تذهب عنه الظمأ، فتدب فيه الحياة، ويكمل سيره الذي لا ينتهي.

كانت للاسبلة، في مصر وضعا مميزا،وكانت تنافس المساجد والمدارس في جمالها وبهاءها، وكان يتولى إنشاءها الملوك والأمراء والأعيان، تكفيرا عن الذنوب والآثام واستجلابا لدعاء، فقد امتلأت شوارع القاهرة بعشرات الاسبلة، التي ردت عن أهل القاهرة عطشهم، فجميعهم مروا عليها، وتوقفوا ليلتقطوا رشفة ماء، من الاسبلة التي لم ينقطع عنها الماء، وكانت متاحة للجميع باختلاف ألوانهم وديانتهم وبلدانهم.

وكانت “الاسبلة”، تبنى من طابقين، الأول عبارة عن بئر محفور في الأرض يخزن فيه ماء النيل، والثاني هو حجرة “التسبيل” وهي مرتفعة عن سطح الأرض، لتوزيع الماء على المحتاجين.

3

وشارع المعز جمع فيه بعض الأسبلة ذات الوجهات الفنية والزخرفية، التي كان يقصدها العابرين وسكان المنطقة لتروى ظمأهم، منذ نشأتها، ويضم الشارع سبعة اسبلة، هي “سبيل سليمان أغا السلحدار، وسبيل عبد الرحمن كتخدا ،وسبيل خسرو باشا، وسبيل نفيسة البيضا، وسبيل محمد علي بالعقادين، وسبيل محمد علي بالنحاسين ، وسبيل قانصوة الغوري”.

المدارس والكتاتيب في شارع المعز

لم تزدهر وتنتشر المدارس والكتاتيب، ألا في العهد الأيوبي، بهدف نشر تعاليم “المذهب السني” ومذاهبه الفقهية، ووصل إلي قمته في عهد “المماليك” ويفها المقريزي”إن تخطيط المدارس اعتمد على النظام المتعامد، وهو عبارة عن صحن مكشوف يفتح عليه أربعة أواوين، لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة”

ويحتوى شارع المعز علي سبعة مدارس، هي “المدرسة الكاملية، ومدرسة السلطان قلاوون، ومدرسة الناصر محمد بن قلاوون، ومدرسة الظاهر بيبرس البندقداري، ومدرسة نجم الدين أيوب، والمدرسة الأشرفية، ومدرسة قنصوة الغوري”.

 مجموعة السلطان قلاوون

تحفة معمارية شاهدة علي روعة العمارة الإسلامية في عهد الدولة المملوكية، وقد أمر بإنشاء هذه المجموعة الملك ” المنصور سيف الدين أبو المعالي قلاوون”،الذى تولى عرش مصر سنة 678هـ، وهى تضم بيمارستان “المستشفى”وقبة ضريحية ومدرسة .

واجهته الشرقية تطل على شارع المعز، وتتكون من قسمين، البحري هو القبة الضريحية التى دفن أسفلها المنصور قلاوون، والقبلي المدرسة، وبين القبة والمدرسة دهليز طويل يؤدي إلى البيمارستان، الذي بقي منه الإيوان الشرقي والغربي ويحتفظ بكامل روعته الأثرية المعمارية.

تُعد القبة التي تعلو الضريح أهم جزء في هذه المجموعة، وتتكون من قاعدة مثمنة مكونة من أربع دعائم مربعة بها أربعة أعمدة رخامية مكسوة من الخارج بالرخام الدقيق المطعم بالصدف.

أما المئذنة فتتكون من ثلاثة طوابق الأول والثاني يأخذان شكل مربع والعلوي مستدير.

أما البيمارستان “المستشفى” لم يتبقى منه غير قسم من القاعة الشرقية وتشتمل على فسقية من الرخام،وتعد أقدم مستشفى في مصر، وكانت تعالج أمراض مختلفة، ولكنها في عام 1915 صدر قرار بتحويل “البيمارستان”  إلي مستشفى للرمد.

ثمانية أشياء لا تعرفها عن قانون حمورابى

مجموعة السلطان الغوري

مجموعة السلطان  الغورى

على ناصية شارع “المعز”توجد هذه المجموعة الفريدة لعاشق العمارة الإسلامية السلطان الأشرف “أبو النصر قنصوه الغورى” الشركسي، الذي تولى حكم مصر عام 906 هـ / 1501 م  رغم تجاوزه الستين من العمر فعمل علي استقرار مصر ، واستمر في حكمها حتى قتل سنة 922 هـ / 1516 في معركة “مرج دابق” علي يد “العثمانيين” ولم يعثر له علي جثة.

وتضم مجموعته، قبة ووكالة وحمام ومنزل ومقعد وسبيل وكتاب وخانقاه، وهى من المباني الأثرية الفريدة التي تمتاز بالزخارف الهندسية البديعة.

قصر الأمير بشتاك

4

 في منطقة النحاسين بجوار سبيل كتخدا  يوجد قصر الأمير “بشتاك”، وقد أمر بإنشاء هذا القصر الأمير “سيف الدين بشتاك” الناصرى، وهو من أفخم مباني القرن الثامن الهجري.

وجهته الشمالية الغربية تطل علي شارع”المعز”، ويتكون من ثلاث طوابق بها مشربيات ، ليست على استقامة واحدة بل علي جزأين احدهما غائر، والأخر بارز.

إذا كنت تعيش فى مصـر ، أو جاءتك الفرصة لزيارتها .. حاول ألا تغادرها قبــل زيارتك لشــارع المُعــز !

1

شاركنا رأيك حول "شارع المُعز في القاهـرة.. نبع الحياة الذي لا ينتهي"

  1. Himmat Mostafa

    قمت بزيارته ضمن رحلة لمعالم مصر القديمة.. من أكثر الأماكن زيارة تأثيرا فى نفسى.. وأحسست بما تقوله أنى انتقل عبر عجلة الزمن إلى ذلك العصر. أتمنى زيارته مرة ثانية عن قريب

    • Mohamed Abd El Fatah

      خش من شارع أمير الجيوش من ميدان باب الشعرية على شمالك وأنت جي من العباسية رايح العتبة شارع طويل شوية في نهايته هتلاقي نفسك فى منتصف شارع المعز .. أي خدمة

  2. سلام الجمل

    ايها الناس انها قاهرة المعز لدين الله الفاطمي
    سُميَّت بـ ” القاهرة ” لـ تقهر ” بغداد ” ..
    فكانتا عاصمتي المسلمين .. وقبلتي الحضارة طوال عصور الدهر.

  3. Mohamed Abd El Fatah

    خش من شارع أمير الجيوش من ميدان باب الشعرية على شمالك وأنت جي من العباسية رايح العتبة شارع طويل شوية في نهايته هتلاقي نفسك فى منتصف شارع المعز .. أي خدمة

  4. Heba Hassan

    حلو اوى يا هانى ربنا يوفقك ….مش قلت لك احلامى بتتحقق اهو

  5. Wafaa Heriaz

    جميله الصور والمقال شعرت وكأني زرت المكان وبجد نفسي أزورهذا المكان الرائع

  6. محمد عبدالله

    انا محمد عبدالله على ابراهيم عطية من قرية الرملة مركز بنها قليوبية كنت فى الشارع ده يوم الخميس والاحد الموافقان واستمتعت باحلى الاماكن الجميلة هناك انا وزميلى واخذنا صور تذكارية هناك للذكرى
    الاثنين 3/12/2015و6/12/2015

أضف تعليقًا