ما وراء ناروتو.. عندما تزرع الأفكار في الرسوم المتحركة! – تقرير

ما وراء ناروتو.. عندما تزرع الأفكار في الرسوم المتحركة! - تقرير 8
5

لكي أكون صريحاً، فإنني لم أتخيل يوماً أن أكتب مقالاً عن مسلسل كارتوني أو قصص مصورة، لكن هذا كان قبل أن أرى مشهداً من مسلسل ” ناروتو Naruto” قبل عدة سنوات في التلفاز قدراً، وقد كنت يومها أحاول تعلم الرسم بطريقة المدرسة اليابانية.

 وإن ما جذبني إليه وقتها هو أن أسلوب المدرسة تطور في رسم أعين الشخصيات، وبدا لي حينها أنهم قد تركوا رسم تلك الأعين الضخمة العجيبة لشخصياتهم وتطوروا إلى أسلوب أكثر واقعية.

وبما أنني لم أقتنع وقتها بسيناريو الحوار المبتذل في النسخة المدبلجة مقارنة بالشهرة التي وجدتها لذلك المسلسل، فقد عمدت إلى متابعة النسخ اليابانية الأصلية منه، وبدأ الأمر يتخذ طريقاً آخر تماماً.

رحلة في عالم ” كــارتــون الثمــانيـنات ” السعيـد !

في النسخ الأصلية

ماساشي كيشيموتو - مؤلف سلسلة ناروتو
ماساشي كيشيموتو – مؤلف سلسلة ناروتو

ربما كان أبرز ما ﻻحظته كان أن ذلك المسلسل لم يكن مقدماً لفئة الأطفال!. فإن الطبيعة العنيفة ﻷحداث قصة مقاتلي نينجا، بالإضافة إلى نمط الحياة اﻷخلاقي الذي يعيشونه لم تكن لتصلح  كمادة للأطفال. غير أن ذلك جعل المسلسل بيئة خصبة لغرس كمية مهولة من القيم والأفكار في نفوس من يشاهدونه.

ولقد وضع ماساشي كيشيموتو –مؤلف السلسلة الذي يبلغ عمره 40 عاماً!– كمية أفكار ﻻ بأس بها على عدة مراحل متعاقبة في ذلك المسلسل، وفي بعض الأحيان هناك فكرة واحدة كبيرة جدا بدأت بها القصة وانتهت!.

وﻻ أريد بهذا المقال إلقاء الضوء من ناحية فنية على المسلسل وﻻ عن احتلاله للمركز الثالث بين أفضل قصص مصورة بيعت  على مر التاريخ!، وﻻ إيراداته وﻻ أي شئ من هذا. إنما يعنيني فقط ما وجدته من أفكار مقدمة إلى من يشاهده.

 الظاهر الواضح للعيان

وبما أن قصة المسلسل قد انتهت في شهر نوفمبر الأخير بعد 15 عاماً وما يقرب من 700  فصل مجموعين في ما يقرب من 72  مجلداً، فسيكون من السهل تجميع أجزاء الأحجية ﻻكتشاف الأفكار التي خبئت بعناية داخل طيات تلك الرسوم.

وﻷنني أريد إظهار الفرق بين الفكرة التي ظهرت جلية وبين تلك الأفكار المطوية، سأبدأ أوﻻ بذكر الفكرة العامة التي أدركها كل من يعرف ذلك المسلسل أو تابعه.

وتلك الفكرة العامة، تدور حول صبي فاشل شق طريقه إلى القمة بإصراره على المحاولة، وبمساعدة أصدقائه من حوله. كما تظهر حبه للخير في مساعدته لكل من في طريقه بدءاً من أعدائه وحتى صديقه الذي ضل طريقه في بداية القصة ولم يعد لرشده إﻻ في آخر فصل منها.

الأهداف المخفية للقصة!

أما ما سأذكره من تلك الأهداف هنا هو ما تم إخفاؤه ببراعة بين ثنيات القصة، وتمت مناقشته بل وإيصال رؤية المؤلف في كثير من الأحيان، بداية من معانٍ بسيطة كعلاقات الصداقة والروابط الإجتماعية، وحتى أحلام كبيرة كالسيطرة على العالم مثلا.

كاكاشي

العلاقات أهم من الأوامر!

وهذه الفكرة يتم تناولها في غير موضع من القصة، لكن أبرز مثال لها والذي تكرر واستمر إلى نهاية القصة هو شخصية “كاكاشي Kakashi” الذي ظل يتقيد باﻷوامر حرفياً في بداية حياته بسبب حادثة أبيه.

خرج والد كاكاشي في مهمة مع رفاقه، ثم انسحب وألغى تلك المهمة حينما شعر بتعرض رفاقه للخطر. غير أن تلك الحادثة جلبت عليه لوم كل من حوله حتى رفاقه الذين أنقذ حياتهم بإلغائه لتلك المهمة، الأمر الذي أدى به إلى الإنتحار في النهاية.

وبالتالي، فمن المنطقي جدا أن يخرج الولد ﻻ يعرف إﻻ تنفيذ القوانين. ويستمر ذلك الأمر حتى يخرج في مهمة أثناء الحرب ويختار التخلي عن زميلته التي أسرت في سبيل إنجاز المهمة. لكن زميله “أوبيتوObitu” يرفض ذلك قائلاً “صحيح أن من يخالف الأوامر هم حثالة، لكن من يتخلى عن رفاقه هم أحط من الحثالة نفسها!”.

وبتعلمه لذلك الدرس جيداً، فقد ظهر أثره في اختبار قبوله للطلاب الذي يتدربون تحت يده والذي أخذه من أستاذه، حيث كان يجبرهم على وضع يفوز فيه اثنين على حساب الثالث، وينجح الفريق فقط إذا ضمنوا نجاة صديقهم معهم، متجاهلين الأوامر الصارمة بعدم مساعدة صديقهم الخاسر.

أنجح 10 أفلام رسوم متحركة في تاريخ السينما العالمية!

الجندي المجهول، القضية فوق كل شئ!

الجندي المجهول

يستهويني بشكل خاص أولئك الذين يعملون من خلف الستار وﻻ يحبون الظهور تحت الأضواء، فهم يتنازلون عن ثناء الناس عليهم ومكانتهم بينهم ﻷن ذلك يخدم قضيتهم التي يعيشون من أجلها. وإن خير مثال على ذلك هنا هو”إيتاتشي Itachi”.

ظهر نبوغ ذلك الفتى مبكراً، وألحق بالقوات الخاصة وعمره 11 عاماً، ثم تولى قيادة فريق من القوات الخاصة بعمر 13 عاماً!، ليخبرك أن كفاءتك وحدها هي ما تحدد أين تكون.

ولما أحس من عشيرته خيانة لقريته وسعياً لعمل انقلاب يؤدي إلى حرب عالمية أخرى، بعد أن طلب منه أبواه أن يتجسس على القرية لصالح قبيلته. ولما كان الحل هوالقضاء على من سيقوم بالإنقلاب –في هذه الحالة، قبيلته كلها كانت ستنقلب–، اختار أن يقوم هو بالقضاء عليهم ليضمن سلامة أخيه الصغير، حيث لم يكن له ذنب فيما يقوم به كبار قبيلته.

ولم ينته الأمر هنا، بل ذهب في مهمة بعدها إلى منظمة إرهابية لكي يراقب نشاطها حتى ﻻ تقوم بإشعال فتن أوحرب أخرى!، شرط أن تحافظ له القرية على سلامة أخيه. كل هذا ويتم تصويره في قريته التي قضى على أهله من أجلها على أنه الخائن الذي ذبح أهله وفر هارباً!، بعد أن قضت قيادة القرية بعدم إخبار أحد بأمر الإنقلاب.

الموهبة أم اﻹجتهاد؟

الموهبة أم الإجتهاد

ولوأنك تابعت القصة، فسترى بشكل واضح أنها تنتمي لعالم الفانتازيا الخيالي، فمقاتلي النينجا هنا يخرجون نيراناً من أفواههم ويبعثون من بعد الموت وما إلى ذلك!. ونتيجة لذلك بالطبع يقع التفاخر بين الشخصيات المختلفة بقدراتها التي ولدت بها، وأن ذلك يحدد مصيرها في الحياة. لكن ماذا عن أولئك الذين ليس لهم من تلك القدرات نصيب؟

ستجد شخصيتين ﻻ يستخدمون تلك القدرات الخيالية، ويعتمدون بشكل كامل على أجسادهم الطبيعية، وإن كان الأمر تعدى حدوده في بعض الأحيان. هاتان الشخصيتان هما “جاي Guy” وتلميذه “ليي Lee”، وسيثبت لك “ليي” على وجه الخصوص أن ذلك الذي لم يولد بموهبة لقادر على تحقيق أهداف عظيمة جداً إذا أصر على المحاولة ولم ييأس ما دام فيه نفس يتردد!.

إن الإحساس الناتج عن مجرد مشاهدة مبارزة واحدة لتلك الشخصية المثابرة على تحقيق هدفها يساوي ذلك الإحساس الناتج عن مشاهدة الأفلام التحفيزية أو التشجيعية!.

وعلى الناحية اﻷخرى، فهناك “نيجي Neji” الناقم على قدره ﻷنه قدر له أن يعيش لكي يفتدي السادة في عائلته، ولن ينفك عن ذكر ذلك كلما سنحت له الفرصة، حتى أثبت له ناروتو في معركة بينهما أنه هو وحده من يحدد مصيره، الأمر الذي غيره إلى نهاية القصة.

بعض الحقائق والطرائف عن مسلسل توم وجيري … أشهر ثنائي كرتوني

استخدام العاطفة لتحقيق الهدف، هل الحب أقوى أم الكراهية؟!

استخدام العاطفة لتحقيق الهدف

قد ترى هذا في استنفار الدول لجيوشها، فهناك من يحمس الجنود عن طريق شحنهم بالكراهية لعدوهم، ومحاولة تشويهه عن طريق شتى الوسائل. اعتماداً على تلك الطاقة التي يولدها ذلك الأسلوب في نفوس الجنود، وعلى الجانب الآخر، فهناك من يجعل المحرك لقيام دولته أوشركته أو لدفع جيشه نحوالنصر، هو الإنتصار لغاية نبيلة حتى وإن كان ذلك يعني استفادة أعدائهم منها.

وفي قصة ناروتو، تجد أن أبرز مثال لهذا هو ما قام به إيتاتشي مع “ساسكي Sasuke” أخيه الأصغر، فقد أراه كيف قتل والديهما أمام عينيه لكي يشحنه بالكراهية ضده حتى يكون ذلك دافعاً له على السعي خلف القوة كي يقتله، وقد كان يظن أن الحقد والكره سيشكلان دوافعاً مفيدة ﻷخيه تدفعه ليصير أقوى.

غير أن تلك الدوافع تأتي مع آثار جانبية ﻻ يمكن تفاديها، فالكره ﻻ يولد إﻻ الكره، والحقد ﻻ يولد سوى الحقد. وكلما أوغل المرء وراء حقده كلما أعماه الغضب عن الهاوية التي تنتظره.

وفي لفتة ذكية من المؤلف، فإنه قدم البديل في صورة “ساي Sai” كشخصية في فريق ناروتو تحل محل ساسكي الذي ترك القرية بحثاً عن القوة لكي يقتل أخاه. “ساي” الذي أُرغم في تدريباته على تجاهل عاطفته تماماً لكي ﻻ يؤثر ذلك على قراراته في مهماته التي تسند إليه، فأصبح كالصخر الأصم ﻻ يفهم حتى دلالات التعابير البشرية، وقد ساهم رسمه بجلد أبيض باهت ووجه جامد متصلب في إظهار تلك الصورة جداً.

لكنه يعود للطريق بمراقبته لتصرفات من حوله ليدرك أنه يستطيع إخراج أقصى قوته حينما تقوده عاطفة حبه لمن حوله وخوفه عليهم، وليس استحضار كراهيته للعدو كما تم تدريبه من قبل.

كيف تنشر السلام؟!

كيف تنشر السلام_!

إذا نظرت إلى أحداث القصة من منظور بعيد، من ارتفاع ألف قدم!، سترى أن هناك عدة محاولات لتحقيق السلام في ذلك العالم الخيالي. فهناك مثلاً من ينشئ منظمة لتحارب الإستبداد والقمع الذي تتعرض له بلده ويحلم أن يسيطر على العالم لينهي ذلك الظلم، ممثلة في شخصية “ياهيكوYahiku”.

 ثم يأتي من يستغل تلك الرغبة ليقنعهم أن يعملوا لصالحه، وتتحول إلى منظمة إرهابية تجتذب المرتزقة وتحاول جمع أسلحة الدمار الشامل –إن جاز التعبير– زاعمة أنها ستتمكن من تحقيق السلام إذا كانت لها اليد العليا!.

وهناك من يحاول فرض ذلك السلام وتحقيقه بإنشاء قواعد سليمة لدولة مسالمة وقوية ومنظمة، ممثلة في شخصية “هاشيراما Hashirama”، الذي سعى لحماية ذلك الحلم بكل ما أوتي من قوة. ثم مرة أخرى يعرض صورة أخرى لمن يحاول فرض السلام بالقوة عن طريق سلب البشر حريتهم بالكامل، ممثلة في شخصية “مادَرا Madara” الذي تسبب في حرب عالمية!.

وفي كل تلك المحاولات، تناقش القصة المحاولة من أبعاد مختلفة، كي تجعلك تحصل على رؤية واضحة للمسألة، ثم يخرج الحل الذي يراه المؤلف، والذي يثبت فشل تلك المحاولات كلها عدا محاولة هاشيراما!.

مجلات رائعة رافقت طفولتنا .. لا يمكن أن ننساها

ﻻ تزر وازرة وزر أخرى!

_ تزر وازرة وزر أخرى!

سترى بوضوح نظرة المنبوذ من المجتمع إلى بطل القصة “ناروتوNaruto” في بداية القصة، إذ أن والد ناروتو قد ختم بداخله وحشاً هاجم القرية ودمرها. لكن القرية ﻻ ترى في الصغير سوى ذلك الوحش الذي هاجمهم.

وقد جعله ذلك منعزﻻ وحيداً ﻻ أحد يقبل التعامل معه، وجعل يفتعل المشاكل ليرغمهم على الإحساس بوجوده، ثم رمى كل ذلك وراء ظهره وجعل هدفه هو أن يحكم القرية، وكان يرى أنه إذا بلغ من القدرة أن يحكم القرية فإنه سيجبرهم جميعاً على الإعتراف به.

وتغيرت نظرة قريته بالكامل إليه لما أنقذهم جميعاً من هجوم المنظمة الإرهابية التي أسلفت ذكرها عبر معركة ملحمية رائعة، أبدع كيشيموتو في تصويرها، إذ أنها كانت معركة مبادئ ونظريات ومفاهيم وتصورات، وما القتال الذي كان بها إﻻ لزيادة الحبكة ﻻ أكثر!.

 إذ انها لم تكن بين ناروتو والمنظمة قدر ما كانت بين تصور ناروتو لتحقيق السلام في العالم وتصور تلك المنظمة. ولو قارنت الوقت الذي استغرقته الشخصيات في مناظراتها الكلامية والوقت الذي استغرقوه في القتال الفعلي في تلك المعركة، لوجدت أن القتال بمفهومنا لا يتعدى نسبة بسيطة ﻻ تذكر!.

الخلاصة

وإن كانت هناك أفكار كثيرة تمت مناقشتها في القصة مثل قطبية العالم بأن تكون القوة في يد واحدة أو أن يتحقق السلام بجعل الناس تعرف معنى الألم كي يتجنبوا الحروب!، وغيرها كثير جدا في تلك السلسلة الرائعة التي صنعت من قصصها المصورة مسلسلاً وصلت حلقاته إلى أكثر من 600 حلقة وما زال مستمراً، باﻹضافة إلى عدة أفلام وألعاب فيديو!.

برغم وجود كل تلك الأفكار فإنني حاولت التركيز على أهم ما ورد فيها، فهي سلسلة كبيرة على أي حال ولن يختزلها مقال واحد!.

اقرأ ايضاً لأسامة دمراني:

كوكب جوجل.. كيف استطاعت رؤية شركة واحدة أن تحول حياتنا؟!

بهذه الطرق البسيطة.. كيف تكسب اﻷصدقاء وتؤثر في الناس؟

بعيداً عن النظريات المُعقدة: كيف تصبح الفيزياء مُسلية؟!

5

شاركنا رأيك حول "ما وراء ناروتو.. عندما تزرع الأفكار في الرسوم المتحركة! – تقرير"