عبقري الشطرنج الأمريكي “بوبي فيشر” الذي سحق الماكينات السوفيتية ونال حب العالم!

بوبي فيشر عبقري الشطرنج وأفضل لاعب شطرنج في العالم... تعرف على قصة حياة بوبي فيشر - توبي ماجواير
10

مقال بواسطة/ أحمد محمد الخطيب – مصر

قبل أن تبدأ في قراءة هذا المقال يجب أن تعد كوباً من القهوة؛ لأنّك سوف تنتقل إلى عقول الأذكياء على رقعة ملساء مليئة بالمربعات وبالقطع المنحوتة بعناية، أنصحك أيضاً أن تمتّع أذنيك مع مقطوعة موسيقية من إبداع هاورد في فيلم “Pawn Sacrifice”، استمتع…

“أنا لا أقبل بالحلول الوسطى، أنا لا أقبل بالتعادلات”

هذه الكلمات كانت تدور في أروقة رأس “بوبي فيشر” دائماً وهو يحدق في كتب الشطرنج التعليمية خاصته التي يتصفحها بعناية ولا يكل من التحديق فيها، وبجانب فراشه توجد رقعة الشطرنج بلونين و 64 مربع، هذه الرقعة التي فتنته وشغلت كل تفكيره، فكان فيشر يحدق في الكتاب تارةً وفى الرقعة تارةً أخرى، كان يعرف أنّه في يوم ما سوف يصبح الأفضل على الإطلاق، ويتذكره كل محبي الشطرنج حول العالم.

ولد بوبي عام 1943 بولاية أيلينوى في الولايات المتحدة الأمريكية، من أم يهودية “رجينا”، ولدت بسويسرا ونشأت في سان لويس وعملت كمعلمة وممرضة ولاحقاً طبيبة، وأمه تملّكت قدراً من الذكاء لا بأس به، كانت تتحدث 7 لغات، أمّا والده فلا أحد يعرف من هو فقد أشتبه بأن يكون “باول نيمنى” وهو عالم فيزيائي يهودي وهو الأقرب أن يكون والده.

صبا بوبي فيشر

عندما أصبح بوبي في الخامسة انتقلت الأم إلى “بروكلين” وهناك كان أول لقاء بين فيشر والشطرنج بعد أن ابتاعت أخته “جون” علبة صغيرة بقيمة دولار واحد فقط من متجر الحلوى احتوت على شطرنج صغير، وكانت قوانين اللعبة منقوشة على ظهر العلبة، وأخذت جون تشرح قوانين اللعبة لأخيها وبعد ذلك أصبح مهوساً بها إلى حد الجنون، حتى أنّ بوبي عندما كان لا يجد من يلعب معه فيلاعب نفسه ودائماً ما كان يربح المباريات مع نفسه، لاحظت والدة فيشر ذلك وأصابها القلق وعندما عرضته أمه على الطبيب النفسي قال لها: “يوجد الكثير من الأشياء التي تستحق القلق بشأنها غير الشطرنج وأخبرها ألاّ داعى للقلق بشأن ذلك”.

انطلاقة بوبي فيشر المبكرة في بطولات الشطرنج

في التاسعة لعب بوبي أول مسابقة منظمة، وفي الحادية عشر كان معروفاً في كل أندية نيويورك للشطرنج، بوبي أصبح مثل الإسفنجة الماصة للشطرنج، يلعب على رقعة ويسير على الأخرى بخفة وهدوء، فأحياناً يزهو ويتعاظم وأحياناً أخرى يخبئ نوره ليتعلم، فكان يسير في كل أنحاء القاعة ويشاهد كل من يلعبون ويرمق كل ما يتعلق بالشطرنج في الغرفة بنظرات مُعلم لا مبتدئ ويختزنها داخل عقله بعد أن يتدرب عليها العديد من المرات، ويستطيع بعد ذلك أن يسترجعها وقت اللعب، لقد قال بوبي: “أنّه قرأ الكثير من الكتب يقدر عددها بالآلاف وكان يختزن في رأسه ما يعادل مئات من درجات الدكتوراه (BhD) في الشطرنج.”

وقرر بوبي عندما كان في الثامنة من عمره أنّه سوف يصبح بطل العالم في الشطرنج، بينما كان من في مثل عمره يهتمون بأشياء أخرى مثل: الدراسة، والرياضة، والفتيات وغيرها، كان بوبي يقضى وقته في قراءة المزيد من الكتب حول الشطرنج، ويعلّم نفسه أساليب أكثر، ويسجل في رأسه معلومات وخطط تساعده في المباريات حتى لا تقضي عليه دقائق المباراة، دائماً ما يعتريه شعور النقص في المعلومات والخطط لذلك كان لا يكل من تعليم نفسه.

الشطرنج لعبة معقدة رغم سهولة قواعدها، ولكنك تملك عدد احتمالات يقدّر بأكبر من عدد ذرات الكون، يجب عليك أن تحرك القطع في تناغم حتى تقضي على الخصم، لذلك يدور الشطرنج حول الحدس والحكمة وحول المخيلة فيجب عليك أن تتخيل أنّك دائماً في المقدمة.

مباراة بوبي فيشر ضد دونالد بيرن

في الـ 13 من عمر بوبي لعب مباراة من أفضل المباريات في تاريخ اللعبة ضد الأستاذ الدولي المحنك “دونالد بيرن” الذى هو من أفضل لاعبي أمريكا، وقد فاز ببطولة أمريكا المفتوحة، بدون نقاش هذه المباراة بالنسبة لأي إنسان محسومة لصالح بيرن؛ لأنّ فوز الفتى صاحب ال13 عام أمر مستحيل نظرياً، وقد أذهل بوبي كل الجمهور بأنّه لعب لعبة التضحية بالوزير “Queen” وهي أقوى قطعة على الرقعة ومعروف أنّه إذا خسرت الوزير خسرت المباراة، ظنَ الحضور أنّ المباراة انتهت، ولكن بوبي كان له رأى أخر لقد ضحى بالوزير ليطلق العنان لهجوم لا يمكن إيقافه، وقد فعل هذا وربح المباراة وسط ذهول لا يمكن تصوره، وقد سميت هذه المباراة بمباراة القرن، وفي هذه السنة كان يتنافس بوبي مع أفضل اللاعبين في أمريكا، وعندما أصبح في الرابعة عشر من عمره أصبح أفضل لاعب في الولايات المتحدة بدون منازع وأصبح بطل بطولة الولايات المتحدة، في الخامسة عشر من عمره كان أصغر أستاذ ومعلم شطرنج في التاريخ.

بوبي فيشر يلاعب 25 و 50 لاعب دفعة واحدة

وعندما كان في عمر صغير كان يلعب مباريات ضد 25 لاعب في نفس الوقت، وأحياناً يصل عدد الخصوم إلى 50 لاعب ولكن فيشر لم يخسر أبداً بها.

كان يقول بوبي أنّه لم يعرف والده قط وأنّ والده غادر عندما كان صغير، وفى مرة من المرات بكى فيشر عندما سُئل عن والده، وقد كتبت بعض الصحف… إذا ذكرت والد بوبي فسوف تتغير طباعه وتسوء حالته المزاجية إلى نهاية اليوم.

الوحدة والعبقرية والبارانويا والإسكيزوفرانيا

كان بوبي لا يهتم بأي شيء غير الـ 64 مربع على الرقعة فقط كانت كل مباراة بالنسبة له جولة للوصول إلى المباراة النهائية، وعلى الرغم أنّ معدل ذكاء “IQ” بوبي عالي جداً ويقدر بـ “187” وهذا معدل غير طبيعي، هذا معدل المستويات العليا من العباقرة، ولكن هذا الذكاء لم يتحول إلى نجاح بالدراسة فخرج بوبي من المدرسة وكان دائماً يقول: “لقد قررت أن أصبح الأفضل في العالم وأي شيء آخر سوف يصبح تشتيتاً لعقلي”.

بعمر مبكر اكتشف بوبي أنّ الأشخاص يستخدمون ثرواتهم للتحكم في الآخرين وهذا طوّر طبيعياً حالة من البارانويا والإسكيزوفرينيا التي زادت عنده؛ لأنّه كان ميالاً لها بمعنى آخر كان مصاب بمرض نفسي بسبب نشأته المنعزلة وقلة أصدقائه.

طور بوبي من نفسه وفي مرحلة المراهقة إلى الأفضل وأصبح يستخدم أساليب تكتيكية معقدة للإيقاع بالخصم، فقد كان يمرن نفسه جسدياً، وعقلياً، ونفسياً على الفوز، كان بوبي يسحق كل منافسيه والبعض قال أنّه يسيطر عليهم نفسياً ويمتلك قوة مظلمة يتحكم بها في خصومه.

أصبح فيشر يفعل ما يريد مهما كانت العواقب، كان يتقدم إلى حافة الجنون، كلما ازداد نجاح بوبي زاد جنونه كانت علاقة طردية بين النجاح والجنون، لم يكن لديه الكثير من الأصدقاء، كان صديقه المميز والمفضل هو الشطرنج بالقطع ذات النحت المتميز والرقعة الناعمة مثل الحرير، كان يعطى للشطرنج كل وقته وكان الشطرنج يعطى بوب بقدر ما يأخذ منه، كان بوبي ينام بالنهار ويدرس الشطرنج ويستمع للراديو لإذاعة الإله العظيم في الليل التي كان من يمتلكها صاحب كلمات ملهمة وكاريزما كبيرة، لقد تعلق بوبي بهذا الرجل وبكلماته وانجذب للكنيسة بشكل كبير.

بوبي فيشر مستغرق في التفكير أثناء لعب الشطرنج

الثراء والغرور وفوبيا السوفييت

1957-1967 كان قد ربح بوبي 8 بطولات للولايات المتحدة، وفى عام 1964 فاز بوبي ببطولة الولايات المتحدة بنتيجة 11/11 العلامة الكاملة الوحيدة في تاريخ البطولة، ومع كل هذا النجاح أصبح فيشر أكثر غروراً، وأصبح يفرض إجراءات أكثر حدة وغير منطقية؛ لكي يفرض سيطرته على البطولة مثل: يجب أن تكون الرقعة والقطع ناعمة، يجب أن يبعد الجمهور مسافة معينة، يجب أن يضاعف المال، وكان يرفض أن يلعب أي مباراة إن لم تحقق شروطه كاملة.

في عام 1967 كان بوبي متقدم في البطولة المؤهلة لكنه ذهب مع سلسلة من الشكوى مع منظمي البطولة؛ لأنّ طلباته لم تحقق، وقد أرسل رسالة للسفارة الأمريكية يقول فيها أنّه يريد هليكوبتر لتأخذه إلى المطار.

عام 1972 كان عليه أن يلعب سلسلة من المباريات لكي يصعد للبطولة، وكان أول منافس الأستاذ الكبير تايمنوف “Taimanov” من الاتحاد السوفيتي وقد حطمة بنتيجة 6-0 والسوفييت كانُوا لا يصدقون أعينهم، المباراة الثانية كانت لارسون “Larson” واحد من أفضل لاعبي العالم وقد سحقه بنتيجة 6-0، وهذا أشبه أن تحطم “محمد علي كلاي” بذراع واحدة ويدك الأخرى خلف ظهرك، وهذا مستحيل ولكن بوبي فعلها، المباراة الثالثة كانت مع “بتروشن” وهو لاعب رائع ولكن فيشر حطمه مثل الآخرين، وهذه السلسلة من الانتصارات لم تحدث في التاريخ من قبل وأظن أنها لم تحدث بعد ذلك أيضاً؛ لأنّها مستحيلة، بعد هذه السلسلة من الانتصارات انتقل للعب مع بوريس سباسكي “Boris Spassky “وهو لاعب صُنع في المدرسة السوفيتية، متوفر له كل شيء من مال ودعم وتدريب، كان لاعباً رائعاً ومتميزاً وكان في هذا الوقت الأفضل في العالم وحامل اللقب، وهيمن السوفييت على البطولة العالمية منذ الحرب العالمية الثانية.

الشطرنج هو كيف تثبت أنّك متفوق فكرياً على الآخر ليس كشخص فقط ولكن كدولة، ومعتقدات، وتيارات فكرية، وحتى دينية، الشطرنج هو أن تثبت أنّك أذكى من الخصم هو والبيئة القادم منها أيضاً، السوفييت كانوا يستخدمُون الشطرنج للتعبير، والنشر، والدعاية لأفكارهم مثل: الشيوعية، وأنّ هذه الأفكار هي الطريقة الأفضل للحكومات وهي تنتج أفضل وأذكى الرجال والنساء، إذاً من الطبيعي أن نربح بطولة العالم للشطرنج لأنّنا الأفضل على الأطلاق، وبما أنّ معتقداتنا وتفكيرنا الأفضل لبلدنا إذاً فهو الأفضل لبلدكم أيضاً، وهذا ما يطلق عليه الحرب الباردة التي كانت في هذا الوقت الحرب الأقوى بين روسيا والولايات المتحدة.

كان فيشر دائم القول: “بأن السوفييت يتآمرون عليه وقبل ذلك اتهمهم أنّهم يتعادلون عن عمد لكي يوفروا طاقاتهم له ولكي يحسمُ النتائج لصالحهم”.

تمرد آيسلندا والهزيمة

كانت آيسلندا تستضيف النهائي بين فيشر وسباسكي بعرضها مبلغ 125 ألف دولار لكن بوبي لم يوقع العقد كان يريد المزيد من المال، وهذا لم يرضِ الآيسلنديين ورُفِضَ طلبه، وفي حفل الافتتاح كانت كل المقاعد شاغلة إلاّ مقعد واحد، الجميع هنا إلاّ بوبي فيشر، والغريب في الأمر أنّ بوبي ذهب للمطار للسفر وعندما كان في المطار غير رأيه وقرر أن يضاعف المبلغ، وعندما صعد السلم المتحرك ورأى الإعلاميين والكاميرات في كل مكان، هرب فيشر وهو يقول ل “بول” المحامي الخاص به لقد “أخبرتك أنّني لا أريد إعلام ولقد وجدت الكثير، جيد” وركض خارج المطار.

عندما كان الجميع في آيسلندا مكث فيشر في نيويورك وكان دائماً جالساً في غرفته يشعر بأنّ السوفييت يتربصون به لكي يقتلوه ويسمع خطوات أقدام ليس لها وجود، واتصل بأخته وأخبرها أنهم يطاردوه، ولكن بعد يوم ظهر رجل أعمال بريطاني ثري ودفع المال لكي يرى بوبي يلعب، وسافر بوبي إلى آيسلندا، وعندما وصل إلى هناك بدأ في الشكوى من كل شيء وأراد أن يغير كل شيء في القاعة، الشروط تحققت وبالفعل بدأت المباراة وكان يحس بوبي بصوت الكاميرات وقد أوقف المباراة لكي يشتكي للحكم منها ويريد أن يبعدها؛ لأنّها تؤذي تركيزه ولا يستطيع التفكير، ولكن الحكم قال له أنّه لا يستطيع فعل ذلك، وفي وسط المباراة فعل بوبي حركة غريبة كأنّه أراد أن يقضى على نفسه، كانت معقدة وكان من الأفضل ألاّ يفعلها أبداً، لقد حرك البيدق “العسكرى” وبهذا سمح للفيل بأن يكون محاصراً وخسر بوبي المباراة بسبب الخطأ الذى وقع فيه.

جزء أخر من مباراة بوبي قيشر وسباسكي

عندما خسر بوبي هذه المباراة قد اشترط بعض الشروط كان أهمها أن يلعب في غرفة داخلية صغيرة كانت مخصصة “للبنج بونج” ويوجد كاميرا واحدة فقط لا تصدر صوت، لم يوافق الآيسلنديون على هذا، خسر بوبي هذه المباراة بالانسحاب؛ لأنّه لم يحضرها بسبب عدم تحقق الشروط التي طلبها.

كان الانسحاب وعدم الموافقة على شروط فيشر بالنسبة للسوفيت نصراً كبيراً ولكن سباسكي لم يرض بذلك وأراد أن يكسب بطريقة شرعية وليس كالجبناء، وافق سباسكي على اللعب في الغرفة الصغيرة، ربح فيشر المباراة لتصبح النتيجة 2/1.

انتقلت العدوى إلى سباسكي وأصبح يشك في كل من حوله ويشك أن هناك بعض الناس يريدون أن يقتلوه وغير ذلك، وهناك البعض يقول أن فيشر أثر على سباسكي وأصبح الاثنان مرضى نفسيين، في المباراة الرابعة كان سباسكي يشعر أنّ هناك شيء غريب في الكرسي وعندما فحصوا الكرسي لم يجدوا فيه إلاّ ذبابتين ميتتين وقد خسر سباسكي هذه المباراة وأصبحت النتيجة 2/2.

جزء من مباراة بوبي فيشر وسباسكي

وتعادل الاثنان في المباراة الخامسة…

المباراة السادسة التي صنفت الأفضل في تاريخ اللعبة على الإطلاق وقد فاز بها فيشر على سباسكي لتصبح النتيجة لصالح بوبي.

فاز بوبي في هذه البطولة وانتزع اللقب، قد فاز بوبي ب 7 مباريات ولم يخسر سوى مرة وتعادل 11 مرة ليتوج باللقب بنتيجة 12½ لفيشر مقابل 8½ لسباسكي، لقد هزم عبقري أمريكي وحيد الماكينات السوفيتية.

رجع بوبي إلى أمريكا وقد تم تكريمه من قبل الولايات المتحدة وقد قال في هذا التكريم “أتمنى أن أجد الكثير من الأمريكان يلعبون الشطرنج، إنّها لعبة العقل”.

الاعتزال الأول والثراء

هربرت جورج أرمسترونج مؤسس كنيسة الرب العالمية

أصبح فيشر مليونيراً واختفى لمدة كبيرة متجاهلاً كل العروض المغرية للعب مجدداً، لم يلعب بوبي وبدلاً من ذلك توجه إلى كاليفورنيا نحو كنيسة الرب العالمية “Worldwide Church of God” التي تأسست بفضل صاحبها “هربرت جورج ارمسترونغ” صاحب الكلمات الحماسية والكاريزما التي كان يعشقها بوبي، وقد تبرع بوبي للكنيسة بقيمة 20% من قيمة جائزته في آيسلندا وقد وفرت له الكنيسة مسكن بجانبها وكانت تزوده بالمؤن، في أواخر السبعينات تعرضت الكنيسة لفضيحة جنسية مدوية وتركها بوبي وغادر، وترك كل من يريد مساعدته وذهب وأصبح يعيش وحيداً في عالم الشطرنج، وقد تسببت الوحدة بالزيادة في المرض النفسي المصاب به بوبي وقد أصبحت الحياة تزداد غموضاً أكثر مع بوبي، فقد شاهده بعض الناس وهو يذهب إلى محلات الكتب ويشتري بعض الكتب عن النازية، وقد قطع كل علاقاته مع أصدقائه؛ لأنّهم يهود وقد زادت حدة كرهه لليهود وهذا ليس غريب؛ لأنّه كان دائماً يكرههم من سن صغير وعندما وضعوه في قائمة اليهود الأكثر شهرة أخبرهم أنّه ليس يهودي ولا يريد أن يوضع في هذه القائمة.

عام 1975 رفض فيشر الدفاع عن لقبه بسبب عدم استجابة الاتحاد الدولي لمطالبة فسحب منه اللقب، سنة بعد أخرى كان بوبي يرفض العروض ليرجع للعب مرة أخرى حتى أتت الفتاة التي غيرت التاريخ، الفتاة المجرية المراهقة صاحبة الـ 16 عام التي كتبت خطاب تحث بوبي على اللعب مجدداً كان من مضمون الخطاب “لماذا لا تلعب مجدداً، أنت أفضل لاعب في التاريخ، أنت موتزارت الشطرنج، أنت آينشتاين الشطرنج” لقد حرك هذا الخطاب مشاعر بوبي تجاه الحياة مرة أخرى وكان أمله الوحيد للنجاة من المرض النفسي، وبعد هذا الخطاب بقليل قدمت شركة يوغسلافية عرض بقيمة 5 مليون دولار لكي يرجع عن الاعتزال، وقد أقنعه ذلك العرض بعد التأثير الذى شعر به بعد الخطاب.

مباراة بوبي فيشر وسباسكي في سبتمبر عام 1992 في يوغوسلافيا

العودة الأخيرة للرقعة وعداء اليهود

فى سبتمبر 1992 لعب بوبي مباراة مع سباسكي مرة أخرى في يوغسلافيا منذ عشرين عام على آخر مباراة لهم، في هذا الوقت كانت يوغسلافيا تحت الحظر المفروض من الولايات المتحدة الأمريكية، كان حظر التعامل معها اقتصادياً أو بأي شكل من الأشكال، قد أرسلت وزارة الخزانة الأمريكية تحذيراً لفيشر على هيئة خطاب كان مضمونة “إذا تم لعب المباراة سوف تخرق أمر الرئيس جورج بوش رقم 12810، وقرار مجلس الأمن رقم 757 والقاضي بفرض العقوبات ضد المتورطين في أنشطة اقتصاديه مع يوغسلافيا، إذا قبلت لعب المباراة سوف تتحمل غرامة 250.000 دولار، وعشر سنوات في السجن، ولكن كان رد بوبي على الخطاب في المؤتمر الصحفي في يوغسلافيا أمام شاشات التلفاز بالبصق على القرار أمام الجميع، ولعب بوبي المباراة وهزم سباسكي مرة أخرى، وقد أخذ جائزة قيمتها 3مليون دولار وهرب بها ولم يرجع إلى أمريكا مرة أخرى، وبدأت رحلة تجوله حول العالم وخاصة أوروبا.

بوبي فيشر حاملًا خطاب الحكومة الأمريكية

توجه بوبي نحو المجر بعد المباراة ليذهب لحبيبته “زيتا رجساني” ولكنها هجرته وذهبت مع رجل آخر وهذا كان مؤلم كثيراً بالنسبة له لأنّ هذه الفتاة حبه الوحيد، في الـ 12 سنة القادمة تجول بوبي في أوروبا وأسيا وقد فوت جنازة أمه رجينا عام 1997 وكانت هذه ضربة مؤلمة له؛ لأنّه لم يستطع قضاء السنوات الأخيرة مع أمه لأنّه كان هارباً، زادت حدة مرض بوبي النفسي وأصبح معادياً أكثر للولايات المتحدة واليهود، وقد سب بوبي أمريكا بأفظع الألفاظ على الراديو الفليبيني ووصف جروج بوش بأفظع الألفاظ وقال: “إنّه يساعد اليهود القتلة واللصوص الذين سرقوا موطن فلسطين ووصف اليهود باللقطاء وقال إنّه يكره جورج بوش واليهود بشدة”، رغم أنّ بوبي ولد من أب وأم على الديانة اليهودية ولكن بوبي لم يعتبر نفسه يهودياً إطلاقاً.

القبض على بوبي فيشر في اليابان

نهاية الأسطورة

بعد 12 عام من التجول في أوروبا وأسيا أمسك بفيشر في اليابان بسبب وجود بحوزته جواز سفر غير صالح؛ لأنّ أمريكا ألغت جواز السفر الخاص به، واحتجز بوبي في اليابان لمدة 9 أشهر حتى أنقذته آيسلندا بإعطائه الجنسية الأيسلندية وقد نزل من الطائرة في مطار أيسلندا كأنّه خرج من الجحيم وقد بدا عليه الحزن، وبعد أيام حضر بوبي مؤتمراً صحفياً وقال فيه: “إنّ اليهود والأمريكان هم من احتجزوه لمعاقبته”، وقد أرسل بعدها خطاب لرئيس وزراء أمريكا أخبره بأن يكون لطيف مع أخته ولا يؤذيها.

في الـ 17 من يناير 2008، فارق فيشر الحياة بسبب الفشل الكلوى في المستشفى المحلي لمدينة “ريكيافيك” بانسداد المجاري البولية لكنه رفض العلاج أو العملية الجراحية، حسب صديقه فإنّ كلماته الأخيرة كانت “لا شيء يشفي مثل اللمسة الإنسانية” دُفن فيشر في كنيسة تقع 60 كم إلى الجنوب من ريكيافيك، وحسب وصية فيشر لم يحضر إلى الجنازة إلاّ حبيبته اليابانية “ميوكو واتاي” وصديقه “جارور” مع عائلته.

قبر بوبي فيشر

غادر فيشر الحياة وترك ثروة 140 مليون دولار وقد حدث نزاع عليها من قبل الأقارب، والأصدقاء، والولايات المتحدة التي كانت تقول أنّ بوبي لم يدفع ضرائب.

آراء العظماء في بوبي فيشر

يقول كاسباروف عن فيشر: “قد يكون الشخصية الأكثر أسطورية في الشطرنج”

كتب “ليونارد باردين” قائلاً: “يمكن أن أضع فيشر في المرتبة الثانية أو الثالثة كأعظم لاعب في التاريخ، خلف كاسباروف”

أمّا نظام التصنيف الدولي Chessmetric (نظام يستخدم خوارزميات لتحديد مستوى قوة لاعبي الشطرنج عبر التاريخ وبأثر رجعي وهو نظام غير رسمي) فإنّه قد قدر قوة فيشر بـ 2881 عام (1971) وهو أعلى تصنيف في التاريخ، وقد صنف النظام فيشر كرقم واحد على العالم خلال 109 شهر ابتداء من شباط 1964 إلى تموز 1974

“ميخائيل طال” أشاد به قائلاً: “هو أعظم عبقري هبط من جنات الشطرنج”

الأستاذ الكبير “آرثر بسجوير” كتب: “روبرت جيمس فيشر هو واحد من قلة قليلة من الناس وصفوا بالأسطورة وهم أحياء”

بطل العالم السابق “تيجران بتروسيان” فقد قال: “إنّ فيشر خصص وقتاً كبيراً لدراسة الشطرنج يفوق الوقت الذي خصصه فريق اللاعبين السوفييت مجتمعين”

كتب “ديفيد أيدموند” و “جون ايدينو”: “في مواجهة رباطة جأش فيشر العظيمة، تبدأ ثقة خصومه بالتحطم. حركات فيشر، والتي يُنظر لها من الوهلة الأولى على إنّها ضعيفة سيُعاد تقييمها، بالتأكيد فإنّ هناك خطة كبيرة وعميقة وراءها، خطة لا يمكن أن يكشفها البشر الفانون”.

الأستاذ الكبير “روبرت بايرن” سمى الظاهرة بـ “رعب فيشر”. الأساتذة الكبار سيذبلون، وستتجعد ملابسهم، وستلمع أجبنهم من العرق، وسيتسلل الذعر إلى جهازهم العصبي ستبدأ أخطاؤهم بالظهور، وستخفق كل حساباتهم، هناك شائعات تجري بين الأساتذة الكبار، تقول أنّ فيشر ينوم منافسيه مغناطيسياً، ويقوض قواهم الفكرية من خلال قوة ظلامية وخفية وغادرة.

يقول “كاسبروف” عن فيشر: “لقد فجر سيلاً كبيراً من أفكار الشطرنج، معلناً عن ثورة لم تتوقف حتى الآن”

وصفه بطل العالم “أناند” بأنّه: “أعظم لاعب شطرنج بالتاريخ، رجل بلا حدود، استطاع أن يجمع الشرق والغرب على حبه”

الأستاذ الكبير “كارستن مولر” يقول: “فيشر الذي أخذ بمفرده أغلى تاج من الاتحاد السوفيتي العظيم الذي يكاد لا يقهر، صدم كل العالم في الصميم، لقد صنع قنبلة شطرنج ليس في الولايات المتحدة أو النصف الغربي من العالم فقط، وإنّما العالم كله، لعب الشطرنج أو تعليمه كمهنة أصبحت وظيفة محترمة، بكل بساطة، الشطرنج قبل فيشر يختلف عن الشطرنج بعد فيشر”.

ساعة فيشر

في عام 1988 قدم فيشر براءة اختراع لنوع جديد من ساعات الشطرنج، تقوم هذه الساعة بإعطاء كل لاعب وقت محدد كما بقية الساعات لكنها تُضيف مدة زمنية صغيرة مع كل حركة تُلعب، واستعملت هذه الساعة في المباراة التي جَرت بين فيشر وسباسكي في مباراة عام 1992 ساعة فيشر تُستعمل الآن كساعة رسمية في أغلبية مسابقات.

شطرنج فيشر العشوائي

استخف فيشر بالشطرنج الذى يلعب حالياً (في المستويات العليا) حيث يرى أنّ التكتيكات الافتتاحية وغيرها من الاستراتيجيات صارت تُحفظ من قبل اللاعبين، وبالتالي صار الفوز في مباريات الشطرنج يعتمد بشكل كبير على درجة حفظ اللاعب لتلك التكتيكات، وليس لقدرة اللاعب على الاستنتاج والتحليل خلال اللعبة، وعلى هذا الأساس في 1996 أعلن فيشر عن نوع جديد من الشطرنج تحت اسم “شطرنج فيشر العشوائي”!

شطرنج فيشر العشوائي

عُرف فيما بعد بشطرنج 960 هذا النوع يختلف عن الشطرنج الاعتيادي في نقطة واحدة، وهي ترتيب القطع في بداية اللعبة حيث يكون ترتيب هذه القطع عشوائي بحيث يختلف في كل لعبة.

في عام 2015 تم إنتاج فيلم عن قصة حياة بوبي يحمل اسم Pawn Sacrifice “التضحية بالبيدق” بطولة النجم “Tobey Maguire” أرجو أن تشاهدُ هذا الفيلم الرائع الذى يتناول جزء من حياة بوبي.

رحل فيشر عن الحياة وهو مؤمن بمعتقداته بأنّ اليهود هم أسوأ من في هذا العالم، وأنّ الولايات المتحدة ليست كما يراها الكثيرون، ولكن بقى في عقولنا وقلوبنا بكتبه وابتكاراته ببساطة؛ لأنّه أفضل من لمس رقعة الشطرنج منذ أن كانت لعبة يحتكرها الاتحاد السوفيتي، غادر وأخذ معه عقلاً يملك مستوى ذكاء يفوق العلماء بعد أن أثبت أنّ الأذكياء ليسُوا دائماً علماء ربما يكونُوا مبدعين، أرقد في سلام يا فيشر.

10

شاركنا رأيك حول "عبقري الشطرنج الأمريكي “بوبي فيشر” الذي سحق الماكينات السوفيتية ونال حب العالم!"