المثلث الدرامي: لعبة نفسية للصراعات إياك أن تقع في فخّها!

12

يدخل الإنسان، نظرًا لطبيعته الاجتماعية ولمجموع ما يحيط به، في علاقات مختلفة مع غيره، تختلف صورها وطبيعتها حسب الروابط بين الجهتين، سواءً الدراسة، العائلة، الصداقة… ومهما اختلفت هذه العلاقات وتعددت فلا بدَّ أن يجد الخلاف والصراع مكانًا له بينها مهما كانت حِدّته ضعيفة. هنا، تظهر العديد من الدراسات النفسية التي سارعت لتحليل شخصية الأفراد خلال النزاعات، وتدارس طبيعة العلاقات التي تجمعهم خلال حدوثها.

من خلال هذا الموضوع سنحاول التعرّف على المثلث الدرامي، والذي يُعتبر لعبةً نفسيةً تشرح العلاقة بين الناس خلال حدوث صراع مبرزين لكيفية تجنبه، ومن ثم تجنب النزاع من الأساس.

ما هو المثلث الدرامي؟

المثلث الدرامي أو ما يعرف أيضًا بمثلث كاربمان Karpman، هو وسيلةٌ قدّمها العالِم ستيفان كاربمان عام 1968 من أجل تمثيل الأدوار التي يأخذها الأشخاص من أجل تسيير العلاقة بينهم خلال حدوث نزاع، وقد صنفها حسب رؤيته إلى ثلاثة أدوار هي: الضحية، الظالم، والمنقذ. حسب التمثيل التالي:

تمَّ اعتبار المثلث دراميًّا؛ لأنَّ الأدوار تشبه تمامًا ما يتمّ تمثيله على خشبة المسرح، فالضحية والظالم والمنقذ لا يريدون تغيير أدوارهم أو حل النزاع، فكلّ راضٍ عن مكانه وموقفه، لا الظالم الذي يلوم يريد أن يصبح ضحيةً، ولا المنقذ الشهم يريد أن يصبح ظالمًا ولا الضحية – أيضًا – يريد أن يتمتع بسلطة. الأمر الذي يجعل في حقيقة الأمر النزاع يسري في دوامة دونما القدرة على الخروج منه أو حله.

أيضًا، يجب معرفة أنَّ الأدوار لا ترتبط بالمكانة أو السن، بل بالوضعية ككل. فمثلًا الطفل الذي يرفع صوته ويرفض الثياب التي اشترتها له أمه هو في الحقيقة ظالم والأم الضحية، بينما الأم إن وبخت نفس الطفل، فستغير أدوارهما لتصبح هي الظالمة وهو الضحية.

لنتعرف بتفصيل على أدوار المثلث الدرامي:

الضحية / Victim

هو الشخص عديم الثقة في النفس والذي يسارع دومًا لإيجاد الأعذار والمبررات العامة التي لا تلغي في حقيقة الأمر مسؤوليته، يسارع في الغالب للاعتذار محاولًا تجنب المواجهة. الأمر الذي يجعله في الحقيقة يثير انتباه:

  • نفسه: فيقنع نفسه بطريقة غير مباشرة بفشله وضعفه، ويحب في حقيقة الأمر وضعيته كضحية؛ لأنَّها تسهل عليه الأمور – حسب نظرته – وتنهي بالنسبة له النقاش باعتذار بسيط أو كلمات قليلة.
  • المنقذ: الذي يرى في وجود ضحية فرصةً لإبراز قدراته في الإنقاذ وحل النزاع، والذي سيزيده تعقيدًا في الحقيقة.
  • الظالم: الذي سيجد أمامه ضحيةً جاهزةً من أجل السيطرة عليها ولومها.

في الغالب تعاني الضحية من مشاكل في الاستقلالية، حيثُ يجد الشخص نفسه دائمًا في حاجة لغيره سواءً للدفاع عنه أو لقيادته (ومن تم توبيخه أو توجيهه كيفما كانت الطريقة أو الأسلوب).

جمله المستخدمة: “لا أدري كيف أرضيك”، “لا أستطيع فعل الأمور كما يجب”، “حظي سيّئ”، “ليتني مثلك، تبرع في كلِّ شيء”… وغيرها من الجمل المليئة بالإحباط والإطاحة بالنفس.

الظالم / Persecutor

هو الشخصية الثورية التي تصب غضبها في الشخص أمامها (الضحية)، خلال الحوار أو العلاقة، يكون دائمًا المسيطر والمتحكم الأساسي في الإدارة، فيأمر ويوجه التوبيخ واللوم للضحية. نلاحظ تواجه هذا المثال في علاقات التسلسل الهرمي كالمدير مع الموظفين أو الرئيس مع الطاقم، وغيرها من الوضعيات التي تعطي للسيد القدرة على التحكم التام بشكلٍ لا يسمح بتبادل الأدوار.

الظالم أيضًا، قد لا يكون شخصًا فقط، بل مرضًا أو حالة. حيثُ أنَّ تعريفه علميًا يقتصر على “كلِّ مؤثر يجعل الضحية يصبح ضحيةً”، فتناول المخدرات مثلًا قد يجعل من الشخص فاقدًا لقدراته التحكمية وضعيفًا أمام الجرعات. وبالتالي، فهو ضحية أمام ظالم (المخدرات)…

جمله المستخدمة: “لا تستطيع فعل شيء من دوني!”، “لا تتوقف أبدًا عن فعل…”، “أخبرتك بذلك 100 مرة!”، “لما لا تسمع لتوجيهاتي!”…

المنقذ / Rescuer

قد تعتقد أنَّ المنقذ هو الحل للمثلث الدرامي، فهو القادر على التدخل لحل الأوضاع والأزمات. لكن لا! فالمنقذ في هذه الحال لا يبحث عن إصلاح الأمور بقدر بحثه على إظهار صورة حسنة عنه، وترك انطباع الشخص المساعد المحب لفعل الخير عند من حوله. لهذا، فهو من الدرجة الأولى شخصٌ باحثٌ عن مصلحته الخاصة.

في الغالب يتدخل المنقذ في اللعبة النفسية دون أن يطلب منه أحدٌ ذلك، ويرى – بالنسبة له – أنَّ الضحية لا يمكنه أن يتخذ قرارًا أو يعبر عن شيء من دونه.

جمله المستخدمة: “اترك الأمر لي”، “صحيح أنّني مشغولة للغاية، لكن سأفعل ذلك من أجلك”، “لا تنسَ أنّني أفعل ذلك لأجلك”…

اللعبة النفسية / Psychological game

اللعبة النفسية هي الوضعية التي تسمح بتشكل الأدوار الثلاثة، مع إمكانية تغييرهم للأدوار حسب الأوضاع وردات الفعل، فمثلًا نزاع بين زميلين حول كتاب ما، أحدهما ضحية والآخر ظالم (الظالم يتهم الضحية بأنَّه قد سرقه)، في هذه الحالة، سيستمر الظالم في توبيخه وتوجيه الكلام القاسي للضحية دون أن يتردد أو يتوقف؛ لأنَّه يلاحظ انكسار هذا الأخير. لكن، وفي حال ثار الضحية فستنقلب الأدوار ويصبح خلال تلك اللحظة هو الظالم.

أيضًا، في حال تطوع زميل ثالث لحل المشكل (المنقذ)، ولم يلاقي أيّ اهتمام من الطرفين فقد ينقلب بدوره إلى ضحية أو ظالم، فمثلًا إن طلب منه الضحية عدم التدخل فيما لا يعنيه (مع العلم أنّنا أشرنا سابقًا إلى أنَّه يرى في الضحية شخصًا لا يستطيع التعبير بدونه)، فسيصبح ظالمًا ويبدأ بتوبيخه، وهنا يصبح الشخص الأول تلقائيًّا المنقذ؛ لأنَّ الحوار انزاح عن موضعه الأصلي.

كيف تخرج من المثلث؟

ما دامت حياتنا لا تخلو من الصراعات أو المشادات فلا بدَّ لهذا المثلث أن يتشكل. من أجل تحطيمه. يجب أن تلتزم بالتالي:

1- حدد الأدوار: ما إن ترى صراعًا يبدأ بالنشوب بينك وبين غيرك أو بين طرفين أمامك ابدأ بتحديد الأدوار؛ أيهم الضحية والظالم والمنقذ؟ بقراءتك للمميزات الخاصة بكلِّ طرف في الأسطر فوق فأنت الآن جاهز لفعل ذلك بسرعة دون أن يستغرق منك الأمر الكثير من الوقت.

2- كن الراشد: الراشد أو Adult هو الدور الأساسي الذي يجب أن يظهر من أجل كسر هذا المثلث الدرامي، فإن كنت أحد طرفي النزاع (الظالم أو الضحية)، فحاول أو ترفع من مستوى النقاش إلى ما هو أكثر موضوعيةً وسلاسةً، التزم الصمت لفترة وحاول أن تتحدث بهدوء مع من أمامك. لا تجعله يصبح ظالمًا أو يرفع من وتيرة الصراع، ولا ضحية فتسيطر أنت عليه.

أمَّا إن كان الصراع أمامك فإياك أن تصبح المنقذ، اترك النقاش بين الطرفين وامنع أيّ طرف ثالث من التدخل، أو بادر أنت ذلك وحاول أن تسيطر على حدّة النقاش بالاستماع للطرفين بنفس الطريقة وبعدل.

3- امنع المثلث من التشكل: بعد أن كسرت المثلث الدرامي امنعه من أن يتشكل ثانيةً.

لنعد لمثال الأم وابنها الذي رفض الثياب التي اشترتها له. الابن (الظالم) يبدأ في الصراخ على والدته (الضحية)، يتدخل الأب. إن توجه هذا الأخير بلوم الأم أو بتوبيخ الابن لأنَّه يرفع صوته على والدته فهو إذًا المنقذ الذي سيزيد الأمر حدّةً وتوترًا داخل البيت، أمَّا إن أصبح راشدًا فأحضر كلا الطرفين وقال للابن أتريد تغيير الثياب، حسنًا سنفعل ذلك إن أنت اعتذرت لوالدتك. هكذا، سينتهي الخلاف بعد بضعة دقائق.

على الوالد أن يمنع الأم في هذه الحالة من الشكوى، ويمنع الابن من الاستمرار في انتقاده حتى لا يتشكل المثلث من جديد.

بعد تعرفك على هذه اللعبة، يجب أن تنتبه لأيِّ صراعٍ أو نزاعٍ أمامك…

12

شاركنا رأيك حول "المثلث الدرامي: لعبة نفسية للصراعات إياك أن تقع في فخّها!"