نقد وتحليل الأصل: رواية دان براون المتهافتة

1

قبل البدء عزيزي القارئ، وجب التنويه بأنّ هذا المقال يحتاج لتركيزٍ عالٍ، فنجان قهوة ساخنة، ونصف ساعة مِن وقتك. كونه طويل جدًا، مُركّز جدًا، ويمسّ عدّة نواحي حساسة وتعتبر خطوط حمراء لدى البعض. عارضين بذلك تحليل نقدي لرواية الأصل لصاحبها الكاتب الأمريكي ذائع الصيت دان براون، والذي نالَ شهرة بالغة منذ إصداره لروايته المعروفة بشيفرة دافنشي، ذلك بسبب كتاباته الجدلية الصدامية في مواضيع معقدّة وغامضة، لا سيما العلم والدين والسياسة.


السمة الأبرز للقانون الثاني في الترموديناميكا أنّه قانون مَبني على فكرة ازياد الفوضى. فكرة التداعي والاضمحلال المُستمر. جرّب أنّ تسخّن قهوتك ومن ثم تتركها، ستجدها تبرد. جرّب أن تقطف زهرة ومن ثم ترميها، ستجدها فيما بعد تذبل. جرّب أنت نفسك حتى أن تموت أيضًا! بالمناسبة، هل تعرف ما هو السبب الرئيس والأوّل للموت؟

لا، ليست الملاريا ولا الحصبة. ليست السرطانات ولا الأزمات القلبية ولا العوامل النفسية. كل هذه لا علاقة لها بالسبب الأوّل. بل هو قانون الترموديناميكا السابق نفسه. قانون التداعي البطيء. السبب الأوّل للموت هو اللاسبب. حالة التدهور الطبيعية لأعضاء الجسم وأجهزته وخلاياه وتقاعدها عن العمل بعد خدمة إلزامية طويلة هي السبب الرئيس للموت. السبب الطبيعي للموت هو أنك موجود ومَبني كي تموت وتتدهور شيئًا تلوَ شيء.

يتخذ دان براون مِن هذا القانون -الثاني في الديناميكا الحرارية- فكرةً رئيسةً غير مُعنّونة بشكل صريح لعرض صُلب قصة روايته المتهافتة. وسبب هذا التهافت برأيي جُملة مِن الأسباب سأتناولها الآن نقدًا وتحليلًا في هذا المقال المُفصّل.

مبدأ الأنتروبيا (فيزيائيًا) / الأنثروبيا (أناسيًا)

النظم الفيزيائية ثلاث. ونظام كوننا يُصنّف كنظام معزول. النظام الأوّل هو المفتوح، الذي يسمح بتبادل الطاقة والمادة مع الوسط المُحيط. النظام الثاني هو المغلق، الذي يسمح بتبادل الطاقة فقط لكنه يمنع المادة والكتلة. النظام الأخير هو النظام المعزول، الذي لا يسمح لا بدخول ولا بخروج المادة والطاقة منه وإليه. أي أنهُ مُكتفِ بنفسه. وهو ما يدفعنا للقانون الأوّل في الترموديناميكا الناصّ على أنّ: «الطاقة لا تفنى ولا تستحدث مِن العدم، بل تتحول مِن شكلٍ لآخر».

وهذا هو المبدأ السائد في كوننا نحنُ.

يتمثّل خطأ براون في دمجه لمبدأ الأنتروبيا الفيزيائي المُستخلص مِن القانون الثاني في الديناميكا الحرارية مع مبدأ الأنثروبيا الفلسفي والخاص بعلم الأناسة (الأنثروبولوجيا). إذ انطلق مِن أنّ الفوضى الفيزيائية «الأنتروبيا» ستزداد مع الزمن ومع التغيرات الحاصلة في النظام معزول. إلا أنّها في مرحلة ما ستحتاج لمنظّم -حاسوب وفقًا لشرح براون- مِن أجل زيادة الفوضى. وهي فكرة لا أعلم ما هو مصدرها، حتى هو في الرواية لم يذكر أي تأصيل لها، كي يقوم بتلك المهمة (مهمة زيادة الفوضى).

تأتي نقطة اللغط الحقيقي عندما يدمج الفكرة السابقة مع مبدأ الأنثروبولوجيا الفلسفي، المُعتِمد على أن الإنسان تطوّر ليصل إلى مرحلة الـ «مُلاحظ» لكل هذه الظواهر، وأنّه هو المُراد مِن كل ما يجري. فمحوريّة الإنسان في هذا المبدأ وأن العمليات الفيزيائية والتنظيمات الناتجة مِن فوضتها هي مُهيئة كي يُلاحظها الإنسان أمر فلسفي جدًا، ويُعتبر وفقًا لخاصية كارل بوبر في «قابلية التفنيد» التي أوضحها في الفصل الأول مِن كتابه «منطق البحث العلمي» علم زائف. إذ أننا لا نستطيع تكذيب تلك الادعاءات بمحاولات النقد. فتصبح مجرد علم مُشوّش غير قابل للاختبار.

فهي مجرّد فكرة فلسفية مُعلّقة بالهواء، عكس مبدأ الأنتروبيا والفوضى الفيزيائية، التي استخدمها كنقطة انطلاق للدلالة بأن كل شيء يتداعى وبحاجة أحيانًا لما يشبه «منظّمات» لأجل زيادة الفوضى أكثر. إلا أنه استخدم الأنثروبيا الفلسفية لمحوّرة الإنسان في التصوّر السابق وجعله الهدف مِن كل العملية التي ستجري.

وضع كل الحق على المبدأ الأنثروبي أمر مُجحف، لأن هناك حجة مُبطّنة موجودة في داخله ويرتكز عليها بدوره، تدعى حجة الضبط الدقيق وأن الكون مُهيّأ لي كي أفهم وألاحظ.

لعل هذه الحجة المُسماة بـ «الضبط الدقيق» كانت واحدة مِن أسهل الحجج تفنيدًا لا سيما على يد العقل الرياضي والمنطقي بيرتراند راسل عندما تناولها في رسالته الصغيرة وكتيبه «Why I’m Not a Christian لماذا لست مسيحيًا؟» وذلك بالقول: «يقولون أنّ الكون مَضبوط ودقيق لأجلنا، وهذا خاطئ. فهو يذكرني بمقولة فولتير، يبدو أن أنفي يُناسب النظارة التي أرتديها!

في الحقيقة، ليست أنوفنا تناسب النظارات، بل النظارات هي التي تكيفت لتناسب أنوفنا، والإنسان وجنسه كذلك. ليسَ الكون يناسبه وضُبط لأجله، بل هو قد تطوّر وفُصّل حسب المعطيات الموجودة في الكون والأرض.

فمن خلال عملية التطوّر الحيوي تبيّن أن الإنسان هو مَنتوج أرضي مِن هذه البيئة، فمن الطبيعي أن يكون مُتكيفًا معها وحسب معطياتها وقوانينها الموجودة، كونه نشأ منها. فهذا الجنس البشري بأكمله أقرب ما يكون لومضة صغيرة مِن الحياة نشأت على قفا مقلاة ساخنة أثناء فترة وجيزة مِن برودتها، فتكيف وتماهى سريعًا معها».

كما قال راسل تمامًا. تنزوي حجة الضبط الدقيق عند مواجهة المنطق السليم المتمثّل بالنظارات التي توضع على الأنوف وليس الأنوف التي تُناسب النظارات! ليس الكون مضبوط، بل الإنسان عبارة عن كائن مُتطور. أي أنّه نشأ وتكيف ليناسب بيئته، وليسَ البيئة هي مَن تناسبت لأجله. عندها مِن الطبيعي أن يرى كل شيء حوله مُناسب ومضبوط، كونه هو تكيف حسب القوانين الموجودة على فترات طويلة.

مِن المثير للاستغراب أنّ الإنسان عندما يريد البحث عن حياة على المريخ مثلًا، يطلب فورًا وجود ماء وأوكسجين. ماذا لو كان هناك حياة تتنفس اليود مثلا؟ لماذا يعتقد نفسه بما فيها من وظائف حيوية وفيزيولوجية المعيار الوحيد للحياة؟ لو فكرت بالموضوع للحظة لوجدت أن هناك خلل صميمي به.

الضبط الدقيق للأرض فقط وليس الكون، غير صحيح. فكيف نجازف بتوسيع الأمر للكون بأكمله. يعيش الإنسان على ما يشكل 29% من يابسة الكرة الأرضية فقط. الباقي هو 71% ماء مالحة لا يمكنه شربها حتى. ربما لو كنت سمكة في البحر لتجرأت على القول بأن هذا الكوكب مضبوط وعلى مقاسي، وليس مجرّد إنسان هزيل. تعال لنلعب لعبة، خذ 10 مِن البشر وألقيهم في غابات الأمازون مع 10 أسود عُراة. مَن الذي سينتصر يا برأيك؟

تمثّلت نجاة الإنسان بفضل وسيلة التكيف الكبرى لديه، الدماغ مُتمثلًا بالذكاء المحكوم بالقرارات التي طُورت مِن خلال فص جبهي كبير يتوضع في مقدمة الرأس. ولو أنها معلومة مَغلوطة إلا أن فيها ريح مِن الصحة خصوصًا أنها كانت تشكل معتقد في الأزمنة الماضية، وهي أنّ الأفراد الأذكياء هم دائمًا أصحاب جبهة كبيرة، أصحاب الثلث العلوي الكبير مِن الوجه بسبب تطور الفص الجبهي الزائد لديهم. يصنّف هذا الكلام في إطار علم قياسات الدماغ الشكلية الزائف إلا أنه يوحي بلمسات من الصدق، خصوصًا أن التخلّف الدماغي يأتي مُترافقًا مع الصفات المعاكسة تماماً. فأمراض كالمنغولية والشلل الدماغي تتميز بشكل واضح بالجباه الصغيرة المنحسرة.


أنت تعيش على يابسة صغيرة من الكوكب، مُحصنًا شخصك بعلب كبريت تسمى منازل، مُدافعًا عن نفسك بأكثر من 150 جيشًا كافية لإنهاء النظام الشمسي بأكمله. قد نختلف أنا وأنت في تعريف الإنسان، لكن ما هو أكيد أنّه سيكون دومًا الكائن الخائف.

هذا كله بالنسبة للأرض، دعنا نتجه للضبط الكوني الدقيق. الكون فعلًا لديه ثوابت. لكن ليس مِن أجلك أبدًا.

معنى الثابت الكوني أنه يحمل نفس القيمة في أي نقطة كونية تذهب إليها. دعنا نسقط هذا على الإنسان. ضع لي إنسانًا على المريخ! ضع لي إنسانًا على القمر! على أورانوس البارد، في مجرة أخرى إذن! لن يعيش، كله سيموت. الإنسان لو حاول تخطي الغلاف الجوي للأرض لتم شويهُ على الفحم بأقل مِن جزء من الثانية. هذا سيقودنا لنتيجة حتمية لا مفر منها، بأنّ الإنسان ابن كوكب الأرض فقط. الإنسان ناتج من عملية التراكم التطوري الحيوي في هذه الكوكب وحده دون غيره. فهو لا يصلح في نقاط أخرى – كواكب، نجوم، مجرات – مِن الكون أبدًا.

أما القول بأنّ الكون والكوكب مضبوطان من أجلي، فهذا أحدٌ ما لا يرَ أبعد مِن تحت قدميه. تمامًا كالذين عاصروا كوبرنيكوس وقالوا أنّ الأرض مركز وفيما بعد تبيّن أنها ليست. ثمّ قالوا الإنسان مركز فبدا ما هو عكس ذلك أيضًا. والآن نفسهم تراهم يتمسكون بالكون ويقولون لا تعدد أكوان، كوننا فقط موجود، كوننا المركز. وهذا دائمًا ما يحصل وسيحصل، وتفلت عرى وهم المركزية النرجسية واحدةً تلو الأخرى، فلا ترى أمامك إلا المتهافتين وراء الإمساك لمجرد الإمساك فقط.

مبدأ براون الأنثروبي القائم على حجة الدقّة والجهوزيّة لملاحظة الإنسان لمركزيّته المُفترضة كما حصل في مركزية أرض كوبرنيكوس تصنف على أنها علم زائف وغير خاضع لقابلية التفنيد البوبرية. جاء الدمج الروائي مع الأنتروبيا الفيزيائية والفوضى المتزايدة مع أي تغير ضمن نظام معزول يحصل. فخرجت لنا فكرة هجينة عقيمة من أجل صنع حبكة روائية مُبشّرة بعصر قدوم الآلات دون وجود أساس علمي صلب تقوم عليه. وهذا خاطئ ويتعارض مع عدّة مفاهيم. فإن غضضنا الطرف وسلمنا بكل الخلطة السابقة على أخطائها، ستنبثق لدينا عدة أسئلة، خصوصًا الاشتباك المُغالط بين مفهوم التطور «Evolution» ومفهوم التطور «Development» .

الفرق بين «Evolution» و«Development»

تتجلى الثغرة الثانية في الرواية بالخلط بين هذين المفهومين ودمجهما معًا. فعندما تحدث كيرش وسرد عرضه –الفقرة الأهم والمفترض أن تكون مُحكمة جدًا– توصّل فيها لطريقة كمية/حاسوبية لتسريع ومُحاكاة التفاعل الكيميائي للحساء البدائي وتطويره مِن أجل معرفة ما سيئول إليه الوضع، والذي تبين أنه سينتهي بظهور الإنسان الهجين «آلي + إنسان» الذي سينبثق ليمتص الإنسان العاقل ويحتويه بداخله.

جاء الخطأ هنا تمامًا. لو عرّفنا التطور Evolution فهو عبارة عن عملية Process حيوية تراكميّة بطيئة تعمل على استبقاء الكائن الأكثر تكيفًا مع البيئة وتتيح له إمكانية التكاثر. أما الـ Development فهو تغيّر مُفاجئ سريع، يُحدث تحوّل في مسار البيئة والعضوية بأكملها. فمثلًا مِن الخلفية الطبية التي درستها، فإنّ أمراض وسرطانات الحفرة الفموية مثلاً تعتبر أمراض Developmental وليس تطورية، لأن التغير يأتي بشكل سريع وليس تراكمي بطيء. لذلك العملية هنا Development وليس Evolution.

صرّح براون بأن التسريع الحاسوبي لتفاعل الحساء البدائي كان مَبني على نظرية التطور Evolution وليس Development وهذا صحيح في الحقيقة. نظرية الحساء نظرية لو أردنا مَطّها عبر الزمن وتسريعها فهي ستكون مَحكومة بالتطور البطيء وليس السريع. جاءت ثغرة براون عندما تكلم عن ظهور الإنسان الهجين خلال 35 سنة فقط! كون الرواية تدور في عام 2015 حسبما أعلى تاريخ قد ذكر فيها. هذا الوقت 35 سنة غير كافية أبدًا لحدوث تطوّر Evolution! بل لظهور Development! براون قال أنّ التفاعل سيحفز ويحاكي التطور، إلا أن النتيجة النهائية التي تنبأ بها مبنية على حدوث تطوّر سريع نسبة للزمن القصير –35 سنة– الذي أدى لظهور الآلي الهجين! وهو مُخالف لحقيقة الحساء البدائي، ولما أسس عليه مشهده براون مِن قبل حتى. وهذا صراحةً خطأ جوهري وخلط للمفاهيم.

أو ربما يعود الأمر لضعف دان براون وعدم إلمامه بالفرق بين هذه المفاهيم واختلافها. إضافةً طبعًا إلى العنصر التشويقي الروائي، الذي يتم فيه ذبح الحقائق والمعلومات الرصينة في سبيل تحقيق المتعة والحبكة حتى لو كانت غير مبنية على أساس صحيح.

العلم والدين كلغات

تُطرح هذه الفكرة في الصفحات الأولى مِن رواية الأصل، ويحاول براون تكثيفها وتأطيرها بالقول: «العلم والدين لغتان مُختلفتان، تحاولان رواية القصة نفسها». أما الغاية مِن وراء هذا التأطير تأتي في الجملة التالية التي ألحقها بالقول: «وفي هذا العالم مكان لكليهما».

تذكّرني هذه المقارنة بالكاتب جورج طرابيشي عندما قال: «السياسة مضمارها التنجيس، والدين مضماره التقديس، فلا تخلطهما معًا فتندم». أرى أنّ نفس المبدأ يمكن تطبيقه مع مقارنة براون. الدين مضماره التبعية والقداسة، العلم مضماره رصد الظواهر وتفسيرها. لا مكان لخلطهما وتشبيهما بلغات مُختلفة يمكنك اختيار تكلم أي منها، أو كليهما ربما. لأن هذا سيكون وقوعًا في مغالطة منطقية شهيرة تدعى مغالطة المقارنة الخاطئة.

تخيّل مثلًا أن تذهب لعميد الكلية والجامعة وتقول له: مَثل الكلية وعميدها كمثل الرأس مِن الجسد بمجرد أن قطعت الرأس يموت الجسد! هذه الحجة هنا تسمى بمغالطة المقارنة الخاطئة، هي مُقنعة كونها مَلعوبة لغويًا إلا أنها غير منطقية. تفكيكها يكون بضرب مثال آخر يبين عوارها. مثلًا دعنا نقول: مَثل الكلية وعميدها كمثل السفينة والمرساة، بمجرد أن تقطع المرساة تنطلق السفينة لتمخر عباب المحيط!

هل رأيت كيف يتم اللعب على الألفاظ والإقناع هنا؟

مقارنة الدين والعلم بلغات هي مقارنة خاطئة. لأن أحد هذه اللغات هي لغة أخطبوطية تحتكر لسانك للنطق بها حصرًا وفي حال حاولت التلفّظ بكلمات مِن لغة أخرى فإنها تعاقبك أشد العقوبات. التشبيه الأمثل هو أن العلم والدين قطبان مُتشابهان يحاولان كشف الحقيقة، قطبان كلاهما يحمل نفس الشحنة، لذلك وجب عدم جمعهما معًا. مِن الجميل كما قال براون أنّ العالم يتسع لكلاهما، لكن محاولة التقريب والدمج بينهم خاطئة لأنها ستؤدي لتنافر حتمي، أو شبه حتمي لو استثنينا بعض العلماء الذين استطاعوا.

أذرع الدين عديدة وتشمل جميع جوانب الحياة فهو منظومة مُتكاملة مُحيطة بكل شيء. ذراع سياسي يعطي توجه سياسي. ذراع أخلاقي يفرض نمطًا أخلاقيًا مُعينًا. ذراع روحي يستثمر في روح الإنسان. ذراع طقوسي شرائعي يضع الأسس الناظمة للواجب وغير الواجب عمله. ذراع اجتماعي يُحدد العلاقات الشخصية والتعاملات بين الناس. أما العلم بدروه فيحمل منهج ضيق جدًا ومحدود، يُعنى بالرصد والتجربة ذات الإمكانية للتكرار.

فمقارنة الدين يجب أن تكون أشبه بـ «بوفيه مفتوح» فيه كل ما تريد من ثقافة مُحددة ببيئة جغرافية لتجمّع بشري قد عاش فيها. أما العلم فهو أشبه ما يكون بأداة وليسَ منظومة كاملة. مُقارنة الطرفين بلغات خاطئة. كأن براون يُقارن الدين الذي هو أشبه بلغة سامية أو لاتينية مع حرف واحد رمزي من لغة أخرى أو رقم 2 مثلًا. المقارنة مهزوزة وغير متساوية الأطراف.

يمكن تشبيه الدين أيضًا بنظام ويندوز، فهو صالح للاستخدام مِن قبل العوام الجميع. تريد ألعاب موجود. تريد مشاهدة فيديو موجود. تريد تصميم موجود. تريد برمجة بسيطة موجود. أما العلم فيمكن تشبيهه بنظام لينكس. هو حزمة تأتي على الطلب وأنت تقوم بتجهيزها وتنصيب موضوع الظواهر التي تريد دراستها بنفسك بناءً على تعليمات مُحددة، ولا يأتي جاهزًا بشكل كامل مثل ويندوز أبدًا.

سيصمد الإيمان دومًا

يتنبأ براون على لسان إدموند كيرش بأنّ الإنسان الهجين القادم لن يكون للإيمان ولا للدين أي مُساهمة في بنائه. وهذا برأيي أمر خاطئ، لا سيما أن براون على لسان فالدسبينو قال إنّ الإيمان واجه الكثير مُسبقًا، مِن أيام كوبرنيكوس، إلى غاليليو، إلى داروين… الخ. ومع ذلك بقيَ. فالإيمان دائمًا سيصمد، أما الذي يهتز ويتبدل عبر الزمن هو الدين نعم. الدين موضوعه مختلف بالكامل، فهو يمتد ليشمل جوانب ضخمة جدًا مِن الحياة وعلى عدّة أصعدة، فمن الطبيعي أن يكون عرضةً لعوامل الحت والتعرية كلما تقدّمنا، أما الإيمان موضوعه مبنى على أساس آخر. الإيمان دائمًا ما يصمد لأنه مُرتكز على رغبة في التصديق وعدم الميل نحو التعقيد والاكتفاء بالتسليم المباشر.

«روبرت سابولسكي» عالم البيولوجيا التطورية، و«راما شاندران» أحد آلهة طب الأعصاب السلوكي في عصرنا الحالي يوافقان هذا المنحى كليهما. وفقًا لتعريف الدين لدى راما شاندران فإنّه آلية تطورية دفاعية تكوّنت وتطوّرت مع تطوّر الإنسان –دقق على فكرة أن التطور يُعنى بنجاة الكائن وصفاته المتكيفة مع إهمال للحكم بأصحية الآلية أو خطأها، فلو كانت خاطئة إلا أنها تفيد الإنسان سيستبقيها حتمًا– فالدين هو حجر أساسي في ركن بناء الإنسان. وهذا صحيح لو نظرنا بعين النسر إلى تأريخ الأديان وتسلسلها الزمني، فقبل الثورة الزراعية كان الدين مجرد طقوس ومبادئ روحية متفرقة، أما الدين المنظم المتشعّب فلم يظهر إلا بعد الثورة الزراعية وفيض الغذاء وتعقّد الحياة والحاجة لمفهوم العقد الاجتماعي ومن ثمّ نشوء الحكومة والدولة.

أي أن الدين هو نظام تكيفي تطوّر مع تطوّر الإنسان نفسه، وكلما تراكمت الحياة وتعقدت، ازداد تعقد الدين وتشعّب. لذلك تجده يجمع جوانب مختلفة ويدمجها معًا ويقدم نظام كامل كنظام ويندوز كما قلنا سابقًا، وفي كل فترة يظهر نظام جديد يفرض عليك الترقي. أما مَبحث أن الدين صح أو خطأ فصراحة ستجده بعد تعمّق طويل -خصوصًا في العلم المعروف بتاريخ الأديان- بلا معنى، فالدين نظام يدفعك لبناء تكيف مع البيئة والجماعة لتشكيل وسط مُنسجم. لا يوجد حكم صح وخطأ هنا. يوجد حكم مفيد أو غير مفيد. فكما قلنا، تطوّر لكي تبقى وتتلاءم مع البيئة بغض النظر عن الصحة والخطأ.

نفس الأمر يوافقه سابولسكي عندما يقول أنّ الدين عبارة عن مضاد اكتئاب نشأ مع تطور الإنسان، فمع اكتساب الإنسان للوعي الذي دفعه لطرح أسئلة صعبة بلا أجوبة، جاءت فورًا الحاجة الملحة لمنظومة أيدلوجية تحدد الوعي، وتجيب وتطبطب على ظهر الإنسان فكان الدين. فيمكن القول أنّ الدين هو مضاد اكتئاب ومسكّن آلام طبيعي، أنت نعم مُنحت الوعي كونك الكائن صاحب التطوّر الأعقد، لكن بنفس الوقت حصلت على مسكّن الوعي ومحددّه مِن الطفح المميت وهو الدين –مفهوم الدين كمنظومة ثقافية / اجتماعية / أخلاقية– لا علاقة للادعاءات الميتافيزيقة هنا، حقيقةً الادعاءات الميتافيزيقية هي مَبحث مُختلف تمامًا.

سيصمد الإيمان كونه العنصر الروحي والمُسكّن في الدين. أما مفهوم الدين كنظام اجتماعي سياسي أخلاقي، فهو يتطوّر مع الزمن ومع تطوّر الإنسان وما زال إلى الآن، فالعبودية تم الغاءها، والمرأة أصبحت كالرجل، ولم يعد هناك فروق بين الناس وأجناسهم ولغاتهم، والعلم استلم راية البحث وكشف الحقائق بعدما أنتزعها من أيدي مَن كانوا يحتكروها من قبل. فنعم، الدين لعب حلقة في هذا. إلا أن الإصرار على عدم تطويره، سيجعله يقف في مكانه، ويجعل عجلة التطور تستمر في دورانها لتنتج نظم أفضل كما انتجت الدين من قبل.

يتغير الدين ويتعرض للحت والتعرية مع الزمن، نعم. لكن الإيمان يصمد. الإيمان هو المسكّن الطبيعي. وإلى إشعار غير قريب، لا يبدو أن هناك مسكّن آخر أفضل سيبزغ نجمه.

يتوقع كيرش الإنسان الهجين لن يحتاج لمسكنات ولا أديان. وهو هنا يسلك مَنحى نيتشوي واضح. وهذا أمر معقّد يحتاج لنقاشات مطوّلة، إلا أن الإيمان في نظري لن يكون خاسرًا. على الأقل في الجولات القادمة من المنظور القريب.

مِن أين أتينا؟ لأين نذهب؟

شككت في البداية أن شخصية إدموند كيرش في الرواية تمثل إيلون ماسك في الحقيقة بناءً على المعالم التي رسمها براون له. لكن فيما بعد تبيّن لي بشكل واضح أنّ شخصيّته تمثل بدقة التوجه الفكري الغربي المعاصر. حاولَ براون أن يجمع فيه كل ميزات ومواصفات الشخصيات الحقيقية التي ذكرَ أسماءهما في روايته. حالة شبيهة جدًا بشخصية عالمة الفيزياء النووية التي ساعدت «ليغاسوف» في مسلسل تشيرنوبل، على الرغم من عدم وجودها في الحقيقة، إلا أن المؤلّف ابتكرها للتعبير عن كل العلماء الأخلاقيين الذين ساندوا ليغاسوف تلك الفترة.

فإدموند كيرش هو دانيال دينت بطرح أسئلته الفلسفية، من أين أتينا وأين نذهب؟ هو سام هاريس بموقفه الأخلاقي والعصبي تجاه الحوسبة الكمومية، هو دوكينز بتصديقه للتطور والحساء البدائي ورفضه للدين، هو غاودي بمحبته للفن الحديث وليس الكلاسيكي القديم، وأخيرًا هو إيلون ماسك بسيارته ذاتية القيادة الصديقة للبيئة، وكونه رجل أعمال ثري أيضًا وساعي لاقتحام المستقبل بشدة.

فشخصية كيرش هي تجميع لكل الأسماء الفكرية البارزة التي ذكرها في الرواية والتي تمثل المسار الفكري الحالي المعاصر في الغرب خصوصًا.

يرد براون على أسئلة كيرش الفلسفية بطريقة مُبطنة وغير واضحة. وفيما بعد تجده يسوق حجة واهية استغربت مِن كيفية ذكرها في حوار بين لانغدون وأمبرا مُستحضرين الحديث عن إدموند بالقول: لكن هذه القوانين، مَن خلقها؟ مَن خلق هذه القوانين؟

وهذا مثال صارخ على المغالطة المنطقية الشهيرة، المعروفة بمغالطة المصادرة على المطلوب واستلابه.

تفكيكها يكون بحركة واحدة وهي تبديل أداة الاستفهام. فسؤالك بالأداة «مَن» يعني أنك تريد الجواب بـ «هو». وهذا ما يعني المصادرة على المطلوب والخطأ منطقيًا. أي أنك ضمن صيغة السؤال التي تطرحها تُحدد الشخصية التي تُريد الإجابة بها عن طريق مَن. وهي الذات العاقلة العالمة. الصحيح أن تسأل كيف وجدت القوانين؟ وليس مَن.

جواب هذا التساؤل إن غضضنا الطرف على طريقة طرحه لدى راسل في أن القوانين ليست إلا «وصف» لحالة موجودة في الطبيعة وقابلة للرصد والتعبير الرياضي. تخيّل القانون كشيء يُوضع ويهبط مِن الغيوم وبناءً عليه تنتج الأفعال والحركات الفيزيائية أمر خاطئ. الصحيح أن القانون هو حالة مِن الثبات في الكون في حال توصلك إليها ورصدها تصبح قانونًا لإنك استطعت تحديدها فقط. والسؤال عن وجود «غاية» للقانون مفهوم مُغالط ومحصور في نطاق الفلسفة وحدها. فمع ظهور عصر الكم أُثبتَ بشكل واضح أن هناك أشياءً تحدث بدون أسباب وبدون غايات، وباتجاهات مختلفة، وبدون ترتيب زمني حتى.

لذلك قال الفيزيائي نيلز بور: «إن لم تهزك نظرية الكم، فاعلم أنك لم تفهمها». لأنها نظرية تقلب كل النظم الفكرية التي أعتقد الإنسان أنها السليمة، وأنها هي وحدها التفكير الصحيح.

لهذا ماتَ آينشتاين غير مُصدقًا للكم، ولطالما كان يقول يستحيل ذلك، «يستحيل أن يكون الاله يلعب النرد هكذا». لكن في الحقيقة وبعد موته، أصبح الكم واقعًا، ولولاه لما امتلكت الحاسوب والهاتف الذي تقرأ منه الآن. واللا يقين سادَ في الأطوال والأحجام الصغيرة وتبيّن أن الإله يلعب النرد بالفعل. إلا أن الذين يحاولون استخدام المغالطات في الاحتكام لسلطة العلماء يقومون فقط بابتسار اقتباسات من هنا وهناك دون فهم وعلم بالسياق، فإله أينشتاين اللاعب للنرد هو الإله الكمي، الذي تم اثباته بالفعل ودخلَ عصر الحوسبة حاليًا.

مثال آخر لتفهم مُغالطة المصادرة على المطلوب، تخيل أنك دخلت إلى المنزل ووجدت أباك ميتًا. فأنت هنا تقول بدورك: مَن قتل أبي؟ طبعًا لا أحد قتله، فهو مات بشكل طبيعي من تلقاء نفسه، لكن عندما تسأل بـ «مَن» فأنت تكون مُسبقًا مَشحون بأنك تُريد الإجابة بـ «هو». الصحيح أن تقول كيف مات أبي؟ أو ما الذي حدث؟

قد يعتقد البعض أني أدافع عن الإلحاد، يا أعزائي لا. صراحةً الموجة الجديدة من الإلحاد الذي أحب تسميته بـِ «إلحاد الميمز» لا تستهويني. لكني أنا مع التفكير السليم والمنطقي والمنهجي، وضد استخدام المغالطات المنطقية وألعاب اللغة مِن أجل الاقناع واستهداف مُتقاعدي التفكير وبسيطي المنطق القويم.

لنفترض أننا غضضنا الطرف عن مغالطة لانغدون فيمن خلق القوانين. ولنحاول الإجابة عنها، ستجد أن الموضوع يتعقد أكثر لأن الصيغة الأولية له خاطئة فمع الاستمرار بالتقدم ستشهد كارثة منطقية وليس مُجرد مُغالطة.

– مَن الذي خلق القوانين؟ (هنا أنت تصدّق بمقدمة أولية المُسلّمة بأنّ لكل شي خالق ولنسمي هذه المُسلّمة Ax1).

– الإجابة: الإله خلق القوانين.

– نعود لنفس المقدمة الأولية وحسب Ax1 التي اعتمدت عليها لصياغة سؤالك، نصبح أمام التساؤل التالي:

– مَن خلق الخالق؟

(نذكّر مرة أخرى أن التساؤلات هنا كلها خاطئة كونها مبنية على مُقدمة خاطئة، لكننا نحاول أن نغض الطرف لكي نمشي بالأمر إلى آخره ونبيّن إلى أي مدى مِن السوء المنطقي ممكن أن يصل بنا).

– تجيب الغالبية بأن الإله هو الخالق بتعريفه فلا يمكن أن يكون مَخلوقًا. هذه الإجابة تضع الجميع في موقف صعب وهو، ما الدليل «الموضوعي» على أنّ الإله هو الخالق؟ الفجوة بين مفهومي «وجود الإله» ومفهوم «الإله الخالق» فجوة كبيرة تستوجب وجود دليل كبير عن عملية الخلق، فما هو الدليل المطروح هنا؟

إجابة هذا التساؤل الثانوي عبارة عن 4200 دين تطوّروا خلال رحلة البشرية الطويلة، ودليل كل منهم غير موضوعي – أي أنه ليس حيادي قائم بذاته – بل دليل شخصي يعتمد على مفهوم الاستدلال الدائري، أي الاستشهاد بالمصادر الخاصة.

نعود لبداية الأمر، وللسؤال المُغالط مِن أصله الذي لا يجب الإجابة عليه لأن صيغته غير سليمة ولتعرف كيف أن الإجابة تفتح الباب لعش دبابير مِن الأسئلة الخاطئة غير السليمة. إلا أن البعض يستخدمها حججًا كلاميةً وألعابًا لغويةً كما أوضحت، في سبيل إقناع متقاعدي التفكير مِن أي طرفٍ كانوا.

يفتح أيضًا هذا الأمر الباب على موضوع الإله العلمي، أي الذي يتدخل في القوانين وما إلى هنالك. وهذا أمر غير سليم، لأن الإيمان لا يستوجب ذلك. لا أعرف لماذا يحاولون علمنة الإله وأنه يجب أن يكون لديه صيغة فيزيائية وليس إيمانية. هنا نعود لخطأ بروان نفسه في تشبيه العلم والدين باللغات. فأحد هذه اللغات إيمانية تارة وإجبارية تارة والأخرى رصدية مادية. كل منهم يسلك دربًا مُختلفًا بعيدًا عن الآخر، إلا أن العيش المشترك بسلام هو أمر مطلوب لا بد منه، المكان يتسع لكليهما حتمًا دون أن يكونوا على توافق حتى. فالإنسان قد خرج من الغابة منذ زمن، واستحضار صراع بربري إلى عصر المدنية لا يشير إلا إلى نزعة حيوانية مُتأصلة وجب ترويضها.

المملكة السابعة، البيولوجيا الكمية، نهاية الإنسان

سعت رواية الأصل منذ البداية لغاية التنبأ بظهور الكائن الهجين الذي سيمتص الإنسان ويحتويه. ذلك بناءً على علوم حديثة ستثبت جدارتها، كالبيولوجيا الكوانتية القائمة على لا يقينية ولا تحديد في التفاعلات الكيميائية التي تحدث ضمن الخلية، والتي ستؤدي لانبثاق عصر إنسان جديد شبه آلي لا ينتمي للمملكة الحيوانية التقليدية بل للمملكة السابعة الجديدة، مملكة الآلات غير الحية، مُنهيًا بذلك الإنسان العاقل.

منذ مدة كنت أقرأ كتاب اسمه «للجراثيم حكاية» للبروفيسور السوري مصطفى قرة جولي الحائز على دكتوراة في الكيمياء الحيوية والجراثيم مِن جامعة ليون في فرنسا. يتحدث فيه عن كيفية نجاة الجراثيم وتطورها منذ بدايات تشكّل الكرة الأرضية وإلى الآن. يضرب البروفيسور مصطفى مثالًا جميلاً ويشبهه بالإنسان بشكل غير مُباشر. فيقول أنّه عندما نضع للبكتريا غذاءً في طبق بتري نراها تتكاثر بشكل شره ووحشي ممتدةً على كامل الطبق، وما إن ينتهي الطعام ماذا يحدث؟

تبدأ المملكة البكتيرية بالتداعي والموت، بعد أن استنفذت كامل الطعام والغذاء والموارد المتاحة لتحقيق أكبر قدر ممكن من التكاثر والامتداد. قانون الترموديناميكا الثاني نفسه يحصل..

هل أنت مستعد لمعرفة ما هي أعداد البشر؟ وما مدى الزيادة في النسبة السكانية؟ وفي أي مرحلة زمنية «بكتيرية» نحن؟ هاك المخطط المُرعب التالي.

يوضّح الرسم البياني تزايد أعداد السكان مع مرور الزمن.

فيما يتعلق بنهاية الإنسان فالنهاية وشيكة نعم. فمع اشتداد الاحتباس الحراري، والزيادة المرعبة في أعداد السكان، وقلة الموارد التي يحملها هذا الكوكب الصغير، سيُصبح هناك نوع من الانتخاب «الطبيعي / التقني» الإجباري. والذين سينجون هم الدول والشعوب ذات التقنيات الأعلى والأكثر تقدمًا التي ستستطيع مواجهة وكبح هذه الكوارث وإنقاصها. فينقرض الأقل تقنيةً والأكثر تخلفًا بسبب قلة إمكاناتهم.

المثير للاستغراب أنّ مفهوم الدمج التقني عند براون وأن البيولوجيا الكوانتية ستدخل في صلب الإنسان لتمنحه صفات آلية جبارة ادعاء كبير جدًا. وكما هو معروف، الادعاءات الكبرى تحتاج إلى أدلة كبرى. فما هي الأدلة التي قدمها براون على كلامه عدا التشويق والرشق الكبير للمعلومات والدمج الخاطئ لسلسة مفاهيم حديثة وتوجهات فلسفية لا يزال مُختلفًا عليها؟ إضافةً لاستخدامه مغالطات هنا وهناك.

البيولوجيا الكمية على نطاق تفاعلات الخلية الكيميائية خصوصًا النباتية أمر مُثبت بالفعل. لكن ما علاقة هذا بالإنسان؟ وإن حدث كيف سيدخل مفهوم الآلات ضمن الجينات البشرية؟ هل يوجد جينات للآلات؟ وإن حدث ودمجت. ما هي آلية الاستبقاء والانتخاب التي ستحصل؟ خصوصًا أن كائن آلي هجين نصف إلهي لا يبدو أنه سيهتم بالمواعدة والمغازلة وتمرير الجينات.

يُلقي براون ادعاءات كبرى ضخمة بدون أية أدلة يسوقها. مُكتفيًا كما قلنا بالتعريف ببعض أسماء العلوم الموجود فعلًا، ثم القيام بالتشويق، وأن البطل دائمًا يموت ويقتل في منتصف الحبكة، لكي يقول القارئ: أووه لا، يبدو أن سره المخفي حقًا صحيح لذلك تم قتله كي تدفن الحقيقة. إضافةً لاستخدام مبدأ الأنثروبيا العقيم الشبه منفي من أيام كوبرنيكوس ليبرر مركزية الإنسان المُلاحِظ غير الموجودة.

قد يعترض أحدهم ويقول أنّ كلام براون في سياق روائي ويحتمل الكثير من الدمج والخلط في سبيل نجاح الرواية. في الحقيقة هذا التساؤل مشروع وفي مكانه ويحمل شيئًا مِن الصواب، لكن بروان لا يعرّف نفسه كذلك، فمع بداية كل رواية تراه يكتب أن كل المنظمات والشخصيات والأماكن حقيقية. أي أنه يعلم ولو بطريقة غير مُباشرة أن ما يكتبه سوف يتم تصديقه ولو بنسبة ضئيلة. وأن جمهوره سيحاولون بناء أفكار كاملة على ما يذكره في الرواية، ولن يكتفوا فقط بمجرد الخيالات والتشويق وتخيل الأبطال ومغامراتهم كما في الأفلام الكرتونية. لا سيما أن مواضيعه تعتبر ماسة لأكثر الأشياء جدلًا كانت ولا زالت، وهي الدين والعلم والسياسة والجماعات السرية ومن حذا حذوهم، لذلك هو يعلم أي وتر يضرب، ويعرف أنه يقدم محتوى أكثر من روائي تشويقي بكثير، لذلك يتحمّل مسؤولية دقة المعلومات واخطائها.

الشخصيات، الرواية، استحضار دوستويفسكي

لو افترضنا أن شخصيات الرواية وحبكتها تشبه عملية شد ثور ما عن طريق حبل، وأن دقّة الرواية وإحكام حبكتها يكون بتناسب بين مدى حجم الثور الواجب شده وطول الحبل المناسب لذلك، فأعتقد أن دان بروان في أصله، حاول أن يشد أرنب بواسطة حبل طويل يصلح لأن يسحب بقرة كاملة.

لدور جوليان ووالده الملك العجوز محدودية كبيرة وبدون تسليط للضوء عليهم صراحةً. خصوصًا ظهور والد الملك في المشاهد الأخيرة وكشفه للسر وهكذا، المشهد بدا بدون داعي، خصوصًا مثلًا إنه كان يمكن الاستغناء عنه بوصية مكتوبة أو رسالة يتم كشفها للملك جوليان أو شيء من هذا القبيل، لكن ظهور الملك أخيرًا بشكل مفاجئ أعطى للرواية ضعف، بتركيز جزء من الحبكة على شخصية لم يكن لها دور في الرواية من أولها.

حتى الملك جوليان نفسه لم يكن واضح المعالم وبدا أقرب لشخصية مُضطربة غير واضحة.

شخصية الحارسان فونسيكا ودياز بدون أهمية قصوى أيضًا، ويمكن مثلًا الاستغناء عنهما بحارس واحد أو مثلًا استخدام لفظ الحارس الملكي بدون تعريفهما بشكل مُباشر، لا سيما أن الدور المنوط بهم كان صغيرًا ومحدودًا. أمبرا فيدال كان دورها جيدًا، روبرت لانغدون بدا ضعيفًا على غير عادته وذلك لسبب لطيف سأتكلم عنه تاليًا. على العموم كانت شخصيات الرواية مُتناثرة بدون أدوار جوهرية ويمكن الاستغناء عن بعضها. كما قلت هو قام بسحب أرنب بحبل فيل. لعلَ أفضل شخصية كانت من وجهة نظري الأميرال لويس أفيلا. وأعجبني جدًا استخدام أسلوب دوستويفسكي في نحت شخصيته.

مِن المعروف أن أبطال دوستويفسكي الأشرار دائمًا ما يرتكبون الشر الذي لا بد منه، أي أن دوستويفسكي يضع بطله الشرير في موقف لا يصح له فيه سوى أن يكون شريرًا، ولو كنت أنت في مكانه لفعلت نفس ما فعل أيضًا وهذا شي مميز بدوستويفسكي.

فعلَ بروان الامر ذاته بقتل عائلة الأميرال بأكملها بهجوم إرهابي، ورغبته في الانتقام، لا سيما بعد تقاعده مِن الخدمة العسكرية وسنين طويلة من الثبات والتضحية كما وصفها بقوله ذهبت أدراج الرياح، لدرجة أنّ حسابه في البنك خاليًا بدون أية نقود، أي أنه لم يعد لديه شيء ليخسره، بل يريد أن يسترد أمجاده السابقة وبطولاته، لكن هذه المرة في خدمة السماء وليس الجيش. ففعل بدوره ما فعل. لم يكن لديه خيار، كأبطال دوستويفسكي تماماً. وهذا الأمر مميز حقًا.

بالنسبة للحبكة كانت جيدة، لكنها – بالنسبة لي على الأقل – مكشوفة. منذ البداية تقريبًا توقعت أن يكون الذكاء الصنعي هو الوصي القاتل. فالدسبينو كان الشخصية الأكثر اتهامًا وتسليطًا للضوء، لذلك أن يكون هو القاتل سيخل بالرواية ويجعل الحبكة ضعيفة.

جوليان والملك مِن المستحيل أن يكونوا هم، فدورهم كان محدود جدًا والمَشاهد التي تحدثت عنهم قليلة وشبه ضبابية، ووضع براون للحبكة عندهم بدون ذكرهم في روايته أمر معيب جدًا ويضرب في الصميم. تخيّل أن يكون القاتل هو شخصية لم يتم الحديث عنها في الرواية!

لا يبقَ سوا أمبرا فيدال، وهو أمر يمكنك استبعاده بناءً على تتبع سير الأحداث وأنها خارج النطاق وعلاقتها مع كيرش لم تكن مَشروحة أبدًا كي تعطي دافعًا للقتل. لذلك أن تكون هي القاتل ومن ثم يقوم براون بتبرير القتل بالشرح فيما بعد أمر يخل بالرواية أيضًا ويمزق الترتيب الصحيح. لأنه حينها بالإمكان أن يكون القاتل أي أحد، طالما أن القصة سيشرحها براون فيما بعد، بعد موت كيرش.

الدليل الأكبر كان للذكاء الصناعي، إلا أن المجهول الوحيد كان السبب في فعله لذلك. ومع وصولي لآخر 50 صفحة مِن الرواية أصبت بالإحباط، لدرجة أني اعتقدت أن بروان قد ينهي قصتهُ بدون الكشف عن الوصي هكذا. لكن قبل حوالي 30 صفحة من النهاية يكشف براون عن الوصي ويكون نفسه وينستون ويعترف بالحقيقة الكاملة قبل أن يحذف نفسه.

تتجلى أحد نقاط الرواية المميزة في مفهوم الميكافيلية الغير أخلاقية التي اتبعها وينستون، والتي تجسدت في القيام بوسيلة لا شرعية لأجل تحقيق غاية مُبرمجه كيرش. ألا وهي القتل من أجل إيصال الحقيقة لكل الناس وزيادة عددهم. النقطة الثانية التي أعجبتني أيضًا كما قلت لكم قبل قليل ضحالة شخصية لانغدون في الرواية، والسبب هو أن براون أراد أن يُظهر لنا شكل الإنسان الهجين القادم عن طريق الدمج بين روبرت لانغدون ووينستون كحزمة واحدة ضمن الرواية. أي أن روبرت لانغدون المعروف لم يكن فقط روبررت لانغدون وحده في الرواية، بل معه وينستون، لذلك هو الوحيد الذي تم استبقاء السماعة على رأسه بينما تخلَ عنها الآخرون في إشارة إلى أنّه أقرب ما يكون للإنسان الهجين الذي تنبأ به بروان.

فتجزئة شخصية لانغدون لقسمين من أجل بيان فكرته العامة أمر لطيف يُحسب له وفي صالحه.


الحقيقة أن براون كاتب بارع في السرد والوصف، فهو يزور كل البلدان والأماكن والمتاحف التي يتحدث عنها في روايته ويوثقها بشكل شخصي. وإن دققت في كلام لانغدون خلال الرواية تجده دائم التكرار لعبارة ذاكرتي البصرية، وهي صراحةً لا تشير للانغدون بقدر ما تشير لدان بروان صاحب الذاكرة البصرية الواضحة التي تتجلى في وصفه الدقيق لكل المتاحف والمباني والطرقات التي يعرضها في روايته، وهذا كما قلنا أمر يحسب له ويقوّي مِن أسلوبه أكثر.

لكن – وكعادته – يذبح براون بعض الحقائق ويخلطها بشكل أجوف في سبيل تعويم غاية التشويق الروائي وفغر أفواه القراء، مُقدمًا بشكل طائش مجموعة مِن العلوم الحقيقية في اسماءها كما يقول في مُقدمة روايته، لكن بمفاهيم خاطئة تخدم أهداف الرواية لا الحقيقة، مُغالطًا بارتكاب أخطاء منطقية، ومُدعيًا لأفكار كبرى جدًا دون تقديم أي أدلة كبرى مثلها تثبتها، لا سيما أنه يتوقع ظهورها في المستقبل القريب وليس البعيد.

ثمّ يقوم بقتل الشخصيات الرئيسة صاحبة الحبكة مِن أجل أن يقول القارئ، أووه لقد مات، إذن ما يخبأه صحيح وواقعي. فلماذا إذن يتم اغتياله إن لم يكن مُحقًا؟

مُتحولةً بذلك الرواية التي أمامنا إلى عبارة عن تشويق كامل مَنزوع الحقائق الصريحة، مرشوقةً بكم كبير من المغالطات والادعاءات والمبادئ المدموجة بشكل اعتباطي، مُعطيةً إيانا رواية مُتهافتة، تجده يطرح في أسلوبها فكرة عميقة وصعبة ومن ثمّ يهرب بسرعة ليطرح فكرة أخرى صعبة بدون أية أدلة أيضًا، وهكذا مع التي بعدها، على عجلة وبدون أية إثباتات، وكأنه يحاول إخفاءها عنك.

إن أردنا التقييم بلغة GoodReads فالأصل تحصد مكانًا بين نجمتين ونصف إلى ثلاث نجمات. بسبب أسلوب السرد الجميل والوصف الدقيق للأماكن التي يرسمها بروان في ذاكرته البصرية التي أسقطها على شخصية لانغدون. أما مِن ناحية تقييم الحقائق والادعاءات، فللأسف هي مشوهة ومتهافتة. نعم، كل ما ذكره حقيقي وموجود من علوم وأفكار ومبادئ. إلا أن طريقة عرضها ودمجها وتوجيهه لنتائج الأحداث، خاطئة تمامًا ومغالطة للمنطق كما أوضحنا، إضافةً لأنها تخدم الهدف الروائي فقط في التشويق الأجوف، وليس تقديم وجبة معرفية حقيقية بصيغة قصصية.

1

شاركنا رأيك حول "نقد وتحليل الأصل: رواية دان براون المتهافتة"

  1. Kamel Elmallah

    ليس هكذا تنقد الروايات والا نروح نولع في كل رويات الخيال العلمي !! نقد شبه نقد رجال الدين للروايات مع اختلاف الاسلوب و الاسانيد
    ثم مين افترض ان فيزياء الكم بتلعب النرد ؟ دي لوحدها مغالطه واستقطاع كلام من سياقه لاثبات صحه مقوله زي رجال الدين ما بتعمل
    بس بذمتك لو واحد لقي ابوه ميت بيسأل مين الي قتله ؟؟ ولا بيسال مات ازاي
    وده يرجعنا للنقطه الاولي هو ايه اصلا التعريف العلمي للموت وقصدي قانون الموت
    وبالمره احب اسمع التفسير العلمي لنظريه التطور والطفرات والنشوء والارتقاء الخ من خلال منظور رياضي بحت ومش علي كل المخلوقات لكل العصور لكن علي النظام التناسلي فقط ومن خلال المنظور الرياضي البحت

  2. أحمد حمد

    1-الهدف الأول للرواية هو الترفيه وليس التعليم، لذلك لاتعتبر مراجع علمية يمكن مناقشتها، فهي خيال وليست حقيقة مهما بلغت من الدقة والواقعية.
    وهو يستخدم دان براون المثيرات التسويقية التي تهم الجميع كالدين والسياسة والجنس…الخ، لجلب الانتباه إلى روايته ومعرفة المزيد عنها.
    يتميز بشرح كامل للبيئة يجعلك كما لو كنت شخصية داخل الرواية، وهذه وظيفته كروائي وليس كعالم مهمته الاقناع صحة نظرياته.

    في جميع قصص روبرت لانغدون، في النهاية تظهر شخص يستغل الأمور لصالحه فقط ليس أكثر.

    2-جميع النظريات العلمية وضعت للتفسير والشرح، وتغيرت هذه النظريات على مر السنين، مثل جوزيف طومسون وابنه جورج، حيث أثبت الأول أن الإلكترون جسيم بالذرة وحصل بسببه على جائزة نوبل في الفيزياء، بينما أثبت ابنه أن الإلكترون موجة وليس جسيم (خطأ نظرية أبيه) وحصل بسببه على جائزة نوبل في الفيزياء.

    3-ليست هناك خلاف بين الدين والعلم، الخلاف هو بين بعض رجال الدين و بعض العلماء، فبعض العلماء يفقد الإيمان بسبب غروره الذي يأتي نتيجة لمعرفته ويظن أنه أصبح يعرف البيضة من باضها والجاجة من جابها بينما البعض الآخر يزداد إيماناً مثل جوزيف طومسون.
    وبعض رجال الدين يخشون فقد السلطة والأهمية نتيجة لكسب الآخرين المعرفة وليس حصرها في النخبة.

أضف تعليقًا