عن الميديا والدحيح والرفاق من صنّاع المحتوى وتفاصيل شخصية أخرى، أراجيك تحاور مشروع ريبلز

0

في مبادرة لدعم المحتوى العربي القيّم، قررت القيام بسلسلة من المقابلات تهدف لاستضافة أشخاص أجدهم ذوي أثر إيجابي على المجتمع، بغض النظر عن نوع المحتوى الذي يقدمونه، سواء أكان علميّاً أم ثقافيّاً أم اجتماعيّاً أو حتى فنيّاً. ببساطة شديدة وبعيدًا عن الكثير من البهرجة، السؤال مني والجواب على الضيف.

سعيد جدًا لكون أول شخص يتسنى لي استضافته هو السيد جابر حسون، مؤسس مشروع ريبلز (بقناة على يوتيوب وبودكاست بالاسم نفسه) الذي أجده شخصيًا أحد أكثر اليوتيوبرز الذين يجذبونني دومًا للعودة إلى قناتهم بشغف. يقدم جابر في مشروعه محتوى علميّاً وثقافيّاً ذا طابع مسلٍّ.

طرحت على ضيفي العزيز أسئلة حول نظرته للسوشال ميديا والمحتوى العربي الذي يتم تقديمه وعن بعض اهتماماته الشخصية. وبعيدًا عن الثرثرة المطولة، إليكم هذه الـ “Q&A” اللطيفة 😊.

أراجيك تحاور مشروع ريبلز

كيف تفضل أن تعرف عن نفسك؟

اسمي جابر وعمري 31 سنة. درست بكالوريوس هندسة معلوماتية ثم ماجستير في الذكاء الصنعي. وحالياً متفرغ للعمل على قناة ريبلز على اليوتيوب -وبودكاست بنفس الاسم- المعنية بتناول مواضيع فكرية عموماً؛ خليط من مواد علمية وفلسفية وتكنولوجيّة أراها مثيرة للاهتمام بشكل أو بآخر.

جابر حسون - مؤسس مشروع ريبلز

كيف بدأت فكرة ريبلز؟

كنت طالب ماجستير حين بدأ الانفجار الإيجابي بالمحتوى العربي المكتوب الذي يتناول الأمور الفكرية والعلمية على وسائل التواصل الاجتماعي. الأمر الذي كنا وما زلنا بحاجة ماسة للكثير منه، ومع العلم أن هذا ليس حصريّاً على مجتمعاتنا، لكني لاحظت فقراً أكبر في الفيديوهات المحكية بلغة عامية قريبة منّا، لغة كتلك التي أستخدمها في حواراتي مع أصدقائي في هذه الأمور. وربّما أزعجني ذلك كوني شخصيّاً كنت قد استفدت كثيراً من المحتوى المصوّر المنطوق بالإنكليزية، وما زاد الطين بلة أني لاحظت توقف القنوات القليلة الناطقة بالعربية التي تناولت هذه الأمور، غالباً لأن الأمر يأخذ الكثير من الوقت بدون أي مردود مادي يذكر. فقررت أن أقوم بصناعة الفيديوهات التي كنت سأرغب أنا بمشاهدتها، لنقل كان الأمر أشبه بـ “العمل التطوعي”.

حينها لم أكن أعرف أي شيء إطلاقاً عن تحرير أو تصوير الفيديوهات، ولم أكن أدرك مدى صعوبة الأمر وكم يأخذ من الوقت. كنت قمت بعدد قليل نسبيّاً من الفيديوهات عندما انتهيت من دراسة الماجستير في صيف الـ 2014، لكني اعترفت لنفسي حينها أنّ صناعة ونشر هذه الفيديوهات أمر يستحق العناء من حيث أهميته وما يجلب معه من بحث وتحديات مثيرة للعقل.

هل تمتلك استراتيجية واضحة لكتابة الحلقات؟ أخبرنا عنها.

تختلف من حلقة لأخرى، لكن بالعموم لدي قائمة لا تنتهي بالأمور التي أجد أنها مثيرة للاهتمام والأفكار التي أجد أنها تستحق أن تصل لعدد أكبر من الناس كي يتفاعلوا معها ذهنيّاً. ودائماً أضيف لهذه القائمة أثناء قراءاتي لكتاب أو مقال أو استماعي لبودكاست.

أحياناً أخرى يبدأ الأمر بسؤال يقودني للبحث عن إجابات تقود لأمور أعمق، وهكذا الأبحاث تلاحق بعضها لتشكل هيكل حلقة. ويحدث بتواتر أقل أن يكون الأمر كسيل من الأفكار المترابطة التي “تهاجم” عقلي فجأة وتريد أن تصبح على ملف أمامي. قد تبدو حالة إلهام جميلة ومريحة من بعض النواحي، لكن لو كان الأمر لي لفضلت لو كانت هذه الهجمات أو الزيارات في أوقات لا أكون فيها على وشك النوم 🙂.

ومرحلة مهمة جدّاً في كتابة السكربتات -بعد الانتهاء من هيكل المعلومات- هي المشي جيئةً وذهاباً في الغرفة، والتكلم مع نفسي بصوت عالٍ حتى أشعر أني وصلت للجملة المناسبة للتعبير عن فكرة ما، وهكذا من فكرة لأخرى إلى نهاية السكربت.

هل تعتقد بأنك تسمح لنفسك بامتلاك هامش حرية كبير ضمن مشروعك؟ على سبيل المثال، ثالوث المحرمات (الدين والسياسة والجنس)، فإذا ما قمت بأي انتقاد يمس هذه الموضوعات، يكون النقد بطريقة غير مباشرة وعلى شكل تعليق ساخر أو ما شابه ذلك. ألا تشعر بأنه من واجبك الإضاءة بشكل أكبر على ما سبق؟

في الواقع إن ثالوث “المحرمات” (أضعها بين قوسين للتذكير أنها عملياً غير محرمة أبداً حتى في مجتمعاتنا، بل يتم استخدامها واستهلاكها وممارستها والحديث فيها طوال الوقت) المذكور في السؤال هو وسيلة سهلة لجذب الانتباه والمشاهدات على الإنترنت، لكنه أيضاً بيئة خصبة للمحتوى غير المفيد والمهاترات والتحزب وإبعاد المختلفين بالرأي عن بعضهم البعض. هنالك دوماً من يعتقد أن عليك أن تقود سيارتك بسرعة أكثر أو أقل كي ترضي مزاجه أو ذوقه في القيادة، كذلك الأمر بالنسبة للمباشَرة المزعومة (وهذه مغالطة نقع فيها جميعاً في عدة نواحي من حياتنا). وما أكثر الأشخاص الذين يستفزون الناس تحت حجّة “المباشرة” وربحوا لعبة اقتصاد الانتباه.

طبعاً لا أقصد أبداً القول بعدم إمكانية طرح هذه المواضيع بشكل مفيد ويحترم عقول الناس، بل قلت ما قلت فقط إشارةً لأن هذه اللعبة لا تغريني كثيراً. وأنا أدعي أني أحمل عدة قيم فيما يخص قناة ريبلز (وبشكل عام) ومن أهمها أني أسعى لفهم ذاتي والآخرين قدر الإمكان، وعلى ضوء ذلك أقدم الفديوهات التي أراها مفيدة أو ظريفة أو مثيرة للاهتمام. ومن جمال الواقع أن الأفكار لها مدى ideas have reach -كما كنت قد ذكرت في حلقة ريبلز بعنوان “الثقوب السوداء مجرد نظرية”- ولا أذكر أني تراجعت عن تقديم أي فكرة تخوّفاً من اقتراب مداها من هذه “المحرمات” أم غيرها، فتحدثت عن “عقوبة الإفطار العلني في رمضان“، و “لماذا لا تعطي نظرية التطور فرصة” و”أنت عندك روحين” وعن “العلم وراء تعدد الأزواج والزوجات” بل وحتى عن “الجنس مع الروبوتات” 🙂 خلال مراجعة فلسفية لفيلم Her. كون قناتي لي فقط ولا أعمل تحت غطاء قناة أو جهة إعلامية، فأشعر أن لدي الحرية بتناول هذه الأمور دون حرج. وهذه الحرية من نِعَم الميديا الجديدة علينا.

أما بخصوص جزئية “هل أشعر أن من واجبي الإضاءة بشكل أكبر على (أي شيء)” من سؤالك، فمن المؤكد أنه ليس من واجب أي شخص واحد الكلام عن كل الأمور المهمة بالطريقة التي يراها الآخرون مباشرة. أنا لم أتحدث عن التاريخ وحقوق الحيوانات والجغرافيا والجيولوجيا والفيزياء الميكانيكة الكلاسيكية والاحتباس الحراري، وهذه كلها أمور مهمّة جدّأً. ما أراه واجبي هو السعي لتحقيق أفضل درجة ممكنة من الأمانة العلمية والفكرية في طرحي للمواضيع التي أراها مفيدة أو حتى مسلية.

بعد قول هذا، أقر بصعوبة السؤال القديم حول أفضل توقيت لنقاش أمر يعتبر حساساً من قبل الكثيرين. فهنالك من يقول لك: “تكلم عندما تكون الرسالة تحمل أفضل فرصة أن يصغى لها”. بينما ينصحك آخرون ألا تأبه وتصرخ عالياً ما تعتبره الحقيقة دون أي انتظار. أتفهم الرأيين، لكن أعتقد أني أتكلم فيما يثير اهتمامي أنا وغالباً بأسلوب هادئ خالٍ من المشاعر الجياشة وبسعي جاد للسير وراء الفكرة بعقلانية ومنطق. وكما قلت أحب أن أقدم المحتوى الذي كنت سأتمنى أن أراه لو لم أكن أنا من يصنعه. مع الاعتراف بأن المزاج الشخصي أثناء الكتابة قد يؤثر على الأسلوب بين الفينة والأخرى.

ما رأيك بالسوشال الميديا مقارنة مع الميديا التقليدية؟ وهل أنت راضٍ عن المحتوى العربي -سواء المصور أو المقروء- على الإنترنت؟

يبدو لي أن أن الميديا التقليدية في طريقها للنهاية رغم بطء العملية، وأنا لست حزيناً بتاتاً لذلك. في الميديا القديمة مقدم البرنامج مضطر لضغط محتوى الحلقة لمدة زمنية محددة أو لحشوها بعيداً عن كمية المعلومات لديه، فالأمر شبيه بمحدودية المساحة المتوفرة لكاتب عمود في صحيفة ورقية قديمة، كما أن محدودية “وقت البرنامج” تشكل واقعاً غير مقبول بالنسبة لجيل تربى على استخدام الانترنت بشكل يومي. مستهلك المعلومات يريد للأفكار أن تأخذ حقها ويتم التعبير عنها كما يريد صاحبها قدر الأمكان دون هذه الحدود التي لا قيمة لها. هذا إضافةً لضآلة احتمال الموضوعية والمهنية وأشياء كثيرة أخرى.

لكن هذا لا يعني أن الميديا الجديدة أتت دون مشاكلها الخاصة، واستهلاك المعلومات والتعامل مع ما تقدمه الميديا عموماً هو مهارة قابلة للاكتساب ولكن لا يتمّ تعليمها رسميّاً لحدّ الآن. دائماً ما كانت هذه قضية مهمة لكن اليوم بشكل خاص كوننا نغرق بمحيطات لا تنتهي من الادعاءات والأخبار والأفكار والصور والفيديوهات وغيرها، فإن التعامل الحكيم مع ما يأتينا من معلومات عبر الميديا الجديدة أمر حرج جدّاً ويجب أن يضاف للمدارس. أي شخص اليوم بإمكانه صناعة صفحة فكاهية تجذب انتباه ومتابعة الكثير من الناس ثم استخدامها لإطلاق أخبار محرّفة أو كاذبة أو حتى مختلقة من عدم كليّاً وبدون مواجهة أي مسؤولية تذكر.

نسمع دائماً أن المحتوى العربي على الانترنت يعتبر فقيراً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدد الناطقين باللغة العربية، لكني أحب أن أذكّر أيضاً أن من يرغب بمحتوى رائع باللغة العربية فهو ليس بتلك الندرة. وبإمكانك قضاء عدّة ساعات يوميّاً بقراءة محتوى عربي ممتاز يتناول الأمور العلمية مثلاً. مع الاعتراف أن المحتوى المصوّر والمسموع أفقر من المكتوب، لكنه متوفر وغني لمن يبحث عنه فعلاً. المشكلة تكمن في اكتشاف هذا المحتوى كونه غالباً لا يخلق “ضجّة”. ألمسها بشكل مستمرّ كلما أقرأ تعليقاً يأتي على قناة ريبلز على يوتيوب، يخبرني فيه صاحبه أنه تعرف على قناتي منذ بضعة أيام فقط وشاهد عدة فيديوهات منها، ولا يفهم كيف لم يسمع بها من قبل رغم أنها على وشك إكمال 6 سنوات وتحتوي أكثر من 100 فيديو (عمليّاً نفس هذا التعليق يتكرر بشكل دوري على القناة وأجزم أنّ أمراً شبيهاً حدث معنا جميعاً بعد اكتشافنا لقناةبودكاست عربي جديد).

ربّما يجب أن يكون هنالك تعاون وتقاطع أكبر بين الأطراف الإعلامية المهتمة بهذا النوع من المحتوى، هذا ما تفعله دائماً “البودكاستات” وقنوات اليوتيوب العلمية الكبيرة الناطقة بالانكليزية. أحاول القيام بذلك عن طريقة استضافة صانعي محتوى على بودكاست ريبلز، وسعيد أننا نقوم بشيء من ذلك في هذه المقابلة.

لم نرَ أي فيديو من ريبلز حول العملات الرقمية (بيتكوين وأخواتها)، هل الموضوع خارج دائرة اهتماماتك أم أنك ترى بأن أثره لا زال ببعيد عن مجتمعاتنا؟

صحيح لم أتناول الأمر بفيديو لكني رفعت منذ أكثر من سنة بودكاست استضفت فيه 3 أصدقاء تناولنا فيه الموضوع لمدة ساعتين.

إذا -وهذه إذا كبيرة- نجح الفيسبوك في ما يبدو مبدئيّاً أنه هدفه ورؤيته في هذا المجال عبر عملة “ليبرا“، وإن صحت الأرقام المصرح بها من قبل الفيسبوك حول عدد مستخدمي منصتهم النشطاء حالياً (والذي يعادل ثلث البشرية تقريباً)، فلن أستبعد أننا سنكون أمام شيء تاريخي بكل معنى الكلمة.

لماذا اتجهت مؤخراً لقبول العمل التطوعي ضمن مشروع ريبلز؟ وهل وضعت معايير دقيقة للقبول؟

في الواقع أنا أجد متعة هائلة في العمل مع الآخرين على هدف مشترك، ولو كنت في مدينة فيها من يشاركني الاهتمام بمواضيع القناة لما توانيت لوهلة عن جعلهم جزءاً من صناعة محتوى ريبلز، بل وأستغرب أحياناً أنني عملت كل هذه المدة لوحدي على الفديوهات.

ولأني أرغب أن تكون حلقة ريبلز “وجبة متكاملة”، بمعنى أن يكون القالب الذي أقدم فيه الحلقة كله يدعم تقديم المحتوى بأفضل “حلّة” ممكنة (بصريّاً وسمعيّأً). كل شيء يلعب دوراً في استساغة محتوى مصوّر، ولا يكفي بالضرورة أن يكون المحتوى العلمي جيّداً كي تصل للفضول بداخل المشاهد، فكان الأمل أن يتطوع من لديهم خبرات في مجالات تساعد في هذه الأمور.

لم أضع معايير دقيقة جدّأً لكن فضلت عموماً من لديهم خبرات سابقة وأعمال بإمكاني رؤيتها وتقييمها، وتلا ذلك مرحلة تجربة القيام بعمل ما لريبلز.

ماذا تفعل عندما لا تعمل على تحضير محتوى لريبلز؟

الاستماع “لبودكاستات” وقراءة كتب ومشاهدة فديوهات أو مقابلات تتناول أمور فكرية أو علمية، هي أشياء تقع بين “التسلية” في وقت الفراغ ومصادر إلهام لا نهائية لأفكار حلقات ريبلز. غير ذلك فهنالك Netflix والرياضة في الجيم (غالباً يرافقها استماع لبودكاست أيضاً) وحوارات مع الأصدقاء (في الواقعين الفيزيائي والافتراضي).

هل تميل لمتابعة برامج “البوب ساينس”؟ وأي منها تفضل؟ وهل تعتقد أن ريبلز من ضمنها؟

يبدو أن مصطلح “بوب ساينس” يحمل وقعاً سلبيّاً لدى فئة من الناس، لكني لست منهم أبداً. من غير السهل أن أجد ما هو أنبل من قيام أحدهم بكسر الحاجز بين إنسان والعلم، وأقصد العلم بأوسع معانيه هنا أي كل ما قمنا ونقوم به سعياً لفهم وتفسير الأشياء من حولنا وفيما بيننا وداخلنا. وكما كتبت سابقاً على صفحة ريبلز على الفيسبوك، فإني أعتبر صانعي هذه البرامج أصدقاء درب ويشاركوني هذه الرسالة حتى ولو عن بعد. وأنني كنت -لفترة لا بأس بها- أقوم فوراً بمراسلة كل صانع محتوى أتعرف على محتواه حديثاً بعد اطلاعي على عينة من أعماله. وسعيد بازدياد هذه القنوات وتنوع أساليبها ومستويات التفصيل فيها. كل هذا يغني المحتوى العربي أكثر فأكثر وإن استمر وانتشر يصب في مصلحة مستهلك المحتوى، وكما ذكرت أتمنى أن يكون هنالك تعاون فيما بيننا بشكل أكبر بكثير مما هو عليه الأمر اليوم. وأعتقد على كل حال أن كلّاً منا يساهم بشكل غير مباشر بتحسين محتوى البقية.

أما بخصوص من أتابع من صانعي المحتوى الفكري أو التثقيفي الناطق بالعربية، فأسعى -قدر الإمكان طبعاً- لمتابعة كل من يقدم محتوى من هذا النوع، لكن أخص بالذكر البودكاست الرائع (كلام فلسفة) الذي يقدمه أحمد الملط، وسعدت باستضافته على بودكاست ريبلز سابقاً. كما وأستمع أحياناً لبودكاست فنجان، ومعجب جدّاً بمهارة مقدّمه عبد الرحمن في الحوار مهما كانت خلفية ضيفه الفكرية أو الثقافية، وأخيراً أذكر ساي-وير بودكاست الذي يتناول فيه الدكتور محمد قاسم أموراً علمية متنوعة.

وأما من قنوات اليوتيوب (المحتوى البصري)، فأذكر قناة الدكتور نضال قسوم، وأرى أن المتابع العربي محظوظ بأنّ أستاذاً جامعيّاً (في الفيزياء وعلم الفلك) قرر أن يخصص قسماً مهمّاً من وقته أسبوعيّاً ليقدّم على اليوتيوب محتوىً علميّاً راقياً ومبسّطاً بدون أي جهة إعلامية داعمة للبرنامج على حد علمي، أو حتى حساب باتريون. أتابع أيضاً الدحيح وسلام قطناني. كل منهما يتمتع بروح مرحة وأسلوب خاص بالتبسيط وتقريب المعلومات والأفكار للمشاهدين من خلال شخصية مرحة على الشاشة.

أعتقد قد قيل كل ما يمكن أن يقال في مديح أحمد الغندور على إبداعه في خلق كاركترشخصية الدحيح، المختلفة جدّاً عن أي إنسان تقابله في حياتك اليومية، ما يصنع مسافة معينة مع المشاهد كافية أن تتيح لشخصية الدحيح قول أشياء ضمن إطار كوميدي يصعب جدّاً قولها خارج إطار الكاركتر، والتي بدورها طبعاً تساهم بزيادة تقبل المشاهد للمحتوى. وللتوضيح، لكوني شخص يقدم فديوهات، فأنا مدرك تماماً استحالة تطابق الشخصية التي تظهر عبر الشاشة لعدة دقائق أسبوعياً لتقديم محتوى معين مع الإنسان الحقيقي وراء الكاميرا، لكن هذا يختلف كليّاً عن خلق كاركتر بشكل فني مدروس إن صح التعبير كما هو حال برنامج الدحيح. في الجهة الأخرى تماماً، رغم الحفاظ على خفة الظل، فتتميز سلام بصراحة عالية مع المتابعين، وهذه الشفافية تساهم بطريقة مختلفة تماماً (عن خلق كاركترشخصية) بتحقيق نتيجة مشابهة من حيث شدّ المشاهد لمتابعة القناة والعودة لها من أجل المزيد من المحتوى المفيد. وسيكون من الجميل لو تمكنم من إجراء مقابلات شبيهة بهذه مع كل صناع المحتوى المذكورين.

ونعم يمكن أن أعتبر ريبلز من برامج “البوب ساينس” كون بعض الفديوهات تنتمي بكل وضوح لهذه الجانرا. لكني أيضاً أمتلك الحرية في طرح مواضيع قد لا تندرج تحت هذه التسمية، وأمارس هذه الحرية بشكل مستمرّ. تحضرني سريعاً فديوهات من ريبلز ك “هل عليك واجب أخلاقي تجاه أبويك؟” أو “دفاعاً عن الأنانية | فلسفة مسلسل فرندز” كأمثلة على ذلك.

ما هو مسلسلك العالمي المفضل؟

أتابع الكثير من المسلسلات والبرامج الكوميدية الناطقة بالانكليزية، سأذكر منها South Park  و Rick and Morty وFriends وكلها غنية عن التعريف، وسأضيف The Good Place وهو مسلسل كوميدي لطيف يتناول فلسفة الأخلاق بشكل إبداعي جدّاً. أما من غير الكوميديا، فأحبBlack Mirror  كونه يتناول الكثير من الأفكار التي نناقشها على ريبلز من الذكاء الصنعي والمستقبل وعلاقة البشر بالتكنولوجيا وما إلى هنالك، و WestWorld كونه يتناول موضوع الوعي ومدى إمكانية نشوئه في كيانات غير بيولوجية.

هل تفضل iOS أم Android؟

أليست هذه طائفية القرن الـ 21 😁؟

أميل لأندرويد بوضوح. رغم أن الفرق لم يعد كبيراً بينهما -كما كان في البدايات- من حيث استخدام النظام بحد ذاته، لكن انغلاق الكثير من خدمات ونظم أجهزة شركة أبل على بعضها وتعاملها فقط فيما بينها “The ecosystem” أمر مزعج جدّاً.

النهاية متروكة لأي إضافة تحب.

أدعو كل من يحب موقعاً أو قناة يوتيوب أو بلوغ أو أي شيء يعتبره “محتوى جيد” أن يتقصّى مصادر دعمه ماديّأً وقدرتها على دعم استمراره، وإلا فقد يكون مصير هذا المحتوى كغيره ممّا نتأسف عليه الآن عندما نسأل “ماذا حدث للقناة الفلانية ولماذا توقفت؟”

إن كان موقعك المفضل مستمر بفضل الدعايات، فأنت تساهم بالقضاء عليه باستخدامك لتطبيق يحجب الدعايات (رغم أن دخل الدعايات أقل مما يتوقع الكثيرون ممن لا يعملون في المجال)، وإن كانت قناة اليوتيوب المفضلة لديك مستمرة بفضل الداعمين على منصة دعم شهري كـ باتريون، فانظر إلى عددهم، وقارنه بعدد المشتركين أو حتى المشاهدين، واقرأ المكتوب على باتريون كأهداف من قبل صانع المحتوى. بشكل جميل ومفاجئ هذه المنصة حول العالم تحمل الكثير من الشفافية حول الأمور المادية التي عادةً ما يجد كثير من الناس الحرج في نقاشها.

صناعة المحتوى السيئ المبني على الادعاء غير الدقيق أو الخبر الكاذب أو الرأي المتسرع هي سهلة جدّاً وبإمكان أي شخص تقريباً القيام بها، ولنا في أغلب صفحات الفيسبوك المثال الواضح الصارخ على ذلك.

المحتوى القيّم يحتاج الكثير من الجهد والأدوات والأمانة الفكرية وطبعاً الوقت، وهذا يعني بالضرورة أن صناعته وتقديمه ستكون على حساب قدرة صناع المحتوى على اتخاذ أعمال أخرى ذات مردود مادي أفضل.

أنت تدخل على مكتبة وتشتري كتاباً بسعره كاملاً قبل قراءة 10% منه، ربما لكاتب لا تعرفه، وربما ترميه ولا تكمله أو تنسى وجوده أحياناً. على الانترنت اليوم، لديك الحرية أن تطلع على محتوى ما، وتستهلك منه ما تشاء، وإذا أعجبك فقط أن تدفع له ما تراه أنت مناسباً. نحن معتادون على الدفع من أجل المعلومات، لكن فقط بشكل ورقي (وكأننا ندفع ثمن الورق 🙂)، إن كنا نرغب بإنقاذ المحتوى الجيد المستقلّ فهذا انحياز علينا تجاوزه، ويضاف أيضاً لتحديات الميديا الجديدة.

المحتوى بكل أنواعه يشكل جزءاً كبيراً من حياتنا اليوم، من الحكمة أن نفهم ضرورات استمراره وندعم المحتوى الذي يعجبنا بشكل أو بآخر.

0

شاركنا رأيك حول "عن الميديا والدحيح والرفاق من صنّاع المحتوى وتفاصيل شخصية أخرى، أراجيك تحاور مشروع ريبلز"