حسن بلاسم
0

يملك العراقي حسن بلاسم أدواتٍ تُمكّنه من أن يكون السارد الأشجع على الإطلاق لهموم اللاجئ العراقي في زمننا المعاصر، ليس العراقي وحسب، إنّما الشرق أوسطي عامَّةً في زمن الاغتراب والحروبِ التي نعيشها، هكذا دون أن يكون للسرد حدوداً معيَّنة، يغوصُ بلاسم في سرد الوجع العاري تماماً، دون رتوشٍ لغويَّة وفق ما جرت العادة، فالحكايةُ هي الأهمّ، دونما لجوءٍ لانزياحاتٍ لغوية، اللغةُ عاريةً وهي تصفعُ بيدها الثقيلة وجه القارئ، جاعلةً منه لعبته المفضَّلة.

من دون تذمّر، من دون معافاة، من دون الوقوف على الخشبة، من دون حرجٍ من الخوف، ومن دون بكاء، مرَّ يوم آخر من أيَّام حياتي، وكلّ شيءٍ على ما يرام، غير أنّي الآن من دون جلد!

حسن بلاسم
حسن بلاسم

روايةُ الوجع الإنساني

إذاً، القصُّ فقط، هو ما يتيحُ للقارئ أن يتعمَّق في الوجع الإنساني، الإنسانُ مجرَّداً من كل شيء، إلّا الرعب، الأخير الذي يحتلُّ حياة الكائن الرَّاهِن في رحلات تغريبته ويملأ خزائنَ الذاكرةِ العالميَّة إلى ما لا نهاية ودون أن تنضبَ تلكَ النهايات لا بل تتوالد من جديد، رحلاتُ اللجوء القاسية أملاً في العثورِ على ملاذٍ آمن، ومن ثمّ التمعّن في الحال العربيّ ولكن عن بُعد، بعيداً عن الصندوق المتخَم بالمآسي وحكايات الآلام.

هذا دأبُ من يودُّ أن يرسمَ كتابةً تلك الآلام والحَكَايَا، كلّ هذه العناصر السرديَّة نتعثَّرُ بها ضمن مجموعة القاصّ والروائي العراقي (حسن بلاسم) المعنوَنَة بـ: “الرجلُ القاموس” والصادرة لدى دار الرافدين في العراق/ بيروت 2019 والتي حَوت نصوصاً قديمة اشتغل عليها بلاسم في ما مضى بالإضافة إلى نصٍّ جديد أُطلِق على عنوان المجموعة.

حسن بلاسم
الرجل القاموس

الوجع

اللغةُ ككائنٍ حقيقيّ، يغدو وحشاً بين الفينة والأخرى، وحشاً كاسراً يحيط الإنسانَ، ما يجعل من (الرجل القاموس) قاموساً حقيقيَّاً للألم في أعلى مراتبه وأشدّها عنفاً وإيلاماً، وفي الآن ذاتهِ نوعاً من الخلاصِ المرتجى، وصفاتٌ سحريَّة مقدَّمة للقارئ العربيّ والأجنبي على حدٍّ سواءِ من العنف والإيلام اللذان يسبّبان نُدُباً في الذاكرةِ، من الصعبِ بمكانٍ أن تُمحى بسهولةٍ أو بترويضٍ معيَّن.

ما يراهن عليه بلاسم في جلّ حكاياته اللا معقولة، هو الوجع، النقطة الأساسيَّة التي يمكن المراهنَة عليها في أيَّ حكايةٍ أو عملٍ، ليس فقط التقنيَّات المستخدمة لغويَّاً هي ما تخوِّل القاص أن يقصّ كل أمر، إنّما الجرأةُ في طرح مواضيعَ من الممكن أن تكون -أو لعلّها هنا هي الحقيقيَّة- الشاهدَ الأوحد على الخراب العربيّ عموماً، إسقاطاتٌ تلي إسقاطات، دونَ تفكّرٍ برأفةٍ أو شفقةٍ على القارئ!

ولعلّ مفردة “جُرأة” في هذا المنحى تعتبرُ مجانيَّةً ومستهلَكَة ولا تليقُ بهذا النوع الكتابيّ، لكن بإمكاننا أن نخوضَ أكثر في إطلاقِ أحكامٍ أكثر قوّة وشجاعة، الحقيقةُ عارية كما أسلفنا ودونما لجوءٍ إلى التجميل أو التودُّد إلى القارئ كي يستسيغَ ما يقرأ، الجميعُ ها هنا سواسيةٌ في ما آلَ إليه الحالُ العربيُّ راهناً، قتلٌ وذبحٌ ودمار ونهب واستغلال ولجوء وهربٌ من بلدانٍ إلى أخرى ومن ثمّ مواجهة مفردة (لاجئ) بكل ما تحمله من معنى سلبيّ وظلاميّ، إلى حدٍّ لا يمكن معه ولدرجة القساوة السكوتُ عنه في أيِّ حالٍ من الأحوال.

على كل مواطن أن يكتب رواية

هذا ما يؤكّده حسن بلاسم في: “الرجل القاموس”، والتي اختار أن يروِّس بها المجموعة كنوعٍ من التحفيز، ربمّا على القصّ وسرد ما يمكن سرده بالبساطة ذاتها التي يعيش بها الإنسان وتتغيّر بها دورة الحياة بفعل الحرب والفوضى ومن ثمّ العودةُ مجدّداً إلى النظام السابق نفسه. تقول مقدمة الناشر أنّ نصوص المجموعة مكتوبة بين عامي 2000 – 2009، معظمها نُشر في موقع حسن بلاسم الإلكتروني الخاصّ به لعدم القدرة على نشرها في صحف ومجلات على إثر الرقابة المستمرّة، فيما تنشر قصة: “الرجل القاموس” لأول مرة ضمن هذه المجموعة، ليمضي صاحب: “معرض الجثث” و “الله 99” في سرد رحلته الغرائبيَّة في ما بين بغداد وهلسنكي حيثُ يقيمُ الآن مع كوابيسه السريَّة وحياته السرديَّة الضاجَّة بالغرابة كما كتاباته وسرده.

حسن بلاسم
معرض الجثث

سردُ الكوابيس

“الكتابةُ هي الأرض الوحيدة التي يكون فيها صنع الأحلام وتحقيق جميع أمنيات الانتقام من دون حدود. ليس هناك من شرط للهذيان ولا قانون واحد للحب”، عديدةٌ هي الدلائل على أهمية الكتابة لدى بلاسم السارد، الراوي، القاصّ، الذي لا ينفكُّ من اعتلال الهذيان اللا منتهي، لوحده، في وسط الظلام وبقعةُ ضوء بيضاءُ مشعَّة مسلّطةٌ عليه وهو يقف منتصف الخشبة، خشبة هذا العالم، ثم ليصرخَ بملء فمه، يصرخ وهو يخرج رأسه من نافذة عربته، ليصرخَ فقط كوابيسه علّه يجهِز عليها بصراخه ذاك، تتحوّل الصرخةُ إلى كتابةٍ وتدوين مرهونان بالعنف واللا جدوى، هكذا بكل بساطة وهدوء ينقل بلاسم من خلال نصوصه القصصيَّة الرعب الكامن في الإنسان، الأخير الذي ينتظر معجزة الخلاص بالارتباك ذاته الذي عاش به حياتهُ في الأيَّام القديمة.

السيرةُ الذاتيَّةُ أيضاً تطغى في الصفحات الأخيرة للكتاب (ربَّما كتوضيحٍ!)، سيرةٌ نتعرُّف خلالها على حكايةِ منجَزٍ سينمائيّ هو من صلب عمل المؤلِّف، السخريةُ المريرة حتى من السيرةِ الذاتيَّة، السخريةُ فعلاً ملازماً للصوابِ في السرد، كلَّ سردٍ! مشاهدُ من “زمنِ الخيبة” كما يصفها القاصُّ كلَّ حينٍ ولحظة، مشاهدُ لأناسٍ حقيقييِّن يواجهونَ مصائرهم في هذا العالم البليد الذي يحاصرُ الأبرياءَ ضاغطاً على صدورهم ومانعاً إيَّاهم التنفّس والحياة. الكتابةُ فعلاً محرِّضاً على إمكانية الحياة:

لطالما تحسَّرتُ في حياتي على إمكان الإمساك بإحساس المحتضر أثناء الكتابة. أن تكتب كأنّك ستموت ما إن تضع النقطة الأخيرة. لكن مثل هذا الإحساس لم يكن في متناول اليد وفي مثل هذه السهولة، فالحياةُ ندٌّ للموت، ولا يمكن أن تسمح لكائنٍ لا يزال يتنفّس ومهما تكن حدَّةُ يأسه، بالوصول إلى مثل هذه العتمة الخالصة، فلا بدّ لها -الحياة- من أن تترك برعماً صغيراً من الأمل في قلب الإنسان: أن تحولَ دون أن يتسوّس نهائيَّاً. هي بكتيريا مضادة غير مرئيَّة: بكتيريا الوهم.

0

شاركنا رأيك حول "حسن بلاسم العراقي.. صانع الرعب في قصصه، ماذا تعرف عنه؟"