القراءة السلبية .. عندما تساعد القراءة على تدميرك!
1

ربما تتعجب يا عزيزي، هل يوجد ما يسمى أضرار القراءة أو القراءة السلبية فعلًا؟ هل هناك شيء بجمال وقوة القراءة، وتكون له أضرار أو أعراض جانبية حتى؟ الإجابة أجل يا عزيزي، هناك أشياء لا تعلمها، أو قررت غض البصر عنها ليس إلا.

للأسف القراءة بالرغم من كونها وسيلة قوية جدًا للاستزادة المعلوماتية والتثقف، بجانب كونها وسيلة للقضاء على الملل والتعرف على عقول الآخرين عبر السطور والكلمات، إلا أنها من الناحية الأخرى، وسيلة لدمير الذات.

في هذا المقال سوف نتحدث عن أضرار القراءة فعلًا، أو القراءة السلبية والأعراض الجانبية لها، محاولين بقدر الإمكان الالتزام بالحيادية والموضوعية، دون الافتراء على القراءة نفسها، كفعل نبيل النزعة والمقصد.

القراءة السلبية تفسد الروح قبل العقل

القراءة السلبية وأضرارها .. عندما تكون الكتب، وسيلة للموت البطيء!
القراءة السلبية وأضرارها: عندما تساعد القراءة على تدمير نفسك!

القراءة مُجملًا شيء جميل جدًا، وواحدة من نعم الحياة التي لا تُحصى فعلًا. لكن إذا انطوت القراءة على أفكار سلبية، للأسف ستصير نقمة سريعًا، حتى وإن كان صاحبها لا يعلم ذلك من الأساس.

الأفكار السلبية التي أتحدث عنها ليست سلبية على الدوام، فيمكن أن تكون إيجابية للبعض حتى، لذلك الأمر كله مرهون بالحالة النفسية للمرء. إذا كنت مكتئبًا مثلًا، لا تقرأ عملًا لكاتب روسي سوداوي، هذا كفيل بإدخالك في حالة نفسية أسوأ من التي أنت عليها بالفعل. وعلى العكس، إذا كنت سعيدًا أو في حالة طبيعية، قراءة الأعمال السوداوية ستحزنك أجل، لكن لن تصل بك إلى مرحلة تراودك فيها أفكار انتحارية.

كما أن السلبية ليست مقتصرة على الأفكار السوداوية عن الموت والعدمية ودناسة البشر، لا. السلبية كذلك تقترن بالأفكار العدائية التي قد يقدمها بعض الكتاب في قالب من النصائح الدينية، أو التنمية البشرية. مثل أن تقتل أحدهم لأنه يفعل شيئًا لا يعجبك، أو أن تتنمر على زميلك في الدراسة لمجرد كونه خجولًا في الصف.

القراءة لمن يستبيحون حرمات الأجساد والنفوس، ليست قراءة بهدف التثقف واكتساب المعرفة، إنها قراءة بهدف الهبوط إلى هاوية لا قرار لها. وصدقني، إذا هبط في تلك الهاوية، ستتساوى مع الحيوان. لأن الفرق بيننا وبين الحيوانات، هو أننا تلحفنا برداء التحضر بالفعل، بينما الحيوانات ما زالت تتعارك في التراب.

هل تحب أن تتعارك في التراب؟

كثرة القراءة تحرق الأعصاب

عندما يكون الأدب، وسيلة للموت البطيء!

ربما تعتقد أن مصطلح (حرق الأعصاب) كليشيه للغاية وتكراري بدرجة كبيرة، لكن مهلًا، الأمر حقيقي يا صديقي.

كم مرة قرأت رواية عبقرية للغاية، حتى وجدت نفسك لا تحرك جسدك إلا للذهاب للمرحاض ثم العودة مجددًا؟ كم مرة بدأت القراءة في الساعة الواحدة، وفجأة أتت الساعة السادسة وأنت على نفس الوضعية، وحاملًا لنفس الكتاب؟

مرات كثيرة بالطبع، وهذا ببساطة يرجع لتأثير القراءة، سحرها يستولي على قلبك وعقلك بسهولة، ويُجبرك على الانصياع له حتى النهاية. لكن للأسف، هذا السحر الأخّاذ يأتي على جهازك العصبي بالسلب. بعد انتهاء جلسة القراءة التي امتدت لخمس ساعات كاملة، ستجد أن عيناك تحرقاك، جسدك مُنهك، وربما شرع الصداع في طرق أبواب جمجمتك بالفعل. وإذا كنت مريضًا بحساسية جيوب الأنفية مثلي، وقتها ستصير القراءة الطويلة كابوسًا لا تتمنى أن يصادفك أبدًا.

لذلك حاول أخذ فترة راحة بين الفصل والفصل، أو عندما تشعر بالإنهاك، اترك الكتاب مع وضع علامة على مكان التوقف، ومدِّد قليلًا على الأريكة أو السرير، ثم عاود القراءة مجددًا بعد أن تسترد عافيتك.

ومن الناحية الأخرى، القراءة المطولة تستدعي حرق الكثير من الكافيين والنيكوتين. أنا شخصيًّا مدمن على شرب القهوة، وبما أن القراءة تستهلك من سعراتي الحرارية الكثير، وتُجبرني على التركيز بشدة، فأكون مُلزمًا باستهلاك ثلاثة أكواب من القهوة المركزة على الأقل أثناء القراءة. وهذا على المدى الطويل، جعلني مدمنًا على الكافيين أكثر، وعند مجرد التفكير في تخفيف نسبته، تظهر عليّ أعراض الانسحاب على الفور.

التكديس القهري عرض جانبي رئيسي

عندما يكون الأدب، وسيلة للموت البطيء!
القراءة السلبية والتكديس القهري كعرض جانبي رئيسي.

في وجهة نظري، هذا واحد من أكبر وأخطر أضرار القراءة السلبية حصرًا: التكديس القهري!

القارئ بطبيعته، يحب القراءة، هذا طبيعي. لكن بالنسبة لشريحة كبيرة من القرّاء، القراءة تتعدى حدود المعرفة، وأصبحت تقترن فجأة بملمس الكتاب، خشونته، رائحته، وحتى بروز الحبر على الورق. أنا لن أكذب، أنا أحد هؤلاء، وأتمنى الإقلاع عن هذه العادة، لكن لا أعرف كيف فعلًا. أتشارك معكم أحزاني فحسب يا رفاق، تحملوا معي رجاءً.

التكديس القهري هو شراء كتب لن تقرأها تقريبًا في حياتك على الإطلاق، لمجرد أن الغلاف أعجبك، أو أن الكتاب زهيد السعر. فجأة ستجد في مكتبتك عشرات العشرات من الكتب التي تنتمي إلى تصنيفات أنت لا تحبها على الإطلاق، لكنها كانت مغرية وقت شرائها بدون شك.

وفي نهاية المطاف ما النتيجة؟ أجل يا عزيزي، كما توقعت بالضبط، مئات الكتب التي تحتاج إلى 10 أضعاف عمرك كي تُنهيها. هذا يحرق أموالًا أنت تحتاجها بالفعل في جوانب حياتية أخرى، لكن قررت إيثار الكتب عليها. ونتيجة لذلك، عندما تحتاج المال بشدة لأمرٍ هام، ستندم، وتتمنى إن كنت وزعت المال بمنطقية، وأعطيت لكل شيء حقه منذ البداية.

الشعور بالغرور الزائف

عندما يكون الأدب، وسيلة للموت البطيء!
من أضرار القراءة السلبية الشعور بالغرور الزائف.

ربما هذا العَرض الجانبي غير موجود في أغلب شرائح القرّاء، لكنه موجود في بعضهم بدون شك.

عندما يدخل أي قارئ إلى عالم القراءة حديثًا، يشرع في استهلاك الروايات أولًا، ثم ينتقل بالتدريج إلى الكتب المعلوماتية. وبعد قراءة 10 كتب مثلًا، يبدأ في تدارك وجود بحور من المعرفة التي لم يمسسها طيلة حياته. وأخيرًا بعد أن ارتشف القليل من تلك البحور، شعر بالزهو والغرور، قائلًا: “أنا مثقف، أنا عبقري!”.

هذا الغرور الفارغ نتيجته هي التي نجدها على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام. هذا الأمر متجسد في الذين يدخلون في أي نقاش، ويتغنون بقراءة الكتاب الفلاني أو الرواية العلانية، مع الحرص على تحقير رأي الطرف الآخر لمجرد أنه لا تبدو عليه هيئة (الثقافة) التي يحبونها. إنها تلك الهيئة التي تتمثل في تصوير صفحة من كتاب بجانب فنجان قهوة، مع كتابة جملة عميقة، ثم نشر الصورة، وغلق الكتاب والنوم في سلام.

القراءة الانغماسية تسبب التوحد والانطوائية

القراءة السلبية وأضرارها .. عندما يكون الأدب، وسيلة للموت البطيء!

لشديد الأسف، الانغماس في القراءة يسبب الانطوائية والانعزال عن العالم.

المثير في الروايات مثلًا هو أنها عالم مفتوح، غير مقيد، وغير محدود. يمكنك الجلوس مع أي كاتب على المقهى، والاستماع إليه وهو يحكي قصته بمنتهى الهدوء والبشاشة. ويمكنك دفع الحساب وترك الكاتب إذا أردت، لا يوجد نوع من العقاب هنا.

القراءة تمثل للكثيرين مكانًا آمنًا ولطيفًا، مكان بعيد كل البعد عن ضغوطات الواقع المليء بالوصم المجتمعي والقلق والبشر الذين رفضوا التطور وظلوا على حالتهم الحيوانية. وبالطبع لكَون هذا المكان آمنًا ولطيفًا، الجلوس فيه يصير مغريًا أكثر وأكثر مع الوقت. حتى يصاب الإنسان بالانطوائية والتوحد مع تلك العوالم الخيالية، وينسى أن هناك عالمًا واقعيًّا بالخارج.

ونتيجةً لذلك، عندما يحتك (مُجبرًا) بالعالم الواقعي، تجده يتصرف بغرابة. أنا كنت هكذا، كنت أخاف من التحدث للآخرين، كانت ضربات قلبي ترتفع إذا نظرت في عين أحدهم لمدة ثانية واحدة فقط، وأتذكر مفاصلي التي ترتعش على الفور عندما يوجه أحدهم الكلام لي.

لكن مع الوقت، استطعت الموازنة بين حياتي الاجتماعية وحياتي الترفيهية، وباتت القراءة وسيلة ترفيهية وتثقيفية في حياتي، ولم تصبح بديلًا عن الحياة الواقعية كما كان الأمر سابقًا.

1

شاركنا رأيك حول "القراءة السلبية وأضرارها: عندما تكون الكتب وسيلة للموت البطيء!"