محاولات مضنية للحفاظ على مكتبة دفنت فيها كنوز إيميلي برونتي وجاين أوستن

نور الهدى بن الحاج ابراهيم
نور الهدى بن الحاج ابراهيم

5 د

يضيع الموروث الثقافي لحضارات تاريخية كبيرة في ظل استعمار ثقافي واقتصادي واجتماعي حديث لا ينفك يسرق من مستعمراته تراثها المادي والمعنوي، ليزين به جدران متاحفه ورفوف مكتباته، ويسد به الثغرات التي كانت نتيجة فقره التاريخي. هذا ما حدث للعديد من التحف المصرية القديمة التي افتكها الفرنسيون، ووضعوها في متحف اللوفر مثلًا. ولا تنحصر هذه الممارسات في العلاقات بين الدول والمستعمرات بل يمكن أن تقوم في داخل نفس الدولة لدوافع مادية وربحية فتشمل حتى المكتبات التي تخفي بين جدرانها كنوزًا دفينة.

دفنت فيها كنوز "إيميلي برونتي" و"جاين أوستن" - كنوز مكتبة Honresfield

محاولات إنقاذ أعمال أدبية مهمة لـ “برونتي” و”أوستن” من البيع في مزاد علني
محاولات إنقاذ أعمال أدبية مهمة لـ “برونتي” و”أوستن” من البيع في مزاد علني
  • ما الذي يحدث إذًا في مكتبة “Honresfield”؟ وما مآل الكتب النادرة التي تحافظ عليها هذه المكتبة المهددة بإفراغها من كنوزها؟

مخطوطات آل برونتي في مكتبة Honresfield

تتالت الأخبار حول بيع رسائل ويوميات ومخطوطات نادرة جدًا ومكتوبة بخط اليد لكل من الأختين “برونتي” و”جاين أوستن” و”والتر سكوت” الموجودة في رصيد كتب مكتبة “Honresfield” في سلسلة مزادات علنية ستنطلق يوم 2 يوليو، تنظمها سوثبيز للمزادات Sothby’s وهي إحدى أقدم دور المزادات في العالم.

ولئن أثارت هذه الأخبار مشاعر الفرح في نفوس القرّاء الذين لم يتسنَّ لهم الإطلاع على هذه المجموعة الخاصة التي لم تعرض للعموم منذ سنة 1939، فقد اعتبرتها الجمعيات الثقافية وإتحاد المكتبات والمتاحف البريطانية تهديدًا لموروث ثقافي عمومي، للجميع الحق في الانتفاع به.

ذو صلة

إميلي برونتي

إميلي برونتي كاتبة بريطانية. بتأليفها رواية Wuthering Heights، التي تعتبر الآن من الأدب الإنكليزي الكلاسيكي.
إميلي برونتي

من بين هذه الأعمال، وحتى نفهم قيمتها المادية والمعرفية، نجد ديوانًا للكاتبة إيميلي برونتي، تركت عليه أختها “شارلوت برونتي” (صاحبة رواية Jane Eyre – جين آيير) لمستها مصححة بعض الأخطاء، قدرت قيمته بين المليون والمليون يورو ونصف، (قدرت المجموعة كاملة بـ17.5 مليون يورو). اعتبرت “سوثبيز للمزادات” هذا الحدث حدثًا خياليًا صنعه أساسًا كل من “ألفريد” و”ويليام لاو” في نهاية القرن التاسع عشر كما أشارت إلى مساهمة “آرثر بيل نيكولس” زوج “شارلوت برونتي” في تجميع هذه الوثائق التي لم يطّلع عليها طيلة التسعين سنة الماضية أكثر من أستاذين جامعيين.

شارلوت برونتي

شارلوت برونتي مؤلفة وشاعرة إنكليزية ألفت عدة روايات مهمة اعتبرها النقاد من كلاسيكيات الأدب الإنكليزي.
شارلوت برونتي

شرع “ألفريد” و”ويليام لاو” في تكوين مكتبة Horensfield منذ 1890، وكانا قد جمعا أعمالًا كثيرة لعائلة “برونتي” من منزلهم في “هاورث”، والذي تحول اليوم إلى متحف لهم. بعد موتهما، انتقلت ملكية هذه الأعمال إلى شخص مقرب، فتح أبواب المكتبة للعموم ولكن تلك الفترة لم تمتد طويلًا، إذ عند رحيله عن العالم في 1939، لم يرجع البعض كتبًا ووثائق استعاروها وحرم الجميع حينها من كنوز تلك المكتبة الدفينة.

يذكر أن شارلوت برونتي، هي روائية وشاعرة إنجليزية، وهي الأخت الكبرى للإخوة برونتي، حيث يُعتبر الإخوة الثلاثة: شارلوت (1816-1855)، وإيميلي (1818-1848) وآن (1820-1849) من رائدات الأدب الإنجليزي في العصر الفيكتوري، وذلك على الرغم من أن إيميلي برونتي لم تكتب إلا رواية واحدة هي مرتفعات وذرينغ، وكن ينشرن قصائدهن، ورواياتهن تحت أسماء ذكور مستعارة.

اقرأ أيضًا:

  • مخطوطات تاريخية نادرة .. سعر النسخة الواحدة منها ملايين الدولارات!
  • هربًا من سطوة المجتمع الذكوري: أشهر كاتبات لجأن للتخفي وراء أسماء رجال

محاولات إنقاذ مكتبة Honresfield

كنوز مكتبة Honresfield - "إيميلي برونتي" و"جاين أوستن"

محاولات إنقاذ أعمال أدبية مهمة لـ “برونتي” و”أوستن” من البيع في مزاد علني
محاولات إنقاذ أعمال أدبية مهمة لـ “برونتي” و”أوستن” من البيع في مزاد علني

استقبل اتحاد المكتبات والمتاحف البريطانية هذا الخبر بقلق ورفض شديدين فاجتمع بأعضائه وأعلن فكرة محاولة جمع المبلغ المطلوب لشراء هذه السلسلة من الأعمال النادرة حتى لا تتحول من ملكية عامة إلى ملكية خاصة فتكون الخسارة الكبرى. بالتعاون مع الجمعية الخيرية البريطانية “أصحاب المكتبات الوطنية”، نجح في إقناع دار المزادات المعنية بتأجيل المزاد حتى يتسنى له جمع المبالغ المطلوبة.

أشار مدير هذه الجمعية “جون سكالي” إلى الموضوع قائلًا: “نحن مصرون على جمع الأموال المطلوبة لإنقاذ مكتبة Honresfield بهدف مشاركة محتواها مع الجميع”. كما دعت الجمعية الجهات المانحة والفئات المؤيدة لهذه المبادرة لتقديم الإعانات اللازمة والتحرك في سبيل إنقاذ الإرث الثقافي البريطاني والذي يتجاوز في قيمته العالم الماديّ.

بيع الكتب التي تتبع هذه المكتبة العريقة التي ظلت للأسف الشديد مغيبة منذ 1939 لم يبدأ في الآونة الأخيرة، إذ انطلقت سوذبيز في عملية البيع والشراء الوحشية تلك منذ نهاية شهر مايو، فولدت معها العديد من المبادرات الرافضة، وعلا صوت الجمعيات والمؤسسات المهتمة بالمكتبات كـ”British Library” و”National Library of Scotland” و”Bronte Parsonage museum”، التي كثفت مجهوداتها وعملت على المحافظة على هذا الزاد المعرفي مع إمكانية توزيعه بعد ذلك على المكتبات العمومية البريطانية.


رسائل جاين أوستن

مكتبة دفنت فيها كنوز "إيميلي برونتي"

محاولات مضنية للحفاظ على مكتبة مفقودة دفنت فيها كنوز الشقيقات برونتي

لم تكن كل الأعمال المعروضة للبيع ضمن مقتنيات مكتبة Honresfield متعلقة بآل برونتي، إذ عرضت كذلك دار سوذبيز مخطوط رواية لـ”والتر سكوت” تعود إلى سنة 1817 بعنوان “Rob Roy” وقد قدر ثمنها بين 560،000 و840،000 دولار، إلى جانب رسالتين مهمتين كتبتهما “جاين أوستن” لأختها “كاسندرا” وقد كان ما تبقى للعالم من مجمل رسائل “أوستن” 3 رسائل وضعت في إحدى المكتبات.

جاين أوستن

جاين أوستن كاتبة بريطانية، نالت الشهرة بعد وفاتها، وتعد أعمالها من كلاسيكيات الأدب الانكليزي.
جاين أوستن

إزداد توحش أصحاب الأموال في السنوات الأخيرة وتضاعف جشعهم حتى شهدنا حملات بريطانية كثيرة ومتتالية ترمي إلى إنقاذ ما بقي لبريطانيا وللإنسانية من قطع أدبية وخير دليل على ذلك كان حادثة شراء بريطانيا لكتاب شارلوت برونتي المصغر سنة 2019 الذي تم أخذه إلى فرنسا.

في هذا السياق، قال Richard Ovenden مدير مكتبة بودلي -وهي إحدى أقدم المكتبات في أوروبا وثاني أكبر مكتبة في بريطانيا- إنه على الجميع الآن التحرك معا للمحافظة على هذا الإرث الأدبي وتشارك بعض أمثلته.

إن ما يبقى بعد الحروب والأوبئة والمحارق والإبادات الجماعية هو الموروث الثقافي الذي تركه الراحلون للباقين حتى يحيوا فيهم أصولهم التاريخية ويذكروهم بأخطائهم وينقلوا لهم معارفهم. والكتب هي ذلك الموروث الذي لا يموت، فإن أحرق يومًا في جزء من ألمانيا النازية، وجدت من يحاول حفظه ليعيد كتابته وإن بيع اليوم في بريطانيا، التفت المكتبات حوله.. ما أضيق العيش لولا فسحة “الكتب”.

لك أيضًا:

  • الكتب مقابل الإنترنت: من الرابح في النهاية كمصدر أساسي للمعلومات؟
  • أقوى نساء العالم من الكاتبات الملهمات الأكثر تأثيرًا خلال 2020

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات