إله آينشتاين
1

كتبَ آينشتاين في 24 ديسمبر مِن عام 1926 قائلًا: «تعرض النظرية صفقة جيدة لكنها بالكاد تقربنا مِن فحوى تلك القديمة. وأنا في كل الأحوال، مُقتنع أنه لا يلعب النرد».

كانت هذه استجابة آينشتاين لرسالة مِن الفيزيائي الألماني «ماكس بورن» قلب نظرية ميكانيكا الكم الجديدة الذي لطالما جادل وفرقعَ بها بشكل عشوائي غير منتظم هنا وهناك. فبينما كانت الفيزياء قبل نظرية الكم تدور حول «فعل هذا» و«الحصول على ذلك» ظهرت ميكانيكا الكم لتقول أنّنا عندما نقوم بفعل «هذا» فإننا نحصل على «ذلك» فقط باحتماليّة مُعينة، وفي بعض الظروف قد نحصل على «أشياء أخرى».

أما آينشتاين فلم يقر كل ذلك وكان مُصرًّا على أن الإله لا يلعب النرد مع الكون، إذ تردد صدى هذه العبارة عبر العقود لتكون ربما أكثر شهرةً مِن معادلته: E=MC2 فما الذي عناه آينشتاين بذلك؟ وما هو تصوّره عن الإله؟

اليهودي الملتزم… إلى حين

كان هيرمان وباولين آينشتاين مِن اليهود الأشكيناز غير المُتشددين، وبالرغم من علمانيّة أبويه، اكتشفَ ألبرت الطفل ذي التسع سنوات اليهوديّة واعتنقها بشغف كبير، ولفترة مُعتبرة كان يهوديًا مُلتزمًا مُواظبًا على واجباته. قام والداه اتباعًا للعادات اليهوديّة بدعوة أحد الباحثين الفقراء لمشاركتهم وجبة الطعام كل أسبوع، كان هو طالب الطب الفقير «ماكس تالمي» الشاب اليافع الذي تأثر به آينشتاين وتعلّم منه الرياضيات والعلوم مِن خلال المجلدات الـ 21 مِن تأليف «آرون بيرنشتاين» تحت عنوان «كتب شعبية في العلوم الطبيعية» ثم قام بتوجيهه لقراءة فلسفة “إيمانويل كانت” مِن خلال كتاب «نقد العقل المحض» والذي تحوّل مِن بعده نحو قراءة فلسفة «ديفيد هيوم» ومِن هيوم أخذ قفزة صغيرة نحو الفيزيائي النمساوي «إرنست ماخ» الذي كان يلتزم المنهج التجريبي الإمبريقي بشدة، والمعتبر كفلسفة رأس مالها «أن ترى لتصدق» مما يتطلّب رفضًا كاملًا لظواهر الميتافيزيقا مُتضمنًا بذلك مفاهيم الزمان والمكان ووجود الذرات.

ساهمت هذه الرحلة الفكرية في تعميق الشرخ والصراع بين كل مِن العلم والكتاب المقدّس. لذلك أعلن الطفل ذو الـ 12 سنة التمرد مُطوّرًا نفورًا كبيرًا مِن الغوغائية التي وجدها في الدين المنظّم الذي قد يستمر لطيلة حياته، وقد امتد هذا النفور لكل العقائد السلطوية بما فيه ذلك الإلحاد الغوغائي حتى.

في الطريق إلى النسبية الخاصة والعامة

خدمَ هذا الابتعاد عن المنهج الامبريقي آينشتاين بعض الشيء لا سيما بعد 14 سنة. إذ ساعدَ رفض الفيزيائي ماخ لفكرته عن الزمان والمكان في تشكيل نظرية النسبية الخاصة (إضافةً للمعادلة الشهيرة E=MC2). والتي صاغها في عام 1905 عندما كان يعمل كخبير تقني في مكتب براءات الاختراعات السويسرية في مدينة بيرن. بعدها بعشر سنوات أكمل آينشتاين تغيير فهمنا نحو الزمان والمكان مِن خلال صياغته للنسبية العامة التي تم بها استبدال قوة الجاذبية بمفهوم الزمكان المنحني. إلا أنه كلما كبر أكثر وازداد حكمةً زاد رفضه لإمبريقية ماخ، لدرجة أنه قال في أحد المرات: «ماخ جيد في الميكانيك إلا أنه تعيس في الفلسفة».

بمرور الوقت طوّر آينشتاين موقفًا أكثر واقعيةً، إذ فضّل قبول فحوى النظرية العلميّة بشكل أكثر عمليّة مِن خلال اعتماده «الصحة» كتمثيل للواقع المادي الموضوعي. وعلى الرغم مِن أنه لم يعد يرغب بأي جزء مِن الدين إلا أن الإيمان بالإله الذي حمله مِن لحظات اعتناقه اليهودية القصير، أصبحَ الأساس الذي قام بتشييد فلسفته عليه. فعندما سُئلَ عن أسس مواقفه العقلانية أجاب شارحًا: «ليس لدي تعبير أدق مِن مُصطلح (ديني) لأشير للثقة التي نضعها للسمة العقلانية للواقع وكونهُ مفهومًا، على الأقل إلى مدى ما للعقل البشري».

إله سبينوزا

كان إله آينشتاين إله الفلسفة لا الدين. فعندما سُئل بعد سنوات طويلة إن كان يؤمن بالإله قال مُجيبًا: «أؤمن بإله سبينوزا الذي يكشف عن نفسه في تناغم القوانين ضمن كل الموجودات، وليس بالإله الذي يشغل نفسه بمصائر البشر وأفعالهم». أما الفيلسوف باروخ سبينوزا فهو مِن مُعاصري الفيزيائي إسحاق نيوتن وغوتفريد لايبنتز، وقد آمنَ سبينوزا بإله مُطابق للطبيعة نفسها، ولهذا كان قد اعتُبرَ مهرطقًا خطيرًا وتم طرده مِن مجمع الطائفة اليهوديّة في أمستردام.

كان إله آينشتاين مُتطورًا وبلا حدود، غير شخصي ولا يمكن ضبطه وتحديده، بل مُتناغم ولا يتربص المكائد. كما أنه «حتمي Determinist» بشكل قطعي. إذ أن آينشتاين كان مهتمًا بالإله «مُتناغم القوانين» والتي أسس عليها الكون بالتزام تام بالمبادئ الفيزيائية وفق مفهوم السبب والتأثير، ولهذا لا نجد في فلسفة آينشتاين مكان للإرادة الحرة، وعليهِ قال: «كل شيء مُحدد ومحتوم، مِن البداية وحتى النهاية، بواسطة قوّة لا نستطيع التحكم بها… جميعنا يرقص وفقًا لإيقاع غامض، نمرح في مسافات يحكمها لاعب مجهول».

أعطتْ النظرية النسبية بشقيها العام والخاص تصوّرًا جديدًا لفهم الزمان والمكان وتفاعلاتهما الحيوية مع المادة والطاقة. وتوافقتْ هذه النظريات بشكل تام مع فكرة «تناغم القوانين» التي أسس عليها ألبرت آينشتاين إلهه. إلا أن النظرية الجديدة في الكم والتي ساعد آينشتاين نفسه في إيجادها عام 1905 كانت تُخبر بقصة أخرى تمامًا. إذ تعتمد تداخلات الميكانيكا الكمية مُتضمنةً المادة والإشعاع على المقياس الذري والجزيئي، لتقف بذلك ضد الخلفية العامة للزمان والمكان.

في بواكير عام 1926، قامَ الفيزيائي النمساوي «إيرفين شرودنجر» بقلب جذري للنظرية مِن خلال صياغتها في مصطلحات بدلًا مِن مفهوم «الدوال الموجية» الغامضة. وفضّل شرودنجر نفسه أن يتم تفسير هذا بشكل عملي مُعطيًا إياها وصفًا كـ «أمواج ماديّة». وسرعان ما تزايد الإجماع على ذلك، ومن ثمّ دُعمت مِن قبل الفيزيائي الدينماركي «نيلز بور» والفيزيائي الألماني «فيرنر هايزنبرغ». إلا أن هذا التمثيل الكمومي الجديد لا ينبغي أن يُؤخذ بشكل حرفي تمامًا.

قطة شرودينغر: مسألة أعمق بكثير مما قد سمعته عنها على الأرجح

ما بين العلم والفلسفة

جادلَ كل من هايزنبرغ وبور في أنّ العلم أخيرًا اصطدم مع مشاكل مفاهيمية تتضمن وصف ماهيّة الواقع التي حذّر منها الفلاسفة لقرون. وقد اقتُبِسَ عن بور قوله: «لا يوجد عالم كمي بل وصف للعالم الفيزيائي الكمي المجرّد. مِن الخطأ أن نعتقد أن مهمة الفيزياء اكتشاف ماهيّة الطبيعة، إنما تُعنى بماذا بإمكاننا أن نقول عن الطبيعة». أما هايزنبرغ فقد صرّح بنبرة الفلسفة الوضعيّة المُبهمة: «علينا أن نتذكر أننا لا نرصد الطبيعة بذاتها إنما الطبيعة وفقًا لمنهجيتنا في التساؤل». إذ أنكر أينشتاين التفسير ذائع الصيت «تفسير كوبنهاغن» باعتباره تمثيل الدالة الموجيّة للحالة الفيزيائية الحقيقية للعالم الكمي، وسرعان ما أصبحت هذه الفكرة هي السائدة عند التفكير في الميكانيكا الكمية.

مفارقة EPR: أخطر سلاح تم رفعه في وجه ميكانيك الكم

تقترح أحد الافتراضات حول التفسيرات غير الواقعية، أن الدالة الموجية هي ببساطة طريقة لترميز «تكويد» خبراتنا، وعقائدنا الشخصية مُشتقة مِن خبراتنا الفيزيائية، مما يسمح لنا باستخدام ما جربناه في الماضي لنتنبأ بما سيحدث في المستقبل.

إلا أن هذا كان مناقضًا تمامًا لما هي عليه فلسفة آينشتاين، فهو لم يقبل التفسير بأن الهدف الأساس الذي تعكسه الدالة الموجية، يُشير إلى أنها «غير حقيقية». لم يستطع قبول أن الإله سيسمح لـ «تناغم القوانين» أن تتحطم تمامًا على المقاييس الذريّة حاملةً على ظهرها عدم اليقين واللاحتميّة. إضافةً لتأثيرات لا يمكن تنبؤها بشكل واضح ولا معرفة أسباب حدوثها.

بهذه الأفكار، كان المسرح قد أعِدَّ لأحد أبرز الجدالات التي حصلت في تاريخ العلم، خصوصًا مع إصرار كل مِن بور وآينشتاين على تفسيره للميكانيكا الكمية. فكانت بذلك صدامًا لفلسفتين مختلفتين وعقائد ميتافيزيقية مُسبقة عن طبيعة الواقع وماذا نتوقع مما يمكن للعلم أن يعكسه عنه. بدأ الجدل في عام 1927 وعلى الرغم مِن أن أبطاله الأوائل لم يعودوا معنا إلا أن النقاش حوله لا يزال قائمًا حتى الآن ولم يُحل.

التجربة التي حسمت النقاش بين نيلز بور وألبرت أينشتاين حول معنى ميكانيك الكم

في شهر شباط مِن عام 1954 وقبل 14 شهر فقط مِن وفاته، كتبَ آينشتاين رسالة إلى الفيزيائي الأمريكي ديفيد بوم يقول بها: «إذا كان الإله هو مَن خلق العالم، فإنّ همه الأساسي لن يكون حتمًا أن يجعلهُ سهل الفهم بالنسبة لنا».

1

شاركنا رأيك حول "ماذا قصد آينشتاين بقوله «الإله لا يلعب النرد»؟"