الخطابة عند اليونان
1

تعني الخطابة عند اليونانيين دراسة وجوه الكلام وكيفية التأثير به. ولعل أرسطو طاليس هو أول من تكلم عن الخطابة [1]، فـ “الريطورية -أي الخطابة- قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأمور المفردة” ويضيف موضحًا أن:

“كل واحدة منها معلمة ومقنعة في الأمور التي تحتها. فالطب يعلم ويقنع في أنواع الصحة والمرض، والهندسة في الأشكال التي تحدث في الأجسام، والحساب في ضروب الأعداد، وكذلك سائر الصناعات والعلوم الأخرى”.

حتى حدود القرن العاشر قبل الميلاد، ظهر بين الناس نقاش شديد في مجال المال والملكية، والذي انتهى إلى طرح الدعاوى في المحاكم لتنظر وتقضي فيما حدث بينهم من خلاف وشقاق، إذ كان الخطباء يلعبون دور المحامين في هذه المحاكم والمحافل للفصل بين الظالم والمظلوم[2]. لهذا يرى العديد من المؤرخين أنه لا وجود يذكر لـ “الخطباء اليونانيين” قبل التاريخ المذكور سلفًا.

كتب تأخذك في رحلةٍ ممتعة إلى أرض الفلسفة من قبل أرسطو وحتى اليوم

دور جمهور المستمعين

يقدم أرسطو تصنيفًا ثلاثيًا لأنواع الخطابة، علمًا أن معيار التقسيم يستند على طبيعة ودور جمهور المستمعين:

الخطابة السياسية

إن كان يُطلب من المستمعين إصدار حكم على أمور مستقبلية كان نوع الخطاب سياسيًا، لأن الخطيب يتحدث عن أمر عام في المجلس النيابي ربما يتخذ بشأنه إجراء أو يصدر حكمًا بشأنه في المستقبل.

الخطابة القضائية

فإذا كان مطلوب من المستمعين أن يصدروا حكمًا في أمور ماضية كان نوع الخطاب قضائيًا، لأن الخطيب يتحدث عن أحداث حدثت في الماضي لكي يتسنى لهيئة المحلفين أن تصدر حكمًا بشأن هذه الأحداث.

الخطابة الأدبية

أما إذا كان الجمهور غير مطلوب منه أن يصدر حكمًا، فإن أرسطو يطلق على هذا النوع من النص الخطاب الأدبي.

لكن أرسطو يؤكد أن الخطاب الأدبي يتضمن، هو الآخر، نوعًا من إصدار الحكم؛ بمعنى أن الجمهور في هذا النوع من الخطاب لا يكون سلبيًا، وإنما يكون له موقف ووجهة نظر حول مدى تأثير الخطيب وقدرته على جذب اهتمام السامعين وهو ما يحدث عادة عند قراءتنا للأدب فإننا نقرأه أو نسمعه ونحكم على قدرة الكاتب أو المتكلم الأدبية.

هل كان لدى الإنسان تكنولوجيا خارقة قبل آلاف السنين؟

السفسطة التي تفحم الخصوم

في سياق التحول الذي عرفه المجتمع الأثيني خلال القرن الخامس قبل الميلاد، من مجتمع زراعي إقطاعي يرتبط بالقليل، إلى مجتمع تجاري يمارس الحرف والصناعة ويعتمد على الكفاءة الفردية والمبادرة الحرة، ظهرت المدرسة السفسطائية.

لقد ظهرت طبقة جديدة من رجال التجارة وأرباب الصناعات، وتحول المجتمع الأثيني إلى مجتمع ديمقراطي يحتكم إلى حرية التعبير في المجالس الانتخابية ويصوت عليها. بالتالي اختفى ذلك الحكم الوراثي أو التفويض الإلهي، وأضحى لكل مواطن الحق في اعتلاء أعلى مراتب السلطة. وسارعت الطبقة الجديدة، ذات سلطة المال، إلى تعليم أبنائها فن الخطابة والجدل السياسي لإفحام خصومهم السياسيين.

هنا برز السفسطائيون للقيام بهذه المهمة. مقابل المال كانوا يزودون أبناء الأغنياء بأسلحة الجدل، ويلقنونهم كيفية استخدام بلاغة الكلمة في المرافعات والمناظرات، هكذا تحول التعليم إلى وسيلة لكسب المال مع السفسطائيين.

الخطابة تستند على الأدلة والشك

كما سبق ذكره، يعد أرسطو من أوائل الفلاسفة الذين اهتموا بفن الخطابة عندما تناولها بتفصيل دقيق في كتابه الذي يُعد من مفاخر الثقافة اليونانية في مجاله وقد دخل إلى مناخ الثقافة العربية خلال القرن الهجري الثالث، وتناوله الفلاسفة المسلمون (الفارابي 339 هـ، ابن سينا 429 هـ، وابن رشد 595 هـ) بالشرح والتلخيص.

ولقد احتفتْ أوروبا بكتاب الخطابة هذا منذ القرن الثاني عشر الميلادي إلى اليوم، فبعد ظهور النص اليوناني ظهرت للكتاب ترجمة لاتينية، ثم تعددت ترجماته إلى اللغات الأوروبية الحديثة، فأضحى الكتاب من كنوز الثقافة الأوروبية.

إلى حد بعيد، برع فلاسفة اليونان في فن الخطابة؛ لقد استعمل سقراط أسلوب المحاورة للتمييز بين الفضيلة والمنفعة. وعلى طرف النقيض كان السفسطائيون يستندون على أسلوب الخطابة التقريرية، الذي يراه سقراط بأنه لا يصقل إنسانًا صالحًا، لهذا دعا الحكام إلى منع السفسطائيين من التغرير بالشباب.

أما أفلاطون فقد استخدم أسلوب الجدل، واتفق مع أرسطو في بداية الأمر، غير أنه كان يميل أكثر إلى القياس والمنطق، ثم تصدى للخطابة مميزًا بينها وبين الفلسفة من جهة، وبين الأخلاق من جهة أخرى، لذا فإن أرسطو جعل الخطابة فنًا قائمًا بذاته واضعًا حدودًا بين الخطابة والأخلاق. فالأخلاق تقوم على حقيقة شبه علمية، أما الخطابة فإنها تقوم على الأدلة والشك [3].

يشترط في الخطابة أن تكون ذات هدف نبيل يسعى إلى إبراز الحقيقة، وفق مذهب أفلاطون الذي يرى بوجوب توافر مبدأين حتى تنشد الخطبة وظيفتها: أولًا، يجب أن يدرك الخطيب المجال الذي يخاطب حوله، ويشمل ضمن فكرة واحدة خصائصه المتفرقة. ثانيًا، على الخطيب أن يقسم محاور حديثه، بحيث تظل الأفكار المتجانسة مندرجة ضمن مجالها.

يبدو أفلاطون متحمسًا إلى الخطابة التي تقود إلى تشخيص المعرفة، ولا تحاول التغرير بالناس أو القضاة. كما يرى أن الإصلاح من شأن الخطبة لا يتم إلا إذا اهتم الخطيب بموضوع خطبته وعالجه معالجة دقيقة وألم بأصول علم الكلام وكان ماهرًا في الإلقاء خبيرًا بنفسية المستمعين. بالتالي، فالخطبة يجب أن تكون مثل الكائن الحي، ذو جسم خاص منظم، فلا يكون مبتور اليد أو القدم.

 “كرة القدم منتشرة لأن الحماقة كذلك”.. ما الذي كان يقصده بورخيس؟

[1] آرسطو طاليس، الخطابة، الترجمة العربية القديمة،  تحقيق عبد الرحمان بدوي، ص 9، دار القلم بيروت 1989.

[2] بشير ذو العلى درويش،  مقارنة بين الخطب الفارسية واليونانية والعربّية، موقع ديوان العرب، 6 مايو 2010.

[3] عبد الله بن عبد الوهاب العمري، آراء أفلاطون في الشعر والنثر ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، السعودية 2008.

1

شاركنا رأيك حول "الخطابة عند اليونان: فن الإقناع وليس السفسطة الساعية إلى إفحام الخصوم"