كافكا
2

سنناقش في هذا المقال اليوم رواية المسخThe Metamorphosi أو التحول للأديب فرانز كافكا كاتب الرواية الكابوسية الأول في القرن العشرين، وأزمته الوجودية بين التفرد والقطيع في عصر الاغتراب.

فمنذ وجوده على سطح البسيطة، يسعى الإنسان بكل كيانه ليجد لحياته معنى، وسبب وجوده العاثر، والآلام التي لا تنتهي، وربما هذا الأمر (البحث عن المعنى) هو من أسس الحضارة وما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن، واستطاع الكثير إيجاد الغاية عن طريق الروحانيات مثلًا، أو الثقافة والعلم، أو أمور أخرى قد تكون بسيطة في نظر الكثير، ولكنها عند البعض هي مربط الفرس والغاية، ولكن كما هي العادة دائمًا.

يواجه الكثير من البشر جدران صلبة، تمنعهم وتكبح حياتهم، وتتحول إلى ما أشبه بالجحيم الممتدة على طول سنوات العمر، ويضيع معها الشغف والأمل الذي قد يكون آخر نقاط الحياة لديهم، لتصبح كل الأعمال ومشاغل الحياة هي روتين تافه، ليس له وظيفة إلا طي صفحات العمر إلى أخر ورقة ويكون بعدها نسيًا منسيًا.

نرشح لك قراءة: فرانز كافكا سوداوي كئيب ساهم أدبه في إعلاء شأن الفنون جمعاء!

المسخ رواية فرانز كافكا وأزمته الوجودية

ظهر بالأدب المعاصر مصطلح الكافكاوية، والذي يشير إلى رمز الكتابة الحداثية المتشبعة بالتشاؤم والنظرة السوداوية والعبثية للواقع
فرانز كافكا كاتب الرواية الكابوسية الأول في القرن العشرين.

ولكي نفهم البؤس الزائد في المسخ أو التحول لا بد أن نعرف لمحة عن كاتبها فرانز كافكا، وهو أديب وروائي تشيكي (1882-1924) من أصول يهودية وكان يكتب باللغة الألمانية، ويعتبر من أفضل أدباء اللغة الألمانية في فن القصة والرواية، تصنف أعماله بالواقعية العجيبة، حيث في معظم رواياته يكون أبطالها غريبي الأطوار، وبشكل عام تأخذ روايته طابع بائس ينتهي بها أبطاله، لديه العديد من الأعمال ومنها: المحاكمة – القلعة – المسخ التي تعتبر من أفضل أعماله الأدبية، ويترجمها البعض تحت اسم التحول.

ومن الجدير بالذكر بأنه ظهر بالأدب المعاصر مصطلح الكافكاوية، والذي يشير إلى رمز الكتابة الحداثية المتشبعة بالتشاؤم والنظرة السوداوية والعبثية للواقع. ولا يمكننا مغادرة المقام قبل تذكر وصية كافكا الأخيرة لصديقه ماكس برود، الذي أوصاه بالقيام بحرقه كل كتاباته بعد موته، ولكن برود قرر عدم تنفيذ وصيته، والقيام بنشر أعماله لما تحتويه من أعمال أقل ما يقال عنها إنها إبداعية.

نرشح لك قراءة: أفضل عشرة أفلام مستوحاة من أعمال فرانز كافكا

المسخ بداية غريبة

فرانز كافكا على هيئة المسخ
فرانز كافكا على هيئة حشرة غريبة.

تبدأ قصة المسخ بحدوث شيء مفاجئ لبطل القصة غريغور سامسا، متمثل في اضطراب في النوم، وتفكير جنوني بعمله، وعند الصباح يستيقظ الموظف ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة! وكلما حاول سامسا الحركة يصبه ألم شديد، وأصبحت حركته شبه مستحيلة، ولكنه رغم ذلك أصر على الذهاب إلى العمل، غير مبال لحالته الجديدة المدهشة، وكل همه الوحيد هو العمل الذي لا يوجد أقدس منه لديه.

وداعًا أيها العمل

يكمل بنا فرانز كافكا بقصته مع بطله سامسا الحشرة الجديدة في مشواره الصباحي العتاد، الذي تحول لشيء غير عادي، فبعد جهد كبير بالحركة ورغم وصوله متأخرًا، يصل إلى القطار بالوقت المناسب، ويبدو على الناس التقزز منه ومحاولة تجنبه، حتى عند وصوله إلى عمله يشمئز منه سيده في العمل ويهرب إلى مكتبه رافضًا التحدث معه، لتحل على غريغور المصيبة التالية، إلا وهي فقدانه للنطق ولصوته، فها هي الوظيفة التي أفنى سنين عمره من أجلها وصب زهرة الشباب عليها لم يشفع له عند رب العمل، وليصبح عاطل عن العمل.

فقدان السند

مع استمرار وتتالي أحداث القصة يبقى سامسا متقبلًا للتحول بكل بساطة غير آبه بشكله الجديد، ولكن أهله لهم موقف مغاير، فكل أهله لم يتقبلوه في بداية الأمر إلا أخته، التي ما زالت تسعر بالامتنان لما بذله أخيها لها وللعائلة، ولكن سرعان ما تحول هذا الموقف إلى نكران الجميل، وتنضم إلى أسرتها في جحود خيره، ونسيان الماضي الزاخر له مع أهله، وأصبح همهم الأوحد هو التخلص من تلك القذارة التي على شكل حشرة.

نرشح لك قراءة: فرانز كافكا.. رحلة الألم والتشاؤم بدأت من الأب وانتهت بالمرض المزمن

نهاية المعاناة للجميع

المسخ رواية فرانز كافكا
المسخ أو التحول رواية فرانز كافكا وأزمته الوجودية بين التفرد والقطيع في عصر الاغتراب.

تستمر المعاناة التي أصابت غريغور بالتفشي في نفسه، وقضم كل ما كان ينتظره من هذه الحياة، وتسوء مع الوقت صحته مع نفسيته القاتمة كشكل جسده، حتى يقرر في نهاية المطاف الموت ليريح نفسه من عذاباته ويرح معه الأخرين من حوله.

والشيء الصادم بالأمر هو عند وفاته، فقد عم السرور والفرح في إرجاء المنزل، وقدم الأب نخب الفرح مع عدة صلوات منه ومن أسرته، فقد ارتاحوا من البؤس والقرف الذي سكن في منزلهم لفترة ليست بالقصيرة، لتعود حياتهم الروتينية كما كانت قبل تحول غريغور، وكأن شيء لم يكن.

أين كافكا من القصة؟

لقد أجمع العديد من النقاد على دخول شخصية فرانز كافكا بصورة غريغور إلى القصة، حيث كان كافكا برؤيته السوداوية للعالم، وشعوره الوارد في القصة بانسلاخه عن إنسانيته، ولا يخفى أيضًا التطابق الرهيب بين الشخصيتين، حيث كما غريغور كان كافكا منفصلًا عن أهله، ولا يشاركهم كما ذكر كافكا إلا في صلة الدم، والتشابه أيضا كون كافكا موظفًا وضمن النظام البيروقراطي، فقد كان يكن له كل الكره، ولا يشبه نفسه إلا بالترس متداخل مع باقي التروس في تلك الآلة الكريهة، وعرف بأن لا يوجد أمان للموظف في عمله ولو طوى سنين عمره فيه.

رسالة إلى الإنسانية

غلاف الطبعة الإنجليزية من رواية المسخ. - التحول
غلاف الطبعة الإنجليزية من رواية المسخ أو التحول للسودوي فرانز كافكا.

يحاول فرانز كافكا عبر رواية المسخ أن يفتح عيوننا على الاغتراب الذي نعيشه، ويتزايد مع ازدياد السنوات تراكمًا، فتشبيهه لشخصية غريغور بالانمساخ أو التحول، ما هي إلا صورة لانمساخ الذات الإنسانية عن الوجود برمته، وتلاشي الإنسان شيئًا فشيئًا حتى يختفي ضمن قطعان المجتمع وتختفي معه الفردانية التي يتميز بها الإنسان، فيحاول كافكا إرشادنا إلى طريقين لا ثالث لهما، إما أن تمسخ ذاتك الأصلية وتكون بلا هوية أو شخصية، وإما أن تبقى على هويتك الأصلية، لك رأي ووجود في هذا العالم اللامتناهي.

ذلك الانفصام الذي كان يعاني منه فرانز كافكا، من مجتمع لا ينظر إلى الإنسان إلا كأنه جزء صغير وتافه من المجتمع الأعظم، ونظرته لنفسه ولكل إنسان بأن له وجود وصوت في هذا العالم لا يجب كتمانه، جعل من كافكا رجل يعيش حالة الاغتراب من وقت ميلاده لحين لحظة وفاته.

 

2

شاركنا رأيك حول "المسخ رواية فرانز كافكا وأزمته الوجودية بين التفرد والقطيع في عصر الاغتراب"