كائن لا تحتمل خفته.. رواية إما أن تحبها، أو أنك قارئ كسول!
1

حسنًا، عندما قررت الكتابة عن رواية “كائن لا تحتمل خفته” للكاتب الشهير “ميلان كونديرا”، قررت أن أكون صريحًا، لذا سأبدأ القول بأن هذه الرواية هي علامة فارقة في الأدب. ولا أعتقد بأن حبها من عدمه يعود إلى أي ذائقة أدبية، هذه الحجة الواهية التي أصبحت مخرجًا سهلًا لتبرير قراءة أدب رخيص، لا يحمل أي سمة حقيقية للأدب. “لماذ؟” قد يسأل البعض.

الرواية المرجعية كائن لا تحتمل خفته

كائن لا تحتمل خفته - ميلان كونديرا
رواية ميلان كونديرا كائن لا تحتمل خفته

نقترب من أي نص مكتوب بأدوات معرفية تسلحنا بها، وهذه النصوص المقروءة تساعدنا في تأويل نصوص أخرى، فكل نص يمثل قطعة من لوحة ناقصة تساعدنا في فهم معنى حياتنا (إن وجود لهذه الحياة أي معنى) وإكمال تلك الصورة.

لذلك، قد نجد نصوصًا لا نفهمها، فنتهمها بأنها مملة أو عديمة المعنى، ولا نلقي على أنفسنا أي لوم بأننا لا نملك مفاتيح فهم هذه الرواية بعد. لا أحاول أن أظهر بمظهر المثقف المتحذلق، ولكنني فعلًا لا أرى أي سبب يدفع أي شخص لأن يقول بأن رواية ميلان كونديرا هذه مملة.

قد يُقبل عذر الذائقة الأدبية فقط عندما يستطيع القارئ فهم النص، ولكن لا يحبه، فمثلًا من الطبيعي أن نعترف بأن ما كتبه كونديرا أو محفوظ مثلًا أدب حقيقي ولكنه لا يناسب ذائقتنا الأدبية، هذا معقول ومقبول، أما أن نقول بأن أرض زيكولا أدب وعليه فإن كونديرا ممل، فهذا لا يمت للذائقة الأدبية بشيء.

عمومًا، كل هذه المقدمة جاءت لتفسر بأن متعة كائن لا تحتمل خفته قد لا تناسب القارئ الكسول، لن يحصل منها على أي متعة وسيرمي بهذا الكتاب عاليًا في الهواء غاضبًا على “حذلقة” كونديرا.

العود الأبدي

كيف لرواية تبدأ مع نيتشه أن تكون سهلة؟ وأي جرأة في افتتاح النص جاء من كونديرا. في كتابه العلم المرح، عنون نيتشه الحكمة رقم 341 تحديدًا بـ “أثقل وزن”، فيه يفترض حوارًا مع الشيطان. ابتدع سؤالًا استنكاريًا خصبًا: كيف سيكون رد فعلك إن طرح عليك سؤالًا بأن كل تفاصيل حياتك الصغيرة والكبيرة ستعيشها مرات ومرات دون توقف، فهل ستعض أصابعك ندمًا أم أنك ستقفز فرحًا؟

هذا السؤال سيهبط بثقله على طريقة عيشك بأثقل وزن، جاعلًا منك إنسانًا أفضل في كل حركة، سيلزمك أن تكون مسؤولًا. الفعل والإرداة يصل بينهما القرار. فكل قرار يتبع رغبة ويسبق فعلًا.

العود الأبدي
العود الأبدي

فرق كونديرا بين عالم العود الأبدي وعالمنا هذا، والفارق هنا بسيط حقًا. ففي عالم العود الأبدي تعلو قيمة المسؤولية الفردية لدى كل كائن، والمسؤولية ثقل وحمل كبير، لكن هذا الثقل تحديدًا هو ما يجعلنا بشرًا، هو يفرق بين الكائن واللاكائن، مانحًا إيانا خفة الكائن.

لو افترضنا أن للحرية قيمة كبيرة لدينا نحن البشر، وأنها تصنف في سلم القيم العالية، وتمعنا في مكوناتها لوجدنا أن المسؤولية والإرادة هما دعمتان رئيسيتان في تكوينها. لذلك تضع فكرة العود الأبدي هذا الثقل على الأكتاف، أن نتحمل مسؤولية خياراتنا وأفعالنا لنكون أحرارًا.

ثنائيات – أزواج من الأضداد

الخفة والثقل، الحب والشهوة، التخلي والتمسك، توماس وتيريزا، سابينا وفرانز، الروح والجسد. كلها ثنائيات انطلقت من فلسفة بارمينيديس، الذي تخيل العالم ينقسم إلى أزواج من الأضداد، أحدهم يقف على الناحية الإيجابية والآخر يقف على الطرف الآخر السلبي. فمثلًا النور إيجابي والظلمة سلبية، لكننا نقف حائرين أمام الخفة والثقل، أي من هذين الزوجين إيجابي؟

قد تبدو الإجابة عن السؤال سهلة، فنجيب بأن الخفة هي الإيجابية، فلا مسؤولية ولا قرارات ولا اختيار. لكن إذا عدنا قليلًا إلى فكرة العود الأبدي، وأزواج الأضداد سنرى بأن الثقل مرتبط بثنائية الكائن واللاكائن، والثقل سيجعل منا بشرًا، ولكنه سيشدنا إلى الأرض. وصف كونديرا ذلك بصورة بديعة:

“إن أكثر الأحمال ثقلًا يسحقنا، يلوينا تحت وطأته ويشدنا نحو الأرض… فكلما كان الحمل ثقيلًا، كانت حياتنا أقرب إلى الأرض، وكانت واقعية وحقيقية أكثر”

ربما لا تعني الحياة شيئًا، وربما هي خالية من المعنى، إلا أننا لن نستطيع أبدًا أن نتخلص من هذه اللعنة الشيطانية، فنحن مجبولون بالفضول، وهذا الفضول يدفعنا لكي نبحث عن معنى قد لا نجده أبدًا.

ثنائيات - أزواج من الأضداد
ثنائيات – أزواج من الأضداد

لا تكف هذه الأزواج عن الظهور مطلقًا، بل يأخذ كونديرا لها بعدًا آخرًا، وتحديدًا عندما تعني المفردة ذاتها معنى مختلف، ليشكل معجمًا صغيرًا للكلمات غير المفهومة.

كتب كونديرا ذلك في قسم بعنوان “الكلمات غير المفهومة”، وفيه نرى علاقة سابينا بفرانز، وكيف لكلمة واحدة أن يكون تعريفها في قاموس سابينا مخالفًا لتعريفها في قاموس فرانز.

“لو استعدت كل الممرات اللغوية بين سابينا وفرانز، فإن لائحة الكلمات غير المفهومة ستؤلف قاموسًا ضخمًا”.

إذًا لم يكتفِ ميلان كونديرا بأزواجٍ متضادة وحسب، بل بين بأن الأضداد والاختلاف قد يوجد في نفس المفردة، وهنا تكمن الخطورة. فعند حديثك عن الحب مثلًا، من الأفضل أن نقرأ تعريفه في قاموس من نخاطب، وإلا فإن حوارًا عبثيًا سيقودنا إلى ثقل سلبي.

الشخصيات الروائية

كائن لا تحتمل خفته -ميلان كونديرا
غلاف رواية “كائن لا تحتمل خفته” للكاتب ميلان كونديرا.

لا أعتقد أن مقالًا واحدًا سيكون قادرًا على تحليل شخصيات رواية كائن لا تحتمل خفته الأربعة. كل شخصية كانت نموذجًا يعكس مجموعة. تخيل هذا الدهاء، أن يمثل فرد جماعة. لا يتوقف كونديرا عن جعل كل شخصية مخلوقة بعناية وحسب، بل إن الرابط بينهم واحتكاكهم بعضهم ببعض كان تكامليًا بشكل رهيب.

توماس

“توماس مثلًا خلق من جملة: مرة واحدة لا تحتسب، مرة واحدة هي أبدًا”.

ينتمي توماس الجراح المرموق إلى طبقة المثقفين التشيكيين، التي تم تكميمها بعد الغزو السوفيتي لبراغ. يحاول توماس جاهدًا أن يقف على جانب الخفة، فيبدأ بالتخلي عن زوجته ومن ثم ابنه وبشكل غير مباشر عن ذويه.

أما في علاقاته مع الجنس الآخر، فإنه يعتبر الجنس والحب كيانين منفصلين وغير مرتبطين؛ يمارس الجنس مع العديد من النساء، ويحب امرأة واحدة، مفرقًا بشكل كبير بين فعل الجنس الشهواني، والوقوع في الحب بعلامة بسيطة: النوم.

إذا كان قادرًا على النوم بجانب تلك المرأة فذلك يعني بأنه يحبها، اقترن هنا الحب بالنعاس، والشهوة باليقظة. ولا يرى أبدًا أن ممارسة الجنس تعني خيانة من تحب.

يكتب توماس مقالة توقعه في حفرة أزلية، تحمله ثقلًا متزايدًا، وتجرده من حياته المهنية لأنه يرفض التخلي عنها. يأخذ توماس قرارات تجعل منه منظف زجاج بسيط، ثم مزارعًا ريفيًا، ينزل إلى الطبقات الدنيا من المجتمع بحثًا عن حياة هادئة.

فردانية توماس جعلته خائنًا في نظر زوجته، ومنشقًا في نظر الدولة، وجبانًا في نظر المعارضين. من خفة إلى ثقل، نشاهد حياة توماس تعبر أمامنا خلال هذه الرواية.

تيريزا

قد تكون تيريزا هي المثال الحقيقي للثقل، فعند نومها لا تنفك عن الإمساك بيد توماس بقوة كبيرة، حتى أنه عندما يتعب من ذلك، يستعيض عن يده بشيء ثقيل كي لا تصحو. فإذا كان الحب يعني النعاس والنوم، فإن الحب يعني الثقل، يعني أن نمسك بيد من نحب بقوة كبيرة، كي لا يطير مبتعدًا عنا.

الشفقة على تيريزا جعلت من توماس شخصًا ملعونًا، تعلم تيريزا ذلك جيدًا، تعلم بأنها عبء أثقل توماس، فتقرر أن تبتعد عنه، هنا يشعر توماس بخفة كبيرة، كونها هي من اتخذت هذا القرار، لكنها بذلك أثقلته مرة أخرى، بنوع آخر من الثقل، ثقل الشفقة المتسم بالحب.

تطورت شخصية تيريزا بشكل كبير خلال خط الرواية الزمني، على الرغم من أن توماس يبدو المسيطر على تيريزا، إلا أن ثقلها كان مسيطرًا على خفة توماس.

سابينا

سابينا هي المثال الأهم لخفة الكائن التي لا تحتمل. العلاقة بين سابينا وتوماس مبنية في تمامها على الخفة. تخلو علاقة توماس بسابينا من أي ثقل، وتزهو فيما يتمثل بالشهوة الجنسية الممتعة.

إذا كان توماس قد خلق من جملة، وتيريزا قد خلقت من “بضع قرقرات معوية”، فإن سابينا خلقت من سلسلة من الخيانات المتتابعة.

“الخيانة.. منذ طفولتنا والوالد ومعلم المدرسة يكرران على مسامعنا بأنها أفظع شيء في الوجود. ولكن ما معنى أن نخون؟ أن نخون هو أن نخرج عن الصف أن نسير في المجهول. وسابينا لم تعرف ما هو أجمل من السير في المجهول”.

كانت الخيانة أداة سابينا في مواجهة السلطة الأبوية التي نشأت عليها وفي سبيلها للتحرر الكامل. عرّف كونديرا الخيانة بشكل مغاير تمامًا عما هو مألوف.

فرانز

فرانز شخصية مثقلة بالمبادئ في عالم شهد فوضى ولدت من رحم حروب شرذمت سكان الأرض. يخلق معنى في حياته تجعله ثقيلًا بشكل سلبي. كان ثقيلًا بما يكفي للاعتقاد بأن أسلوب حياته هو الأسلوب الوحيد الممكن.

يفصل فرانز عن الابتذال خيط رفيع، يتخذ قرارات صعبة ناسيًا بأن رحلة البحث عن المعنى تتطلب شيئًا جوهريًا أحيانًا: التفاهة (كما ذكر كونديرا في روايته حفلة التفاهة، بذلك المعنى)، ليموت بسذاجة، في لقطة سيريالية خالية من أي معنى.

شخصيتان عاشا حياتهما بخفة، وعلى النقيض الآخر، شخصيتان اختارا الثقل، أربعة نماذج للخفة والثقل خلقها كونديرا، فكانت قادرة على لم شمل العالم كله.

خفة الكائن التي لا تحتمل تعني أننا لا نملك أي وسيلة لمعرفة أي من قرارتنا هو الصحيح؟ اختار توماس تيريزا والعبء والثقل، واختارت سابينا الحرية والخفة التامة، فأي قرار كان الأصح؟ لا يمكن لأي منهما معرفة ما إذا كان قد اختار بشكل صحيح.

“مرة واحدة لا تحتسب، مرة واحدة هي أبدًا”.

ليس من ذلك بدّ

في أي نص ساحر قد تواجهه، كرر قراءته مرات ومرات، إلى اللحظة التي تعري بها النص من سحره، ويبقى أمامك المعنى وحده، وعندها ستعرف ما إذا كان المكتوب أمامك كتب بغرض اقتباسه والتباهي به للحظة، أم أنه كتب من وحي عقل مبدع.

أطلقت على هذه الرواية “رواية المرجعية المعرفية” حيث أنني أقوم بقراءتها كاملة مرتين في كل عام، وفي كل مرة أرى أفكارًا لم يدركها عقلي، ولم أستطع فك رموزها سابقًا.

فهي لا تحكي حدثًا واحدًا فقط، وحتى أحداثها لا تعطيك إجابة واحدة. الثقل والخفة، الثيمة الواضحة في رواية كائن لا تحتمل خفته لا يمكن أن نعرف ما إذا كانت سلبية أم إيجابية.

بالنسبة لبارمينيدس كانت الخفة سلبية، إلا أن كونديرا وجه أنظارنا إلى ثقل بيتهوفن الإيجابي في “ليس من ذلك بد” أو “Es Muss Sein” والتي نسمعها بوضوح تام في لحن بيتهوفن.

الموسيقى اعتبرت كائنًا، يسأل ويجب. ماذا عن الحيوان إذًا؟ كارنينا الكلبة التي خصص لها كونديرا قسمًا كاملًا حمل عنوانًا عذبًا “ابتسامة كارنينا” وختم به هذا العمل.

ينتقد كونديرا تعالينا على الحيوانات، وكيف اعتبرنا أنفسنا في قمة السلم. لا تبدو علاقة كارنينا بتيريزا عادية، فقد كان اختيارها من البداية حدثًا مهمًا في الرواية.

اختيرت كارنينا من وسط مجموعة من الجراء التي سيحكم عليها بالموت، فكان ذلك أشبه بإنقاذ طفل، وكان ذلك مشابهًا بشكل كبير لفكرة مرت بخاطر توماس عن تيريزا مسبقًا: “إن تيريزا طفل وضع في سلة مطلية بالقطران ورميت في مجرة النهر… لو لم تخرج ابنة فرعون سلة موسى الطفل من الماء لما كان العهد القديم ولا كانت معه حضارتنا! في بداية أساطير كثيرة هناك أحد ما ينقذ لقيطًا”.

هذه الاستعارة رأيتها تشبه اختيار كارنينا، التي خصص لها قسم كان مصيرها فيه مشابه لمصير توماس وتيريزا، فموتها كان حدثًا كبيرًا، فيه اختار كونديرا أن يكون موت تيريزا وتوماس سوية، حدثًا في ذات القسم الأخير من الرواية.

كونديرا، لم يعد إلى وطنه أبدًا.
كونديرا، لم يعد إلى وطنه أبدًا.

كائن لا تحتمل خفته رواية كونديرا الشهيرة هي رواية ممتازة، ذكرت جبروت السياسة، وسلطة الحب، لم تكن أبدًا رواية عادية، رواية كتبت لتقرأ وتدرس.

قد يكون ميلان كونديرا كتب رواية عن منفاه، عن وطن طرده بقسوة، فنجد جزءًا منه في كل شخوص الرواية، فهو مثل توماس، كتب فنُفي، وربما كان مثل تيريزا، بنقائه وكانت بدايته مثل فرانز متمسكًا بمبادئه برعونة، ولكنه حتمًا كان مثل سابينا: لم يعد إلى وطنه أبدًا.

لك أيضًا:

هل قراءة الروايات مضيعة للوقت حقًا؟ نظرة على الفَنّ الأكثر تأثيرًا في التاريخ الإنساني

1

شاركنا رأيك حول "كائن لا تحتمل خفته: رواية إما أن تحبها، أو أنك قارئ كسول!"