حرق الكتب
0

منذ فجر التاريخ يسعى الإنسان إلى تخليد كل ما يمر عليه من لحظات وكل ما يرد ذهنه من أفكار، شهوة من أعظم الشهوات التي تصيب بني آدم جميعًا دون استثناء، شهوة السعي إلى تخليد الذكرى كيلا يُنسى المرء بعد رحيله وأن يبقى حاضرًا.

اتخذ الإنسان وسائل عدة لتحقيق ذلك من أهمها الحكي والكتابة. لكن الكتابة هي الوسيلة الأدق التي تحافظ على المكتوب تمامًا كما نقله صاحبه أو كما يود للآخرين أن يعرفوا، وقد تطورت طرق الكتابة منذ وجود الإنسان، فمن الكتابات المنقوشة على جدران المعابد الفرعونية إلى مخطوطات السومريين إلى الكتب الورقية الموجودة حاليًا وحتى الكتب الإلكترونية أو المسموعة والتي تعتبر أحدث أنواع الكتب من الناحية التقنية.

الكتابة عبر التاريخ

يبقى السؤال الأهم، لماذا يلجأ البعض إلى إعدام الكتب سواء كان فردًا أو بقرار من الحكومات؟

أهمية الكتب

كما أسلفنا فالكتب خير كاشف لوقائع الحياة من جميع جوانبها، الكتب تمكنك من أن تعيش حياة سبقتك بآلاف السنين، تعرف عنها وتأخذ منها الخبرة، الكتب تفتح ذهنك للتفكير الذي يعتبر أهم ما يميز الإنسان، كما أن القراءة من أعظم الهوايات التي يمكن أن يمنحها الله للإنسان.

اقرأ أيضًا: صور لن تُمحى من ذاكرة التاريخ !!

لماذا يتم حرق الكتب؟

قد نفهم الأسباب التي تجعل المحتل يعدم كتب البلد الذي احتله، فهو يسعى لطمس هوية البلد وسحب كل ما يميزه، كاللغة، الثقافة، التاريخ، العادات، يسعى لفرض سيطرته على أهل البلد بشتى الطرق ولعل أشهر الأمثلة هي إعدام المغول للكتب في العراق العريق عندما احتلوه. ولكن هناك أسباب أخرى لإعدام الكتب من بينها:

  •  مراجعات فكرية

تلك النقطة تحديدًا خاصة بالأفراد، فيمكن للفرد أن يتخلص من بعض كتبه نتيجة لتغيير فكره وشعوره برغبة في التخلص من الكتب التي تحمل فكرًا مضادًا أصبح هو يرى لأي سبب من الأسباب خطأه.

  • أسباب دينية

فيه تقوم الدولة أو المسؤول الديني بإعدام كل الكتب التي يرى فيها مخالفة صريحة للنصوص المتفق عليها أو صدام مباشر مع الشريعة، كما يمكن لبعض المتعصبين حرق كتب ديانات أخرى أو حتى حرق كتب لنفس الديانة لكنها تبعًا لمنهج أو مذهب آخر.

  • أسباب سياسية

تقوم الحكومة بإعدام الكتب التي تحمل أفكارًا تخالف سياستها ونهجها أو لما تحتويه من أفكار تحريضية ضدهم، كما تقوم بعض الحكومات بإعدام الكتب للتنكيل بأصحابها فمثلًا تمنع صدور الكتاب وتداوله داخل البلد.

  • أسباب علمية

يتطور العلم يومًا بعد يوم، ومن المتوقع دائمًا حدوث مراجعات علمية واكتشاف بعض الأخطاء، ومن هنا يرى البعض ضرورة إعدام الكتب التي تحتوي على أخبار علمية تم اكتشاف خطأها.

  • أسباب خاصة بالكاتب

ربما يكون ذلك النوع من أصعب الأنواع، أن يلجأ أحد لتدمير كتبه بنفسه ضنًّا منه على من يأتي من بعده، بالطبع يكون ذلك الدافع نفسي بالأساس، فشعور الكاتب بعد معاناة الكتابة أنه لا أحد يقدر مجهوده أو أن لا أحد يهتم بما يكتب هو شعور لا جدال أنه من أصعب وأثقل ما يمر على المرء، ولكنه قد يتطور مع البعض لتعمد إعدام كتبه بيده مثلما فعل أبو حيان التوحيدي عندما حرق كل كتبه بسبب الفقر المدقع الذي عاش فيه سنواته العشرين الأخيرة.

كيف يتم إعدام الكتب

تختلف وسائل إعدام الكتب من زمان لزمان ومن بلد لآخر، في القدم كانت أشهر وسيلة هي الحرق، تجميع كل الكتب في مكان وإحراقها جميعًا كما فعل هتلر في ألمانيا النازية، ومن بين الوسائل أيضًا إغراق الكتب أو تقطيعها.

اقرأ أيضًا: حارس سطح العالم: عندما تصير الكتب حرامًا!

أشهر عمليات إعدام الكتب على مر التاريخ

محرقة النازية للكتب

عندما تسلم الحزب النازي برئاسة هتلر حكم ألمانيا سعى بكل الطرق لإحكام سيطرته على البلاد، ومن بين أوائل القرارات التي اتخذها الحزب هو إنشاء وزارة مهمتها الأساسية فرض السيطرة على كل أنواع الفنون من المسرح والأدب وحتى القنوات الإخبارية، وعليه كان الشباب النازيون يقومون بما يسمونه تلقيح الثقافة الألمانية ويختارون الكتب المناسبة للشعب ويقومون بحرق باقي الكتب.

إعدام الكتب

حرق مكتبة الإسكندرية

مكتبة الإسكندرية تعتبر أول مكتبة في التاريخ، أنشأها الاسكندر الأكبر وضمت آلاف الكتب القديمة القيمة، إلى أن قرر يوليوس قيصر أن يحرق أكثر من مئة سفينة بجوار المكتبة التي امتدت النيران إليها لتلتهم كل ما تحتويه من كتب ومخطوطات.

إعدام الكتب

إعدام مكتبة بيت الحكمة

أسسها هارون الرشيدي فيما تمت تسميته بالعصر الذهبي للإسلام في بغداد، وقد تم تدميرها بالكامل على يد المغول الذين جاؤوا مغتصبين للأرض والثقافة، وقاموا بحرق كل ما تحتويه المكتبة من كتب ومخطوطات، وأجبروا الخليفة على رؤية ذلك الحرق، ثم قاموا برمي كل الكتب في نهر دجلة الذي تغير لونه للون الحبر.

إعدام الكتب

حرق الكتب في الأندلس

شهدت إسبانيا حوادث كثيرة لحرق الكتب لعل أشهرها الحريق الكبير الذي حدث عندما انهزم المسلمون وتم إعلان الأندلس دولة مسيحية، فتم إحراق كل كتب المسلمين وبعدها تم منع تداول الكتب من الأساس.

إعدام الكتب

تدمير المكتبات العامة ببغداد على يد داعش

لعل ذلك التدمير رآه معظمنا للأسف عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، فداعش الذي دمر الأخضر واليابس لم يترك للبلد العريق صاحب الحضارة حتى المكتبات العامة فقام بحرقها وتدمير كل ما فيها من كتب ومخطوطات وخرائط، كما قاموا بمداهمة البيوت ومصادرة كل الكتب المخالفة لمعتقداتهم.

إعدام الكتب
حرق الكتب على يد داعش

اقرأ أيضًا: ملتقى الموصل للكتاب: مبادرة ثقافية تعيد الكتب إلى الموصل بعد هزيمة داعش (حوار)

0

شاركنا رأيك حول "ظاهرة حرق الكتب عبر التاريخ: هل هي وحشيةٌ ضد الحضارة الإنسانية أم لها أسباب أخرى؟"