0

أعزائي القراء المحترمين، دائمًا ما نفكر في الأشخاص السابقين: كيف كانت حياتهم ومعيشتهم ومأكلهم. وفي الحياة، هناك الكثير من الطبقات والأشخاص الذين سُلط عليهم الضوء لشرح شكل حياتهم لنا. لكن هل فكرتم من قبل في حياة الأيتام في الريف الأمريكي في أواخر القرن التاسع عشر؟ وكيف كانت حياتهم ومعيشتهم؟ وكيفية سير العمل داخل دور الأيتام في هذا الوقت؟ وكيف يمكن لشخص عاش حياته كلها منغلقًا وسط مجموعة من الأيتام أن يصبح فجأة فردًا في المجتمع له سكنه وملابسه وحياته الخاصة؟ في رواية صاحب الظل الطويل ورواية عدوي اللدود للكاتبة جين ويبستر – Jean Webster يمكنكم التعرف بل والتعمق داخل تلك الشخصيات.

الجزء الأول: رواية صاحب الظل الطويل

غلاف رواية صاحب الظل الطويل
غلاف رواية صاحب الظل الطويل للكاتبة جين ويبستر

رواية صاحب الظل الطويل أو Daddy Long Legs للكاتبة الأمريكية جين ويبستر ومن ترجمة بثينة الابراهيم، تأخذك في رحلة مع شخصية چودي أپوت، فتاة يتيمة، تربت في ملجأ يسمى چون جراير، يضم مجموعة من الأطفال الأيتام برئاسة سيدة تدعى ليبيت. وفي يوم من الأيام، تخبر السيدة ليبيت چودي بأن أحد المتبرعين للملجأ قد أعجب بأسلوبها في مقال سمته “يوم الأربعاء”، وأنه قرر إرسالها للكلية لإكمال دراستها كي تصبح كاتبة، على أن يدفع لها كل تكاليف الدراسة ويخصص مصروفًا شهريًا 35 دولارًا حتى تتمكن من مجاراة حياة باقي زملائها.

واشترط المتبرع ألا تعرف چودي اسمه الحقيقي أو أي شيء عنه، وسمى نفسه چون سميث. وطلب منها أن ترسل له رسالة شهرية، تخبره فيها بتطور دراستها والأشياء التي تتعلمها چودي خلال دراستها مع سكرتيره الخاص وألا تتوقع ردًا منه. وبرغم غرابة الطلب إلا أن چودي لم تهتم لأنها كانت في منتهى السعادة؛ لتمكنها من ترك الدار التي عاشت فيه حياتها كلها والتي كانت تسميه المعتقل.

وفي الكلية، نبدأ مع چودي رحلة من خلال رسائلها التي ترسلها للمتبرع أو صاحب الظل الطويل كما قررت چودي تسميته، بعد أن لمحت ظله في الملجأ قبل أن تعرف أنها ستترك الدار. وعلى مدار ثلاث سنوات نتعرف على كل الأشياء المدهشة التي تكتشفها چودي عن الحياة في العالم الواقعي، نتعرف على أصدقائها المقربين سالي ماكبرايد وچوليا بيندلتون. والأهم من ذلك أننا نلقي نظرة قريبة على كل شيء تكتشفه چودي أو تشعر به، فبعد تركها للدار، تعتبر چودي صاحب الظل الطويل أو المدعو چون سميث عائلتها الوحيدة وتضعه في مقام والدها ووالدتها وجدتها وإخوانها في آن واحد.

برغم اتفاقهم على أن ترجع جودي كل صيف إلى الدار وألا تطلب من المدعو جون سميث الرد مطلقًا، إلا أن جودي لن ترجع للملجأ طوال سنوات الكلية، بل سينتهي بها الأمر بعد أن تطلب من صاحب الظل الطويل أن تقضي صيفها كل سنة في مكان مختلف ومع أشخاص مختلفين. وبرغم عدم رضوخه لطلبها المستمر، إلا أنها كانت تتأكد من قراءته لرسائلها بسبب الهدايا التي كان يرسلها وسكرتيره الذي كان يبعث لها بالتعليمات ردًا على طلباتها.

اقرأ أيضًا:

مسلسلات كرتونية عربية لا يمكن نسيانها!

الجزء الثاني: رواية عدوي اللدود

غلاف عدوي اللدود للكاتبة جين ويبستر
غلاف رواية عدوي اللدود للكاتبة جين ويبستر

أما رواية عدوي اللدود أو Dear Enemy، فتأخذنا أيضًا في رحلة عبر الرسائل، لكنها هذه المرة رسائل سالي ماكبرايد أعز صديقة لجودي في الكتاب الأول. تقع الأحداث بعد سنوات من تخرجهم، وزواج جودي واستقرارها مع زوجها في بيتهم. تبدأ القصة برسالة من سالي لجودي تتهمها هي وزوجها بالجنون؛ لرغبتهم في تعيينها كمديرة للملجأ الذي تربت فيه جودي، لكن سرعان ما تتغير الأحداث، ونجد سالي قد أصبحت المديرة الجديدة بدلًا من السيدة ليبيت. وعلي مدار سنة، نتابع سالي وهي تحاول قدر استطاعتها الاعتناء بهؤلاء الأطفال المهملين، وتهيئة الدار بشكل يعطيهم فرصة أفضل من تلك التي عاشتها جودي.

ومن خلال رسائلها أيضًا، نتابع من بعيد بعض التطورات من حياة جودي، سفرها مع زوجها حول العالم وكل أفكارها التي تود أن تنفذها سالي في الدار. المختلف هنا هو أن سالي التي تأتي من عائلة ثرية، معتادة علي حياة الترف والحفلات، تجد نفسها تقوم بمهمة شاقة جدًا، وهي تهيئة الحياة لأكثر من مئة طفل في بلدة مطرفة بعيدًا عم أضواء المدينة. عكس جودي في صاحب الظل الطويل التي تركت الحياة الصعبة في دار چون جراير وذهبت لحياة الترف في الكلية.

وطوال القصة، نتابع مع بطلتنا سالي تطورات شخصيتها كامرأة حرة مستقلة من عائلة لا تحتاج إلى العمل أو المال، وسالي كامرأة ترغب في الزواج وممارسة حياتها مثل جميع من حولها من أصدقاء كجودي وغيرهم. كيفية اختيارها لشريك حياتها، وتعاملها مع الرجال في حياتها. وحتى اللحظة الأخيرة، تجد نفسك في تساؤل من ستختار سالي في النهاية لها كزوج، الطبيب أم السياسي؟

وبرغم الفرق الكبير بين نشأة سالي وجودي إلا أن صداقتهما هي خير مثال على سهولة وبساطة العلاقات الإنسانية، وهو شيء أساسي في الكتاب من رأيي. فنتيجة مشاركتهم في السكن أثناء الكلية، تنشأ علاقة صداقة قوية بينهما تمتد لسنوات. وطوال كتاب عدوي اللدود تذكر سالي الكثير من زميلاتهم في الدراسة في رسائلها لجودي والتطورات التي حدثت في حياتهم. سالي ماكبرايد في رأيي هي مثال على سهولة تكوين صداقات في هذا الزمن واستعداد الجميع لمقابلة أشخاص جدد على عكس وقتنا هذا.

اقرأ أيضًا:

نظام خارجي هدوء داخلي: لماذا نقرأ كتب مساعدة الذات؟

رسائل من طرف واحد

برغم كثرة الشخصيات المذكورة في الكتابين، وعلمًا بأن الرسائل كلها موجهة من شخص واحد، جودي في الكتاب الأول وسالي في الكتاب الثاني، إلا أن ذلك لم يؤثر على متابعتي للقصة إطلاقًا. فالكاتبة جين ويبستر حرصت على وضع الرسائل بشكل يسمح للقارئ استنتاج الرسالة التي يتم الرد عليها، وإن لزم الأمر يتم ذكر الموضوع الذي يذكر في الرسالة بطريقة لم تجعلني أشعر للحظة برغبة في قراءة رسائل الطرف الآخر.

في رواية صاحب الظل الطويل نتابع مع جودي بدءها لحياة جديدة خارج الدار، واكتشافها لنفسها كشخص مستقل في المجتمع، وتطور شخصيتها على مدار سنوات دراستها، ماذا تحب، ماذا تكره وتجد نفسك وهي واحد، تفرح لفرحها وتحزن لحزنها. ولأن جودي شخصية شديدة التعبير عن نفسها، لم أجد مشكلة في متابعة رسائلها لاستطرادها في التعبير عن كل شيء.

جزء من رسومات جودي في رسائلها
جزء من رسومات جودي في رسائلها.

حتى في الجزء الثاني، عندما كانت سالي تطيل في وصف الأطفال المئة وثلاثة عشر وتطلق على نفس الشخص مجموعة من الأسماء، علمي كقارئ بأن الرسائل كلها من سالي سهل علي سريعًا فهم طريقتها ومتابعة الأحداث بسلاسة وسهولة. وبرغم امتعاضي في البداية من تغيير المرسل، إلا أنني سرعان ما أحببت أسلوب سالي برسائلها الطويلة وشخصيتها وأصبحت لي بمثابة نقلة أتعرف من خلالها على كل جديد يحدث في حياة جودي وأركز أيضًا على المتغيرات التي تحدث في الدار وكيفية تأثير جودي على ذلك من خلال تجربتها كطفلة تربت في الدار.

ومن الأشياء اللطيفة أيضًا في رسائل جودي، والتي سعدت أن الكاتبة جين ويبستر قررت إضافتها في عدوي اللدود أيضًا، هي رسومات جودي التوضيحية التي كانت تضمها مع الرسائل لصاحب الظل الطويل لمساعدته على تخيل الموقف الذي تحكيه، والذي ساعدني وأمتعني كقارئ.

اختلافات الزمن والانتقادات

واجهت القصة بعض الانتقادات، والتي في رأيي تعتبر نتاجًا طبيعيًا للحقبة التي نشر فيها العمل. ومن ضمن تلك الانتقادات اللغة المستخدمة خاصة في الجزء الثاني عند ذكر أصحاب الأمراض المتوارثة سواء نفسية أو جسدية وخاصة النفسية. في يومنا هذا، يمارس الجميع نوعًا من أنواع التحضر عند مناقشة هذه الموضوعات، وأي شيء يتعلق بالصحة النفسية، لكن في وقت نشر الكتاب، لم يكن هناك علم كافي بفكرة المرض النفسي وتبعاته وكيفية التعامل معه. وعلى ذلك فتذكر سالي مرات كثيرة الأطفال المريضة وتصفهم “بالمتخلفين” وهو شيء استنكره الكثير لعلمهم بوعي الكاتبة جين ويبستر وتركيزها على مواضيع مثل النسوية حتى في هذا الوقت.

الانتقاد الآخر هو الفرق الكبير في السن بين جودي والرجال الذين كانت تتعرف عليهم بعد دخولها الكلية، والتي انتهى بها الأمر للزواج من أحدهم. فعند دخولها نعلم أن جودي هي فتاة لم تبلغ بعد الثامنة عشر من عمرها، ونراها تقابل رجالًا في العقد الثالث من عمرهم، وهو شيء يضع عليه علامات استفهام كثير في يومنا هذا. لكن إن نظرنا لوقت النشر، فليس بشيء غريب أن تتخرج جودي من الكلية وهي ابنة الواحد والعشرين لتتزوج رجلًا في الثلاثينيات من عمره، وبرغم عدم كبر الفرق، إلا أن طريقة كتابة الرسائل وانبهار جودي بكل شيء كطفلة صغيرة يجعلك تتوقف للحظة عند دخول فكرة الزواج أو إعجابها برجل في الرسائل.

عن العلاقات الإنسانية والنفس البشرية

جين ويبستر - رواية عدوي اللدود

رواية صاحب الظل الطويل ورواية عدوي اللدود هما في رأيي عملان يقومان في الأساس على العلاقات الانسانية والنفس البشرية. هنالك شيء في قراءة أفكار الأشخاص بدلًا من متابعة محادثاتهم يشعرك أنك جزء من القصة ومطلع عليها من الداخل، تتفهم مشاعر الكره غير المفهوم تجاه القمصان القطنية ذات الخطوط المربعة، وتشعر بالسعادة حين تصدر سالي قرارًا بتغييرها.

تتابع بلهفة جودي، وهي تتعرف على زميلاتها، وتنتظر بفارغ الصبر لترى إن كانوا سيمارسون عليها الأحكام أم لا. وتشعر بانتصار معين حين تكمل جودي عامها الأول، وتخرج منه شخصًا مختلفًا تمامًا، جاهزًا لمواجهة العالم بشكل أكبر، وتتابع سالي وهي تطلب العون من كل من تعرفهم للتبرع لأطفالها الأيتام ومسارعة الجميع حولهم للمساعدة عند وقت الحاجة وتحن لوقت كان الجميع فيه بمثل هذه القابلية لمساعدة من حولهم سواء كانوا يعرفونهم أم لا.

وفي النهاية عزيزي القارئ، أرشح لك وبشدة أن تقرأ رواية صاحب الظل الطويل ورواية عدوي اللدود للكاتبة جين ويبستر لقدرتهما على سحرك وإدخالك في عالم آخر بعيد عن كل ما تعرفه. لكنني احذرك، قد تتملكك رغبة عارمة في كتابة الرسائل لكل من تعرفهم بعد الانتهاء من القراءة.

0

شاركنا رأيك حول "رواية صاحب الظل الطويل وجزئها الثاني عدوي اللدود: رحلة حياة نتتبعها عبر الرسائل"