0

في حقبة الإنترنت هذه، والانتشار واسع الطيف للأدوات التكنولوجية، والتي أمْسَت حاجة ملحة وضرورية في يومياتنا، أصبحنا جميعًا نمتلك هاتفًا جوالًا، كمبيوتراتٍ محمولةٍ وأجهزة أخرى تكنولوجية لا يمكننا -ربما- العيش بدونها، حتى العمل أصبح عن بُعد! من المنزل، يمكنك قيادة كل شيء من منزلك ومن على سريرك بالذات.

بعيدًا عن أجهزة التصوير الرقمية، والتي أضْحت تُستخدم في المناسبات الرسمية “التاريخية” كزواجك مثلًا، أو جلسات التصوير التسويقية، كلنا بات لدينا تلك الهواتف المحمولة، نضعها في جيبنا أينما نذهب، ونوثّق عن طريقها لحظات مهمة في حياتنا، ربما طريق نمشي فيه لأول مرة وقد تكون الأخيرة، فنأخذ عدة صور للذكرى، مكان تاريخي مثلًا، نأخذ سيلفي مع الأصدقاء المجانين، ربما نرى حدثًا غريبًا مفاجئًا، سيكون من اللطيف توثيقه بالصور، أو حتى ببثّ مباشر من قلب ذلك الحدث، هذا ما يقوم به أغلبنا يوميًا، ودون أن نشعر حتى، أمسِك الهاتف، افتح الكاميرا، التقط. ألقِ نظرة خاطفة الآن على حسابك على فيسبوك، وسترى على الأقل 10 صور لأشخاص لديك، إما في القصة، أو كمنشورٍ عادي.

هذا ما نعتقده نحن، حَدَثٌ يمرّ خلال عدة ثوانٍ، واحد إثنان ثلاثة التقط، وانتهى الموضوع، إنما من منظور العلم، فهناك أشياءٌ أخرى تجري في عقلك عند التقاط الصور أكثر من مجرد معرفتك بالتقاطها. كشفت الأبحاث العلمية تأثير التقاط الصور على ذاكرتنا، تلك اللحظات التي نتوقف فيها لثوانٍ لالتقاط صورة، ربما هي ثوانٍ نعم، ولكن لا تنسَ أن الثانية الواحدة اليوم يمكنها فعل الكثير في عالم السرعة الذي نعيش فيه. كيف يؤثر توثيق اللحظات بالصور على ذاكرتنا؟ هل يؤثر سلبًا أم إيجابًا؟ هذا ما سنحاول معرفته في مقالنا.

اقرأ أيضًا: حرية التعبير في العالم الرقمي: هل أصبح كيلُ الشركات التقنية الكبرى بمكيالين فاضحًا بإسكاتها ترامب؟

توثيق اللحظات بالصور لتبقى ذكرى

توثيق اللحظات بالصور

أظهرت أبحاث جديدة متبناة من مجلة Psychological Science التابعة لجمعية العلوم النفسية، أن التقاط الصور في لحظات مميزة قد يحسّن الجوانب المرئية بالنسبة للذاكرة، ولكنه من جهة أخرى، قد يؤذي الذاكرة من ناحية الجوانب غير المرئية، أي المسموعة!

أجرى تلك الأبحاث عدة باحثين من تخصصات وجامعات مختلفة، وأشارت النتائج إلى أن التقاط صور فوتوغرافية أو الاستعانة بالإنترنت والتصوير بأي طريقة كانت، ستعمل بمثابة محرر ذاكرة خارجي، أي وكأننا نستعين بمساعد أو مصدر خارجي لذاكرتنا، وهذا الأمر بقدر ما هو مفيد لتحرير مواردك المعرفية، بقدر ما هو مؤثر على ذاكرتك إذ يعمل على إضعافها في عملية التذكر.

دراسات تبين مدى تأثير الصور على ذاكرتنا: التقاط صور للمعالم أو الفن

يجادل الباحثون حقيقة أن توثيق اللحظات بالصور في لحظات معينة، لن يُرجع إلينا لذة تلك اللحظات، فمعظم الأشخاص يلتقطون الصور لتذكر تجاربهم، صورة من عشاء ممتع مع الأصدقاء، جولة في مدينة سياحية.. ولكن السؤال هو: إلى أي مدى يمكننا تذكر تجاربنا التي وثّقناها بالصور، إذا لم نعد ونرى الصور مرة أخرى؟ هل التصوير سيؤثر إيجابًا؟ أي لنفترض أن تلك الصور حُذفت بالخطأ بعدة فترة، هل سيبقى الموقف لحظة التصوير عالقًا في الذاكرة؟

وعلاوةً على ذلك، هناك سؤال مهم جدًا: هل يمكن أن يؤثر تصوير ما رأيناه، على الذاكرة، بشكل مختلف عما سمعناه في تلك اللحظة؟

في إحدى التجارب التي تعود إلى العام 2017 تقريبًا، جمع الباحثون 294 مشاركًا قد قاموا بجولة في معرض متحف واقعي للقطع الأثرية الأتروية. طُلب من البعض ترك ممتلكاتهم من آلات تصوير، بينما سُمح للآخرين بالاحتفاظ بالكاميرا، ويمكنهم تصوير أي شيء يريدونه في المعرض، بل وطُلب منهم التقاط ما لا يقل عن 10 صور. استمع المشاركون إلى دليل صوتي مصاحب أيضًا بينما هم يتجولون في المعرض.

في نهاية جولتهم، أجابوا على عدة أسئلة، خيار من متعدد حول تحديد القطع التي رؤوها، أو إكمال بيانات خاصة من الدليل الصوتي. وعندما ظهرت النتائج، تبين أن أولئك الذين التقطوا صورًا لبعض القطع قد تعرفوا “بصريًا” على المزيد من الأشياء مقارنةً بأولئك الذين لم يكن لديهم كاميرا، ولكن من جهة أخرى، تذكّر الأشخاص الذين صوروا القطع معلومات “سمعية” أقل من أقرانهم الذين اكتفوا بالتفرّج والاستماع. إذًا، أثبتت النتائج هنا أن الصور قد تعزز “الذاكرة البصرية”.

توثيق اللحظات بالصور

عند فحص الباحثين للذاكرة البصرية عن طريق فحص أشياء أو أجزاء محددة من الذاكرة، وجدوا أن المشاركين الملتقطين للصور، كان أداؤهم أعلى في تذكر اللحظات البصرية سواء كانت الأشياء المعنية في السؤال هي الأكثر أو الأقل تصويرًا، حتى أن لديهم فكرة أفضل لجوانب المعرض التي لم يلتقطوا صورًا لها، وهذا غالبًا ما يشير إلى أن الكاميرا ذات عامل أساسي في تغيير الطريقة الأساسية التي يتعامل بها الأشخاص مع تجربتهم، أي بمعنى آخر، عندما تكون في زيارة لمَعلم تاريخي مثلًا، ولديك كاميرا ولديك نيّة في تصوير تمثال موجود في المَعلم، فحتى لو لم تصوّره، سيؤهّبك ذلك إلى تذكر تفاصيل هذا التمثال أكثر من أقرانك الذين لا يملكون الكاميرا، أي لن يكون هناك أي نية للتصوير. لذا قد يكون العامل النفسي في الموضوع أهم من الكاميرا، وربما حسب طبيعة الأشخاص، وطبيعة المواد المُصوَّرة.

في دراسة أخرى أُجريت عام 2019، اكتشف باحثون من جامعة فيرفيلد أن “الطريقة” التي نلتقط بها صورًا ما هي ما يحدث فرقًا في قدرة ذاكرتنا على استرجاع المعلومات، وعلى ذلك، قام الباحثون باختبارين:

كما في الاختبار السابق، تم توجيه بعض المشاركين لتصوير بعض الأشياء في متحف فني، ومشاهدة أخرى ببساطة وبدون تصويرها، وتوصّل فريق البحث إلى تأثير يسمى “إعاقة التقاط الصور”؛ ما يعني أن مَن قام من المشاركين بتصوير قطع فنية “ككل” كان أقل احتمالًا لتذكر القطعة، أو حتى عندما تذكّر القطعة، كان أقل قدرة على تذكر تفاصيل عنها، بما في ذلك موقع القطعة في المتحف!

إذًا الدراسة هذه تعاكس التي قبلها، ولكن لا ننسى تأثير المؤثرات المسموعة في تلك السابقة، إذ أن أي تغيير طفيف في مجال التجربة قد يُحدث فرقًا كبيرًا جدًا. وما يثبت ذلك هو أنه خلال هذه الدراسة، تبين أن تغيير شيء واحد في طريقة التصوير غيّر نتائجها، عندما قام المصورون “بالتكبير” قبل التصوير، أي تحديد جزء معين في الصورة المُلتقطة والتركيز عليه، هنا أظهرت النتائج عدم تأثر ذاكرة التفاصيل الخاصة بهم، بل كانت الذاكرة الخاصة بالتفاصيل التي لم يتم تكبيرها بنفس قوة تذكر تلك التي كُبّرت عدسة الكاميرا عليها.

التصوير مع كونك جزءًا من الصورة

توثيق اللحظات بالصور

في دراسة أخرى أيضًا، شملت التقاط الصور ولكن مع كونك جزءًا من الصورة، طُلب من فريق من المشاركين التقاط صورٍ لأنفسهم بجانب الشيء الذي يريدون تصويره. تبين فيما بعد أنه إذا كنت أنت في الصورة، فستصبح داخليًا بعيدًا عن اللحظة الأصلية التي يتم فيها التقاط الصورة، وكأنك مراقب تراقب نفسك التي تفعل شيئًا خارجها من الناحية العقلية، هذا الكلام منطقيٌّ جدًا، لأن أيًّا منا عندما يريد التقاط السيلفي لنفسه، يقضي معظم الوقت في إدارة نفسه داخل الصورة قبل التقاطها، حتى أنه يشرد ذهنه مع نفسه في الصورة، لا ينتبه إلى أي تفصيل من حوله أبدًا، أي يلتقط الصورة من منظور ثالث. أما في حال لم تكن جزءًا من الصورة، أنت تعود إلى الشخص الأول الذي غالبًا ما يتذكر مجريات غَرَض الصورة في حال التقط الصورة.

توثيق اللحظات بالصور

خَلَصت هذه الدراسة إلى أن النوع الوحيد من الصور الذي لا يُضعف ذاكرتك، بل وربما يقويها نحو تذكر ما تم تصويره، هو الذي يجبرك على الانتباه إلى تفاصيل الصورة حتى لو تلك التفاصيل العامة.

الحصول على اللقطة الصحيحة: التشتت لحظة التقاط الصورة يضعف الذاكرة أيضًا!

ولهذا كان شعار مقالنا من البداية “عِش اللحظة!”.. نقلًا عن مجلة dailymail البريطانية، في دراسة حديثة أجرتها مؤخرًا ونُشرت في 27 أبريل من هذا العام، أن التقاط الصور في أي لحظة يمكن أن يُضعف ذاكرتك، لأنك ببساطة مُشتت في عملية الحصول على اللقطة الأفضل، الأكثر جودة، الأجمل.. سواء كان ذلك لمَعلم، ذكرى للحظات مميزة مع الأصدقاء، أو صورة شخصية، حفل فني.. أيًا كان، أنت تشتت ذهنك في عملية تراها ويجب أن تكون جميلة بالشكل المناسب لبقائها ذكرى.

ركز الباحثون في هذه الدراسة على فكرة التقاط الصور للقطع الفنية أو الأثرية بالذات، فمثلًا، بينما أنت تريد التقاط لحظة من حياتك لتبقيها ذكرى ترجع إليها عندما تنسى، أنت تفقد جزءًا مهمًّا من الموضوع وهو الإحساس باللحظة، والذي من الممكن أن يترك أثرًا في نفسك يجعلك تتذكر اللحظة فيما بعد والإحساس الذي أحسسته في تلك اللحظة، أما فعل التقاط الصور، فهو غالبًا -بحسب هذه الدراسة- يضعف ذاكرتنا للأحداث.

اختلاط الأبحاث حول هذا الموضوع مستفز نوعًا ما، أي هناك أبحاث تقوم على التجربة أظهرت ضعف الذاكرة، وأخرى أثبت تحسينها، لذا فالأمر صعب التأكيد بعض الشيء، ولكن تكمن إحدى قيود هذه دراسة هذا العام كما قلنا إنها تركز على الفن بحد ذاته، وليس فعل التصوير أينما كان.

اقرأ أيضًا: هل تريد السفر حول العالم؟ جرّب فعل ذلك من بيتك مع Nas Daily

تأثير الدماغ

أجرى باحثون من نيويورك سلسلة من التجارب، شملت 525 مشاركًا، عُرضت عليهم قطع متنوعة من الأعمال، لوحات فنية ورسومات وصور فوتوغرافية، طبعًا طُلب منهم تصوير بعض القطع، والاكتفاء بمشاهدة الأخرى. ما هو جديد هنا أن القطع الفنية المعروضة كانت مدروسة بحيث تعطي فرصة للدماغ بأن يعيش نوعين من التصنيف: الإدراك الحسي، والإدراك المفاهيمي. لنشرح هذين المفهومين أولًا.

  • يشير الإدراك الحسي إلى إدراك تفاصيل معينة في العامل المُشاهَد، ندرك هذه التفاصيل لنقارن أوجه التشابه بين كائن وآخر.
  • أما الإدراك المفاهيمي فيمكنك توقع مهمته من اسمه، يعتمد على الأفكار والمفاهيم، أي يمكننا تذكر شيء بناءً على ما يفعله أو مهمته، وليس بمقارنته مع أشياء أخرى تشبهه.

بعد عرض القطع على المشاركين، عُرض عليهم في الاختبار أيضًا قطع فنية أخرى مشابهة لما رأوه من الناحية الإدراكية والمفاهيمية، إذ اختيرت قطع فنية أخرى مشابهة لما رأوه إما لنفس الفنان، أو لفنان آخر لكنه يصوّر ذات الفكرة. خلال أكثر من 5 تجارب مجراة، تبين أن الفنّ المصوّر كان تذكّره سيئًا غير واضح بالمقارنة مع ذلك المُشاهَد بدون تصوير، حيث تم إجراء الاختبار والتأكد منه خلال وقت محدد بين عملية المشاهدة والتأهب للتذكر، مرة بوجود زمن قصير بينهما مدته حوالي 20 دقيقة، وأخرى طويل مدته حوالي يومين (48 ساعة).

انظر إلى الصورة أدناه: تُظهر جزءًا من الاختبار، مثال على عنصر اختبار إدراك في الأعلى، وعنصر اختبار مفاهيمي في الأسفل. تشير الصورة المكتوب أسفلها “العنصر المدروس (Studied item)” إلى العمل الفني الذي عُرض على المشاركين، والذي كان عليهم تحديده بشكل صحيح في الاختبار. وتُظهر الصور ذات الترقيم 1 و2 و3 الأعمال المعروضة في الاختبار، والذي يجب اختيار الصحيح منها (الاختيار الصحيح مُحاط بدائرة).

الإدراك الحسي والمفاهيمي

النتيجة كانت ضعف الذاكرة في الاختبارات الحسية والمفاهيمية. بالتأكيد، الجميع يقوم بتصوير اللحظات للتمكن من إعادة تذكر التجارب بشكل أفضل مستقبلًا، إذ يثير ذلك عقلنا اللاواعي، ويدفعنا إلى الحنين إلى الماضي، ولكن لا ينفِ ذلك الابتعاد عن لذة اللحظة الأصلية.

اقرأ أيضًا: أخلاقيات التصوير الصحفي: 7 أسئلة يجيب عنها مُصوّرون محترفون

إذًا كيف يمكن لتوثيق اللحظات بالصور أن يُفسد ذاكرتنا؟

استخدام الهواتف المحمولة والتقنيات التكنولوجية بشكل غير جيد في الأصل، يؤدي إلى إضعاف الذاكرة، والدليل اعتمادك على الآلة الحاسبة أحيانًا في إدارة العمليات الحسابية البسيطة، يجعلك بعد فترة مضمر العقل بالنسبة لهذه العمليات، وهكذا التصوير. الخطوة الأولى لتكوين ذاكرة حديدية دائمة هي الانتباه، فبدون الانتباه، لن تخزن ذاكرتنا الأحاسيس من حولنا والتي نريد تخزينها في صورة للأبد.

حتى يخزن الدماغ الذكريات طويلة المدى، يجب عليه ربط الخلايا العصبية مع بعضها، ولربطها يجب الانتباه وجمع الأحاسيس التي تشكّل الذاكرة، مثل كيف يبدو المشهد؟ ما هو شعورنا تجاهه؟ كيف هي رائحته (لتتخزن في أعماقنا)، وكلما كان الربط أقوى، كانت الذاكرة أقوى والاتصالات بين الخلايا أقوى، ومن هنا، إذا لم ننتبه، أي إذا لم نخزن أو نحصل على معلومات حتى في الذاكرة قصيرة المدى، فللأسف لن يتم تخزين أي حَدَث في ذاكرتنا على المدى الطويل.

“يعتمد المشاركون على الكاميرات لتذكر المعلومات التي يصوروها، ولكن هذا بدوره يضعف الذاكرة تجاه المعلومات المصوّرة” – ريبيكا لوري (Rebecca Lurie) رئيسة إحدى الدراسات الخاصة بموضوع تأثير توثيق اللحظات بالصور من جامعة بينغهامتون.

الكاميرات تضيّق انتباهنا لا أكثر. التصوير بالهواتف الذكية لا يجعلنا أغبى بالتأكيد، ولكنه يغير الطريقة التي تعمل بها عقولنا في اللحظة، وكأنه يعيد ترتيبها بشكل غير لائق. وجدت عالمة معرفية في جامعة نيويورك أن الاستخدام المتواصل للهاتف الذكي يمكن أن يؤدي إلى ثغرات في الذاكرة، ويؤدي إلى ما يسمى “التفريغ المعرفي”.

عام 2011، نشرت مجلة فوكس الشهيرة دراسة أفضت إلى أنه عندما يتم إخبار الفرد بأن هناك آلية مثل الكمبيوتر، ستحفظ جزءًا من المعلومات عنه بدلًا من أن يحفظها هو، فمن المرجح أنه لن يتذكر المعلومات فيما بعد. الدراسة شملت 60 طالبًا من طلاب الجامعات، فاعتُبرت أنها دراسة ذات نتائج محدودة القيمة، ولكن عزيزي تلك النتيجة واضحة تمامًا ولا يتعين عليك إيجاد الكثير من الدراسات لتصدقها، كم عدد أرقام هواتف الأشخاص التي تحفظهم الآن؟؟ ضئيل.

ولكن تلك ليست حجّة لجعل نفسك غبيًا، الهواتف لا تجعلك غبيًا، هي بمثابة عكاز معرفي هنا، فلنكن واقعيين، التفريغ المعرفي هذا ليس شيئًا سيئًا إذا قمنا بتفريغ معلومات عادية، لن يضرّك الأمر إذا لم تتمكن من حفظ أرقام الهواتف في دماغك، أما عن المسائل الجدية، فيجب التعامل بجدية نعم، لأنه يضرّ عندما تكون أنت مساعد جرّاح في قسم العمليات مثلًا، ويسألك الطبيب عن الخطوة التالية لاستئصال الزائدة الدودية! نعم نحتاج دماغنا ولكن الهواتف لن توثر سلبًا إذا استخدمناها بالشكل الأمثل!

اقرأ أيضًأ: مبادئ يجب أن تعرفها عن احتراف التصوير

كم من حياتنا بإمكان “عقلنا فقط” أن يتذكره؟

هنا نتكلم على المدى البعيد، هل نلتقط الصور لنتذكر اللحظات بعد سنين من مرورها؟ أم نعيش اللحظة وقضية نسيانها ليست بمشكلة؟ الدراسات أمامك في الأعلى، والأدلة العلمية أثبتت تأثير التصوير على الذاكرة بشكل أو بآخر، لذا الموضوع بقي نسبيًا بالنسبةِ لك، ما تحتفظ به أو ما تنساه عند التقاطك للصور، أمر لا يمكن جزمه، هناك الجيد والسيئ في هذا الموضوع، ولكن الأمر متوقف على إرادتك.

أعتقد أنه لا يمكن إقناعكم بعدم التقاط الصور في لحظات حياتكم المهمة والاكتفاء بعيشها، ربما أنا مثلكم أيضًا، أحب أن أُبقي ذكرى مصوّرة لأشيائي الخاصة، لربما أريها لأولادي، أو لتبقى مجرد صورة للحظة سعادة قديمة مثلًا، وخاصةً وأنّ ذكرياتنا ليست نسخة كربونية من الأحداث التي شهدناها، ففي كل مرة نتذكر فيها ذكرى، قد نغيّر في أحداثها ما يقلل من دقتها، لذا ومع انتشار الأدوات الرقمية التي تسمح لنا بتوثيق الأحداث، أعتقد أنه من الصعب العمل على “عيش اللحظة” بلا “توثيقها”، حتى لو كانت الدراسات مقنعة باحتمالية إضعاف الذاكرة ووجوب التقليل في الواقع من تشتيت انتباهنا وإخراجنا من اللحظات بالتصوير، ولكن وجب إعلامكم بهذا الأمر بالتأكيد. دمتم سالمين.

0

شاركنا رأيك حول "“عش اللحظة”.. كيف يؤثر توثيق اللحظات بالصور على ذاكرتنا؟؟"